إثيوبيا

إثيوبيا على شفا حرب جديدة

رصد اريتريا | موقع جيسيكا | الكاتب : توم غاردنر

كان وقف إطلاق النار في إقليم تيغراي، شمالي إثيوبيا، بعد حرب أهلية وحشية بين عامي 2020 و2022، واحداً من النجاحات النادرة للدبلوماسية التي قادتها الولايات المتحدة وحلفاؤها في عهد إدارة جو بايدن. ففي نوفمبر/ تشرين الثاني 2022، ضغط مسؤولون غربيون وأفارقة – خشية أن تفضي النزعات الانفصالية في تيغراي إلى تفكك ثاني أكبر بلد أفريقي من حيث عدد السكان – على الحكومة الإثيوبية وقيادة الإقليم ممثلة في جبهة تحرير شعب تيغراي، للقبول بتسوية سياسية ووقف لإطلاق النار.

بعد ثلاثة أعوام فقط، يوشك كل شيء على الانهيار. ففي السابع من نوفمبر/تشرين الثاني، اتهمت جبهة تحرير شعب تيغراي حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد بـ”الانتهاك العلني” للاتفاق، عبر شن ضربات بطائرات مسيّرة على أهداف داخل الإقليم. جاء ذلك عقب اشتباكات بين قوات تيغراي وميليشيات متحالفة مع الحكومة الفيدرالية في إقليم عفر المجاور. وردّ آبي بإيقاف التحويلات المالية الفيدرالية إلى الإقليم، متهماً سلطاته بتبديد الموارد الشحيحة على تجنيد المقاتلين وشراء السلاح.

أصرّ آبي على أن حكومته “لا ترغب في الحرب مع أحد”، خلال جلسة للبرلمان في 28 أكتوبر/تشرين الأول. لكنه أردف محذّراً أنه إذا اندلعت الحرب “فلن يستطيع أحد أن يوقفنا”، في تعبير عن ثقة شبه مطلقة بقدرة جيشه. أما رئيس أركان الجيش الإثيوبي فكان أكثر مباشرة، إذ أعلن أن “إثيوبيا لن تنعم بالسلام ما لم تُستأصل جبهة تحرير شعب تيغراي”. في المقابل، يفاخر القادة العسكريون في تيغراي باستعدادهم للقتال من جديد. وفي ميقلي، عاصمة الإقليم، يتحدث السكان عن طوابير أمام المصارف والمتاجر، بينما يسارع الناس إلى سحب مدخراتهم وتخزين المؤن تحسباً لعودة الحرب.

هذه الأجواء تعيد إلى الأذهان الطريق التي قادت إلى حرب 2020؛ يومها كانت الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيغراي – التي هيمنت على الحياة السياسية في إثيوبيا نحو ثلاثة عقود قبل صعود آبي إلى السلطة عام 2018 – تستعدان جهاراً للمواجهة وتتبادلان الاستفزازات، في انتظار الطرف الذي سيطلق الشرارة الأولى. غير أن المشهد اليوم تحكمه ثلاثة عوامل تجعل الوضع مختلفاً، وأكثر خطورة بكثير.

يعيد احتمال اندلاع حرب بين إثيوبيا وإريتريا رسم خريطة التحالفات في القرن الأفريقي بأكمله. وفي إقليم تيغراي، الواقع بين الدولتين، سيكون على الأرجح ساحة المواجهة الأولى والأخطر
أول هذه العوامل هو الانقسام داخل صفوف قيادة تيغراي نفسها. ففي مارس/آذار الماضي، أطاح جناح من جبهة تحرير شعب تيغراي، مدعوما بوحدات عسكرية قوية، بالرئيس المؤقت للإقليم، وهو سياسي رأى خصومه أنه متساهل أكثر من اللازم مع آبي، وجرى تعيين جنرال من المؤسسة العسكرية بدلاً منه.

هذه الخطوة دفعت مجموعة من الضباط والجنود التيغرايين الساخطين إلى مغادرة الإقليم باتجاه عفر، حيث شكّلوا، بدعم غير معلن من حكومة أديس أبابا، ميليشيا مناوئة لجبهة تحرير شعب تيغراي. ومنذ ذلك الحين، تتكرر الاشتباكات بين هؤلاء المقاتلين ورفاقهم السابقين داخل تيغراي، في حرب داخل الحرب تزيد المشهد تعقيداً.

العامل الثاني هو انهيار العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا؛ المقاطعة الإثيوبية السابقة التي نالت استقلالها عام 1993. ففي حرب 2020، أرسلت إريتريا عشرات الآلاف من جنودها للقتال إلى جانب الجيش الإثيوبي في تيغراي. لكن العلاقات تدهورت سريعاً عندما بدا أن آبي يسعى، في عام 2022، إلى مصالحة مع جبهة تحرير شعب تيغراي، العدو اللدود لرئيس إريتريا السلطوي أسياس أفورقي.

اليوم يرى كلٌّ من آبي وأفورقي في الآخر خصمه الإقليمي الأول، ويتهمه بأنه المسؤول عن تهديد أمن بلاده ومستقبلها. ويزيد التوتر اشتعالاً طموح آبي المُعلن، وبصورة متزايدة، للحصول على منفذ بحري عبر واحد على الأقل من موانئ إريتريا على البحر الأحمر. ففي عام 2023 صرّح بأن حرمان إثيوبيا – الدولة الحبيسة التي يبلغ عدد سكانها نحو 130 مليون نسمة – من منفذ مباشر إلى البحر هو “مسألة وجودية” بالنسبة لها. كما صدرت عنه، في مناسبات مختلفة، تصريحات تشكك ضمنياً في مشروعية استقلال إريتريا نفسه.

رغم التأكيد المتكرر على أفضلية تسوية هذه المسألة عبر القنوات الدبلوماسية، فإن الاستعدادات العسكرية لحكومته لا تخطئها العين
ورغم تأكيده المتكرر أنه يفضّل تسوية هذه المسألة عبر القنوات الدبلوماسية، فإن الاستعدادات العسكرية لحكومته لا تخطئها العين. ففي 21 أكتوبر/تشرين الأول، زار وفد من المسؤولين والضباط الإثيوبيين بلدة بورِه القريبة من الحدود الإريترية، والواقعة على بعد نحو 70 كلم من ميناء عَصَب. وفي الوقت نفسه، تُظهر صور الأقمار الاصطناعية توسعةً لقاعدة للطائرات المسيّرة في المنطقة ذاتها.

يعيد احتمال اندلاع حرب بين إثيوبيا وإريتريا رسم خريطة التحالفات في القرن الأفريقي بأكمله. وفي إقليم تيغراي، الواقع بين الدولتين، سيكون على الأرجح ساحة المواجهة الأولى والأخطر. لهذا يرى مسؤولون في جبهة تحرير شعب تيغراي أن الخطر الأكبر على الإقليم – وعلى توازنات المنطقة – هو آبي نفسه، وقد بدأوا بالفعل في مدّ جسور الاتصال مع أسياس أفورقي رغم الفظائع الكثيرة التي ارتكبتها القوات الإريترية في حرب تيغراي السابقة.

تفيد تقارير بأن قادة عسكريين من تيغراي وإريتريا على تواصل مكثف منذ أكثر من عام. وخلال زيارة حديثة إلى بلدة زالامبِسّا الحدودية داخل تيغراي، صادفت بعثة صحفية نقطة تفتيش إريترية، وشاهدت جنوداً إريتريين يتحركون بحرية على مرأى من عناصر الميليشيات التيغراية. حتى الأوراق النقدية الإريترية باتت رائجة في السوق المحلية. وإذا اندلع قتال واسع النطاق بين جبهة تحرير شعب تيغراي والحكومة الإثيوبية، فمن المرجح أن تسارع إريتريا إلى نجدة تيغراي والوقوف إلى جانبها عسكرياً وسياسياً.

