مدونات

أسياس يفقد صبره: البحر الأحمر أم الحرب؟

المنفي رقم ٢٤ يكتب

في الوقت الذي تتلاحق فيه المؤشرات على اضطراب إقليمي وشيك في القرن الأفريقي، تعود طبول الحرب لتدق بين اريتريا و اثيوبيا، الخصمين اللدودين، بعد سنوات من الهدوء الظاهري وتبادل الابتسامات بين أسمرا وأديس أبابا.

ما بدأ بخطابات مبطنة وتحركات عسكرية محدودة، تحول الآن إلى تصريحات علنية، تعبئة شاملة، وتحشيد على طول الحدود المشتركة.

تصريحات أسياس: “خطة شخص مجنون”

في مقابلة بُثت عبر الإعلام الرسمي الإريتري في 19 يوليو، وصف زعيم النظام الإريتري أسياس أفورقي مساعي آبي أحمد للوصول إلى منفذ بحري على البحر الأحمر بـ”خطة شخص مجنون”.
ثم أردف محذراً:

“هذه استفزازات صبيانية. رسالتنا واضحة: لا. من الأفضل أن تبقوا في أماكنكم.”

لكن هذه اللهجة لم تكن سوى غطاء لتعبئة عسكرية واسعة أعلن عنها النظام منذ فبراير، استعداداً لما يبدو أنه صراع يعيد إريتريا إلى واجهة الحروب العبثية، التي لم تحصد منها سوى القبور الجماعية والهجرة الجماعية.

آبي أحمد: صمت مريب وخطط صامتة

الحكومة الإثيوبية، من جانبها، لم تُعلن رسمياً نيتها استخدام القوة للوصول إلى البحر. لكن تقارير ميدانية تؤكد نشر قوات قرب الحدود، وتحريك أسلحة ثقيلة إلى الشرق، في سيناريو يعيد للأذهان بدايات حرب 1998.

يرى المحلل السياسي كونستانتينوس برهوتسفا أن “الخطاب المتبادل يُنذر بحرب وشيكة”. بينما يؤكد محللون آخرون أن العلاقة بين النظامين قد وصلت إلى نقطة اللاعودة.

تحالفات غريبة: أسياس وخصوم الأمس

المفارقة الأخطر تكمن في الأخبار التي تتحدث عن تقارب بين نظام أسياس وبعض قادة جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF)، العدو السابق له في حرب تيغراي.
تشير تقارير عديدة إلى أن بعض فصائل الجبهة التي كانت تتقاتل مع قوات أسياس حتى وقت قريب دخلت في تحالف غير معلن مع أسمرا ضد الحكومة الفيدرالية الإثيوبية المعروف بجناح دبرصيون والذي لديه سيطره شبه كامله لإقليم تيغراي .

القيادي التيغراوي قيتاشيو رضا الذي اصبح مستشاراً لرئيس الوزراء الاثيوبي كتب على وسائل التواصل الاجتماعي محذراً من هذا التحالف الذي وصفه بـ”غير المقدس”، قائلاً:

“النتيجة المتوقعة هي إعلان حرب جديدة على شعبنا.”

تيغراي المنقسمة: حافة النار من جديد

الجيش الإثيوبي، على لسان قائده برهانو جولا، اتهم الجبهة بعدم الالتزام باتفاق بريتوريا، وإعادة استخراج الأسلحة الثقيلة التي سبق أن دفنتها بعد توقيع السلام.

وفي 23 يوليو، نشرت Borkena تقارير تفيد بانتشار عناصر تيغراوية في مناطق حدودية مع أمهرة، تبعتها بعد أيام تقارير عن نقل إثيوبيا لأسلحة ثقيلة قرب الحدود مع إريتريا.

ما الذي تريده أسمرا فعلاً؟

في ظل هذه التطورات، يبقى السؤال: هل يسعى النظام الإريتري إلى خوض حرب حقيقية؟ أم أنه يوظف التصعيد لكسب الوقت، وخلق حالة طوارئ دائمة، تبرر بقاءه واستمراره في الحكم؟

الأكيد أن الشعب الإريتري هو الخاسر الأول، كما كان دوماً. فكل تعبئة جديدة تعني مزيداً من الشباب المجندين قسراً، ومزيداً من الأمهات المعلقات بين الخوف والانتظار ومزيداً من تجنيد الاباء من يستطيعون حمل السلاح.

نهاية اللعبة: برميل بارود في انتظار الشرارة

المحلل السياسي في معهد دراسة الحروب، ليام كار، حذر من اندلاع حرب شاملة، لكنه أشار إلى احتمال اندلاع “صراع منخفض الحدة” يسمح لكل طرف بكسب أوراق تفاوض دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
لكنه ختم بتحذير دقيق:

“خطأ واحد، أو تدخل خارجي، كفيل بإشعال كل شيء.”

وهو ما حذر منه أيضًا كونستانتينوس بقوله:

“بدء هذا الصراع سهل… لكن إيقافه سيكون مستحيلاً.”

سؤالي للقارى الإريتري .

إلى متى سنبقى رهائن قرارات رجل واحد، يعتبر الحرب خياراً، والموت واجباً، والخطاب الرسمي وسيلة للتهديد؟

هل سيكون شباب إريتريا وقود الحرب مجدداً؟

هل نحتاج إلى حرب جديدة لنكتشف أن القضية ليست في البحر الأحمر، بل في غياب الدولة ذاتها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى