
رصد اريتريا | الكاتب : علي محمد محمود
احتفل الرئيس الإرتري إسياس أفورقي بعيد ميلاده الثمانين في 2 فبراير 2026 (وُلد في 2 فبراير 1946). وصل إسياس إلى السلطة في إرتريا خلال سياق تاريخي محدد، حيث حوّل الحكم إلى تسلط قائم على القمع والنفي، واستخف بالشعب عبر اعتقال رموزه وتهجير شبابه. لقد أضعف ذلك التماسك الداخلي للمؤسسة العسكرية، التي عادة ما تكون النواة الصلبة لرعاية عمليات التغيير السياسي في إفريقيا، سواء كان ذلك عبر انقلاب عسكري أو تحول ديمقراطي، واستبدلها بدولة أمنية.
من العداوة إلى المداهنة:
الملفت في نهج إسياس أفورقي هو مغازلته للولايات المتحدة، على عكس نهجه السابق الذي اتسم بتوجيه الاتهامات لواشنطن ودول الجوار بأنها تسعى للنيل من سيادة إرتريا واستقلالها. وقد تحدث أفورقي بتفاؤل عن عودة العلاقات مع أمريكا خلال مقابلة أجرتها معه وسائل الإعلام الإريترية في 12 يناير 2026، مرجحًا إمكانية نشوء علاقات متوازنة وعادلة معها. وعموما، يرى إسياس أن حكم الجمهوريين أفضل من حكم الديمقراطيين في أمريكا، وأن ترامب كان الأمثل بينهم جميعاً، ملمحاً إلى أن توجهه نحو إرتريا كان إيجابيًا في دورته الأولى، لولا تدخل بعض المحللين ووزارة الخارجية الذين “أفسدوا الأجواء”، بحسب قوله، من خلال تقرير وصف “مناخ الاستثمار” في إرتريا.
أكد التقرير صعوبة الاستثمار في إرتريا وعزا ذلك إلى “غياب قانون تجاري، وانقطاع العلاقات مع الأنظمة المالية” الدولية، والرقابة الحكومية الصارمة على جميع الواردات والصادرات. وأشار التقرير إلى أن معظم الشركات الخاصة هي متاجر صغيرة مملوكة للعائلات، بينما تستحوذ الحكومة أو حزب الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة على المشاريع الكبرى الشاسعة. بالإضافة إلى ندرة العملة المتداولة نتيجة القيود المفروضة على الأفراد، وصعوبة الحصول على العملات الصعبة، وقانون العقارات، ومسألة العمالة ورأس المال، وغياب صندوق ثروة سيادي؛ كل هذه العوامل وغيرها تقيّد الاستثمار الأجنبي بشدة وتجعل الاستثمار الخاص صعبًا ويستغرق وقتًا طويلاً. ولهذا، فإن مناخ الاستثمار في إرتريا لا يعد مشجعًا، لأنه ينطوي على مخاطر مالية كبيرة بصرف النظر عن رغبة الحكومة الإرترية في تنويع مصادر الاستثمار الأجنبي المباشر.
على الرغم من التقرير السابق، يأمل الرئيس الإرتري أسياس أفورقي أن تشهد العلاقات بين إرتريا والإدارة الأمريكية تحسنًا في فترة رئاسة ترامب الثانية، متوقعًا أن يكون عام 2026 عامًا لعودة هذه العلاقات. إلا أن هذا التفاؤل يقابله نداء من مايكل روبين، المسؤول السابق في البنتاغون وعضو معهد (The American Enterprise Institute)، للرئيس ترامب بالتدخل لإحداث تغيير في السلطة في إرتريا. صرح روبين في صحيفة “واشنطن إقزامينر” بتاريخ 17 يناير 2026 بأن ترامب مُحقّ في دعوته لرحيل خامنئي، بيد أن رحيله لا ينبغي أن يكون استثناءً. وأشار إلى أنه بينما تبحر حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس أبراهام لينكولن” إلى منطقة عمليات الأسطول الخامس، فإنها ستمر بالقرب من إرتريا. واقترح روبين أنه إذا أراد ترامب ترسيخ إرثه كرجل يدافع عن الأمريكيين عالميًا ويتصدى لخصوم أمريكا بكل الوسائل المتاحة، فعليه أن يوجه إنذارًا نهائيًا للديكتاتور الإرتري أسياس أفورقي: إما أن يتنحى ويترك إرتريا بسلام، أو أن ينتهي به المطاف على غرار مادورو.
