مقال ثقافي ..إبراهيم حالي
أغوردات ليست مجرد مدينة، بل هي إرث حيّ يمد خيوطه في الوجدان، لتغزل ثوب من الحنين يُحاك جيلاً بعد جيل، كطقوسٍ تُمارَس بإيمان.
هناك، حيث تتقاطع الأزقة والحواري مع الذاكرة، وتتعانق الأسماء مع الحكايات، حيث تنبض المدينة بروحٍ لا تهدأ.
في محطة القطار، جاءني أمانيئيل منقستو، الذي التقيته لأول مرة برفقة جمال بلال، ليقلّاني إلى موقع التجمّع للقاء السنوي في ضواحي مدينة فرانكفورت.
كان المشهد أشبه ببابٍ يُفتح على زمنٍ لا أنتمي إليه مباشرة، لكنه يستدرجني بقوة الحنين عبر حكايات محفورة في الذاكرة.
ابتسامة أمانيئيل الوديعة، ولغاته التي تتنقّل بخفة بين العربية والتقرنية والتقراييت، بدت وكأنه يعزف على أوتار المدينة التي تحفظ موسيقاها وإيقاعها منذ عقود.
وحين وصلنا إلى المقر وترجّلنا عن السيارة، تسلّلت إليّ رهبة غريبة. شعرت أنني أقف على أعتاب لقاءٍ يعيدني إلى تاريخٍ ذهبي، أو أنني سأقف أمام وجه أبي في وجوههم والذي لم أعرفه يومًا، أو ربما عند بوابة “مدينة فاضلة” منسوجة بأحلام الذين سبقوني.
لم تكن التحايا التي تبادلناها مجرد كلمات، بل جسورًا تربط حاضري بماضٍ لم أعشه، لكنها جعلتني في لحظة جزءًا منه بانسياب عجيب.
بدأت الأسماء تتردّد حولي:
امانئيل منقستو
تولدي، اسفها
ويني نقوسي
موكنن اسملاش،
قايم، قرماي
طه يعقوب،
قنت ولداي
صاوراي تكئي،
زرآي تسفاي،
هاشم ياسين،
جمال بلال،
أزيب قبرو
برهاني يبا…
قويتؤوم برمبراس
كفلي ماريام بيطروس
كانت تلك الأسماء تتناثر مثل شهب تضئ صفحات التاريخ ، او كأنها تعيد رسم خارطة انتماء، أو تُنقّب في ذاكرة مدينة لم ترضَ أن تُمحى.
كل اسم يحمل قصة، وكل ذكرى تنفتح على مشهد، حتى بدت الجلسة وكأنها أرشيف حيّ يحفظ تفاصيل الناس والأماكن بدقة خرافية .
أغوردات، في حقيقتها، ليست مدينة عادية أو مجرد ذكرى فحسب، بل فكرة متجددة. كلما حاول النسيان طيّها والأحداث حرقها ،والبعض اراد محوها ، نهضت من الرماد مثل عنقاء، تفتح قلبها الأخضر على شوارعها وحواريها، لا لتروي قصة تعايش وإخاء فحسب، بل لتحكي عن صمود ما زال منحوتًا في معالمها وملامح ناسها.
إنها خريطة حبّ إرتريا المرسومة على جدار الزمن، ومدينة تمنح أبناءها معنى البقاء رغم كل الجراح. يفرّقهم الشتات ويجمعهم الحنين، فيستدعون أواصر حبهم القديم المنصهر في هوية المدينة المتفرّدة، ويلتقون وكأنهم ما زالوا هناك. يمزحون ويضحكون، وكأنهم احتفظوا بروح صباهم لتلك اللحظات الحميمية. حتى من غيّبهم الموت، كانوا دومًا حاضرين في لقاءاتهم وتفاصيل الحكايات.
وليس هذا بغريب على أبنائها؛ فـ”كريستو نيكولا” الإغريقي فضّلها على اليونان واختار أن يعيش ويموت بالقرب من صديقه “عبي قماط”، .
وكان الطيب حاج بابكر لا يقوى على المكوث في شندي أكثر من أسبوع في زيارته للأهل، إذ لم يكن يحتمل البعد عنها.
فأغوردات، أقل ما يُقال عنها، إنها مدينة ساحرة تجاوزت منذ القدم كل الفوارق والأزمان،