وأضاف روبين أن تحرير إرتريا من أسياس سيعزز الأمن الإقليمي ويدعم المصالح الأمريكية ويحرر الأمريكيين من تهديد الإرهاب في بلادهم، واصفًا إرتريا بأنها لا تزال دولة سجون أشبه بكوريا الشمالية في أفريقيا، وأن نظام أسياس استعبد الشعب الإرتري لمدة ثلاثة عقود. وأكد روبين أنه حان الوقت لأن يجعل ترامب عام 2026 العام الذي يسقط فيه كل ديكتاتور معادٍ لأمريكا، ومحتجز للرهائن، ومؤيد للصين.
نشير هنا إلى أن هذا النهج يتناسب مع عقلية ترامب وتحركاته. أما الشعب الإرتري، فلم يعد يكترث ما إذا كان إسياس قضى نحبه حتف أنفه، أو أزيح عن السلطة بفعل خارجي.
إجحاف أمريكي وعجز إرتري:
لم تتعامل أمريكا بإنصاف في علاقتها مع إرتريا، حيث استمرت في الانحياز لإثيوبيا منذ فترة تقرير المصير. وكان إسياس محقا عندما أنحى باللائمة على أمريكا وحمّلها جزءًا من معاناة الشعب الإرتري قبل الاستقلال وبعده، لكن السؤال الملح هو: ماذا فعل إسياس وحكومته خلال ثلاثة عقود لتعديل هذا المسار؟ وتحسين العلاقة؟ فبدلًا من تفكيك أسباب الأزمات، عمل على تعقيدها وتوطينها، مستغلًا ذلك لإدامة حكمه بنظام شمولي بحجة المؤامرات الخارجية ما انفك طوال سنوات حكمه، يهاجم أمريكا ويكيل لها التهم، وكأنها هي التي تدير شؤون إرتريا داخليًا وخارجيًا. فقد اتهم وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) ووكالات غربية أخرى باستدراج الشباب للهجرة والهروب من إرتريا، واصفًا هجرة الشباب الإرتري بأنها “عملية مُدبّرة ومنظمة يمولها جهاز الاستخبارات المركزي”. ووفقًا لبرقية مسربة نشرها موقع ويكيليكس عن السفارة الأمريكية في إرتريا عام 2010، أعرب الرئيس الإرتري عن خشيته من أن تغتاله الولايات المتحدة عبر استهداف مقر إقامته بصاروخ. كما اتهم أمريكا بتدبير التوتر الحدودي بين إرتريا وجارتها إثيوبيا. ونتيجة لذلك، حظر جميع المنظمات غير الحكومية الأجنبية خوفًا من تجنيد عملاء لها داخل إرتريا، وقيد دخول مواطني الدول الأخرى إلى إرتريا، وفرض قيودًا مشددة على حركة الزوار الأجانب، سواء كانوا سياحًا أو دبلوماسيين أو مستثمرين.
وكان إسياس في السابق يخوف الدول الغربية بأن رحيله سيؤدي إلى أزمات اجتماعية وسياسية حادة، وسيُصعّد حروب الكراهية بين المسلمين والمسيحيين، وبين القوميات المختلفة. بل كان يزعم أن من سيخلفه في السلطة هم المتطرفون المسلمون، باعتبارهم الكتلة المعارضة الأقوى المدعومة من الأنظمة المتشددة السودانية والإيرانية، وهو ما يهدد بتحويل البحر الأحمر إلى بحيرة عربية خالصة. فهل سيختار ترامب خطة إسياس المتفائلة وانفتاح العلاقات، أم سيختار خطة مايكل روبن التي تهدف إلى التخلص من الرئيس الإرتري؟
تفاؤل دون حدود
هناك توقعات من الرئيس الإرتري ووزير إعلامه بأمل تحسن العلاقات مع أمريكا استنادا على بعض التحركات الدبلوماسية وهي:
• رد ترامب على تهنئة إرتريا بانتخابه رئيسًا للولايات المتحدة لولاية ثانية؛ حيث بعث ترامب برسالة إلى إسِياس أفورقي في يوليو 2025، جاء فيها: “نتطلع إلى عكس الضرر الذي ألحقته إدارة بايدن بالعلاقات بين البلدين”.
• تهنئة وزير الخارجية الأمريكي بمناسبة يوم استقلال إرتريا؛ فقد أصدر ماركو روبيو بياناً في 24 مايو 2025 قال فيه: “أتطلع إلى تعزيز علاقتنا مع شعب وحكومة دولة إرتريا في السنوات المقبلة”.
• لقاء وزير الخارجية الإرتري عثمان صالح بمسعد فارس بولس، مستشار الرئيس الأمريكي ترامب للشؤون الأفريقية، في نيويورك بتاريخ 25 سبتمبر 2025 على هامش الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة. كان هذا أول لقاء له بمسؤول رفيع بالإدارة الأمريكية منذ سنوات، إذ كان آخر لقاء مماثل في مايو 2021 عندما التقى جيفري فيلتمان، المبعوث الخاص آنذاك لمنطقة القرن الأفريقي.
• اللقاء الذي عُقد في السفارة الإرترية بواشنطن مع القائم بأعمال السفارة، برهاني سولومون، يوم 5 يوليو 2025. وقد ضم اللقاء كبار مسؤولي وزارة الخارجية الأمريكية: نائب مساعد وزير الخارجية فنسنت سبير، والسيدة هولي ماكي، والسيد جوناثان. ونقلت تسفا نيوز عن السيد برهاني أن إرتريا أعربت عن استعدادها للتعاون والحوار البنّاء مع الولايات المتحدة، ورأى الجانب الإريتري في هذا اللقاء فرصة لاستئناف العلاقات مع أمريكا.
• موقع إرتريا وحاجة أمريكا لتأمين هذا الممر الهام؛ حيث دون دانيال هايل، وهو ضابط في الجيش الأمريكي: “على إدارة ترامب اتخاذ قرار مصيري لمواجهة نفوذ الصين وروسيا، وقوى صاعدة كتركيا والسعودية والهند في شرق أفريقيا، عبر اتباع استراتيجية انخراط شاملة مع إرتريا وبناء شراكة استراتيجية، بجعل أسمرا حليفاً مستقبلياً وشريكاً استراتيجياً بالغ الأهمية للولايات المتحدة في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً”. وأضاف أن إنشاء قاعدة عسكرية على طول الساحل الإرتري سيوفر لواشنطن خيارات استراتيجية في القرن الأفريقي، مما سيعالج التحديات الجيواقتصادية والجيوسياسية ذات الآثار الكبيرة على التجارة والأمن الدوليين.
هل يصدق تحريض مايكل روبن في إزاحة أفورقي عن السلطة؟
تحريض روبن لاقتلاع إسياس أفورقي عن السلطة له ما يسنده من تحركات، وتضمره دول إقليمية، سواء كان ذلك بدعم أمريكي مباشر أو عبر عملاء:
ترى واشنطن أن إرتريا لا تزال الدولة الأكثر عزلة في القرن الأفريقي، وتصف دورها بأنه مزعزع للاستقرار الإقليمي، وأنها ليست حليفا جديرا بالثقة، بالإضافة إلى تحالفها مع خصوم ومنافسي الولايات المتحدة. ولهذا، سيكون نهج واشنطن تجاه إرتريا هو “المسافة الاستراتيجية”، ويشمل ذلك مراقبة أفعالها، وردع السلوك المزعزع للاستقرار عبر الضغط الدبلوماسي، ومنع إرتريا من أن تصبح مركزاً للقوة المنافسة في منطقة البحر الأحمر، وقد يتطور هذا النهج إلى السعي لإزاحة رأس الهرم في إرتريا.
يستبعد السفير تيبور ناجي، مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق للشؤون الأفريقية، إمكانية عودة العلاقات الأمريكية الإرترية بوجود إسياس أفورقي في السلطة؛ فسلوكه الذي يربك المشهد الداخلي والإقليمي لا يسمح بتحسن العلاقات مع أي طرف دولي. ففي المقابلة التي أجراها مراسل مجلة “ذا ريبورتر” مع السفير ناجي في يناير الماضي، وعندما سئل عن إمكانية عودة علاقة إرتريا بأمريكا في عهد ترامب، كان رده: “لا أتوقع تحسن العلاقات بين واشنطن وأسمرا”. ويُذكر أن ناجي دبلوماسي مخضرم شغل منصب سفير الولايات المتحدة لدى عدة دول، من بينها إثيوبيا، كما شغل منصب وكيل وزارة الخارجية للشؤون الإدارية بالوكالة خلال إدارة ترامب الثانية.
العقوبات المفروضة على إرتريا منذ عام 2021 لم يُناقش أحد من إدارة ترامب رفعها.
لا تزال إرتريا تتعرض للإدانات من الولايات المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى بشأن ملفات حقوق الإنسان.
لا يوجد سفير أمريكي في إرتريا، كما أن إرتريا من الدول التي شملها قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإغلاق السفارة فيها لعدم جدواها.
قدم السيناتور الأمريكي آدم شيف (ديمقراطي من كاليفورنيا)، والسيناتور الديمقراطي ديك دوربين (رئيس الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأمريكي، وهو ديمقراطي من إلينوي)، والسيناتور كريس كونز (ديمقراطي من ديلاوير) قراراً يدين الحكومة الإرترية بسبب الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان التي استمرت لعقود في إرتريا.
إرتريا هي إحدى الدول التي شملها حظر التأشيرات الأمريكية.
استثناء إرتريا من جولة نائب وزير الخارجية في الشهر الماضي التي شملت أغلب دول القرن الأفريقي، مما يوحي بتصنيفها كدولة منبوذة.
لا تملك إرتريا حاليًا ما يمكن أن تقدمه لإدارة ترامب التي تُركز على الصفقات. والأهم أن الرئيس الإرتري يخشى أي اتفاقيات شراكة دولية؛ لأنه ينطلق من عقلية منغلقة لا تستوعب مفهوم التبادل والشراكة، بالإضافة إلى افتقاره للكفاءات الإرترية القادرة على إدارة مثل هذه الشراكات لو تمت.
إن استخدام ترامب للقوة العسكرية لتغيير الأنظمة دون تفويض دولي، وعلى مرأى ومسمع من العالم، يفتح الباب لاحتمالية تكرار ذلك في مناطق أخرى لا تحظى بحماية من قوى دولية كبرى.
بإمكان التحالف الإثيوبي الإماراتي الإسرائيلي أن يلجأ في إرتريا إلى فعل مشابه لما قام به ترامب في فنزويلا، ويتحمل ما ينتج عنها من إدانات قد لا تؤثر في جوهر المسألة، خاصة وأن هذه الدول اعتادت على مثل هذه الإدانات.
تزايد التوترات وهشاشة منطقة القرن
تمر منطقة القرن الأفريقي بمرحلة من التقلبات الاستراتيجية، حيث تتفاعل عوامل قد تؤدي إلى انفجارها عبر حروب داخلية متصاعدة، وانتظار صراعات تتخطى الحدود المحلية لتصبح إقليمية. تتقاطع في المنطقة مصالح متباينة، وتشهد تحولاً في التحالفات والعلاقات، خاصة في ظل انشغال القوى الدولية الكبرى بتنافساتها وتغير ثوابتها. فبينما يسعى الرئيس الإرتري إسياس أفورقي لعودة العلاقات الإرترية الأمريكية، تركز استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية لعام 2026 بشكل أساسي على فلسفة “أمريكا أولاً”، وتأمين ساحتها الخلفية، وردع الصين في منطقتي المحيطين الهندي والهادئ.
إن الإجراءات الأمريكية ضد الرئيس الفنزويلي تُعد نقطة تحول في استراتيجيتها وتحولاً جذرياً في النظام الدولي، مما يزيد المشهد التباسا وسوءاً في هذا التوقيت الجيوتاريخي. وعندما نتأمل استراتيجية الأمن القومي التي اعتمدتها إدارة ترامب لعام 2025، نجدها تفضل الواقعية الاستراتيجية، ولا تولي اهتماماً لشؤون الدول الأخرى إلا إذا كانت أنشطتها تهدد مصالحها بشكل مباشر.
ما هي المحفزات التي بوسع إرتريا تقديمها؟
إذا سلمنا بإمكانية تحسن العلاقات بين إرتريا وأمريكا، فمن المرجح أن ترامب، ذو النزعة النفعية، لن يتحرك بالعواطف بل بالصفقات. فماذا بوسع إرتريا أن تتفاوض عليه؟ وما هي الحوافز التي يمكن أن تعرضها مقارنة بجمهورية الكونغو الديمقراطية، وجنوب أفريقيا، وزامبيا، وإثيوبيا؟ فهذه الدول أكثر جاذبية لواشنطن كشركاء. وعلى الأرجح لن يرفع ترامب العقوبات مجاناً تتضمن أجندة وزارة الخارجية الأمريكية المشاركة في التفاوض على تسوية النزاعات القائمة (مثل نزاع جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا والسودان)، ومنع نشوب نزاعات جديدة (مثل نزاع إثيوبيا وإرتريا والصومال)، وتعديل نهجنا في المساعدات والاستثمار (مثل قانون النمو والفرص في أفريقيا). على الرغم من ذلك، تبرز تحركات وتصريحات قيادة القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، التي تحافظ على علاقات جيدة مع معظم دول القرن الأفريقي، حيث قام الجنرال مايكل لانغلي، قائد أفريكوم، والرقيب أول مايكل وودز، كبير ضباط الصف في مشاة البحرية الأمريكية، بزيارة جيبوتي والصومال وإثيوبيا وكينيا في الأشهر الماضية، مستثنين إرتريا التي رفضت التعاون مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) في منظومة الأمن العالمي. تُعد إرتريا وزيمبابوي الدولتين الأفريقيتين الوحيدتين اللتين رفضتا التعاون مع أفريكوم منذ إنشائها عام 2007، وانضمت إليهما لاحقًا بوركينا فاسو ومالي والنيجر. ولا يستبعد أن تتعرض إرتريا لضغوط من أفريكوم التي تصرح قيادتها بأن “دعم شركائنا الأفارقة يخضع لما تقرره وزارة الدفاع ووزارة الخارجية الأمريكية في المنطقة، وهي مهمات لا تقبل الفشل”. ولهذا، قد تكون (أفريكوم) الأداة القادرة والمناسبة لتنفيذ سيناريو شبيه بفنزويلا في إرتريا، إذا ما غذّت ذلك عنجهية ترامب، وقرر المضي قدمًا في هذا المسار.
تقاطع المصالح وأمان الوسيلة
تدرك الولايات المتحدة الأمريكية أن اندلاع حرب إقليمية في منطقة القرن الإفريقي سيكون كارثيًا على سياستها في البحر الأحمر، وسيُقوّض مصالحها في مكافحة الإرهاب، والأمن البحري، واحتواء إيران، ومحاصرة الحوثيين. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الفضائح الأخلاقية المتعلقة بقضية إبستين قد تضع الرئيس ترامب نفسه تحت إعصار يزعزع أركان إدارته. ومع ذلك، لا يُستبعد أن تلجأ أمريكا إلى وسيلة أكثر أمانًا لإزاحة الرئيس إسياس أفورقي، وهو خيار تتقاطع فيه مصالح أطراف متعددة؛ فالشعب الإرتري يتوق إلى التغيير دون تحديد الوسيلة المناسبة لذلك، لكنه يتفق على صون وحدة البلاد وعدم المساس بالاستقلال وسيادة الوطن. أما إثيوبيا، فترى في زوال إسياس زوالًا للشر الذي يهندس في مفاصلها المتوترة، ويُقلق مضجعها منذ سنوات بأذرعه الممتدة بين جماعات المعارضة الإثيوبية. وبالنسبة لأمريكا والإمارات، فإن إسياس لم يسلم لإملاءاتهما، كما أنه رفض التطبيع مع إسرائيل. وبغض النظر عما إذا كان هذا الرفض نابعًا من تحدٍّ وعناد أو حكمة ورشد، فإن الجميع يتفق على أهمية تغيير إسياس أفورقي حتى وإن اختلفت الأجندات. فهل سيتنحى إسياس عن المشهد الإرتري ليسمح لشعبه بالتنفس واستنشاق هواء الحرية؟ لقد وصل الحال بالشعب اليوم إلى أن يردد مقولة البردوني رحمه الله:
(( تَرَقّى العارُ من بيعٍ
إلى بيعٍ بلا ثمـنِ
ومـن مستعمرٍ غازٍ
إلـى مستعمرٍ وطني ))