متاهة من الولاءات المتبدّلة
لم تقتصر التحولات على هذه الجبهة وحدها؛ إذ تبدّلت ولاءات أخرى أيضاً. ففي الحرب السابقة، شاركت ميليشيات من إقليم أمهرة، الواقع جنوب تيغراي، في القتال إلى جانب إثيوبيا وإريتريا ضد جبهة تحرير شعب تيغراي. غير أن تلك الميليشيات، المعروفة باسم «فانو»، دخلت منذ عام 2023 في تمرّد مفتوح على آبي وحكومته.

في هجوم مباغت أواخر سبتمبر/أيلول، تمكنت قوات «فانو» من دحر وحدات من الجيش الحكومي في شرق أمهرة، وتحقيق مكاسب ميدانية سريعة. يقول مسؤول إثيوبي سابق إن حجم تلك العملية “أطلق موجات من الصدمة في أروقة السلطة في أديس أبابا”. ويُرجح أن «فانو» تلقت دعماً من كلٍّ من إريتريا وجبهة تحرير شعب تيغراي. بل إن قادة عسكريين من تيغراي وأمهرة، إضافة إلى ضباط إريتريين ومتمردين من إقليم أوروميا – مسقط رأس آبي – عقدوا في الآونة الأخيرة اجتماعات في السودان لبحث تنسيق التخطيط العسكري المشترك.

يرى مسؤولون في جبهة تحرير شعب تيغراي أن الخطر الأكبر على الإقليم – وعلى توازنات المنطقة – هو آبي نفسه، وقد بدأوا بالفعل في مدّ جسور الاتصال مع أسياس أفورقي رغم الفظائع الكثيرة التي ارتكبتها القوات الإريترية
العامل الثالث الذي يزيد المواجهة المحتدمة حول تيغراي خطورة، هو الحرب الأهلية المستعرة في السودان المجاور، حيث يشكل كلٌّ من التيغرايين والإريتريين حلفاء مهمين للقوات المسلحة السودانية، أي الجيش الوطني. فإريتريا تعمل على تدريب وحدات من هذا الجيش، وبعض الجماعات المتمردة المتحالفة معه، كما رُصدت طائرات سودانية في مطار أسمرة، عاصمة إريتريا.

إلى جانب ذلك، قاتل آلاف المقاتلين التيغرايين إلى جانب القوات المسلحة السودانية، بما في ذلك خلال المعارك التي شهدتها الخرطوم في وقت سابق من هذا العام. وإذا اندلع نزاع مباشر بين إثيوبيا وإريتريا، فسيكون بمقدور أسياس أفورقي وجبهة تحرير شعب تيغراي الاعتماد، في الحد الأدنى، على قدر من الدعم من الجيش السوداني.

أما القوى الخارجية التي تغذي الحرب في السودان، فهي بدورها تحمل أجندات متعارضة على الساحة الإثيوبية. فالحليف الأجنبي الأبرز لآبي هو دولة الإمارات العربية المتحدة، التي يُنظر إليها على نطاق واسع بوصفها الداعم الرئيسي لقوات الدعم السريع، وهو تشكيل شبه عسكري سوداني يخوض حرباً ضارية ضد القوات المسلحة السودانية (مع أن الإمارات تنفي مساندة أي من الطرفين). ولا يبدو واضحاً ما إذا كانت أبوظبي ستضغط على آبي لكبح أي مغامرة عسكرية ضد إريتريا، إذا كان من شأنها إضعاف قدرة إريتريا على مساعدة الجيش السوداني. بل إن بعض الدبلوماسيين يخشون أن تكون تشجعه، ضمناً أو صراحة، على تبني خيار القوة.

على الجانب الآخر، تدعم مصر القوات المسلحة السودانية، وتخوض في الوقت ذاته نزاعاً مريراً مع إثيوبيا حول السدّ العملاق الذي أنجزته الأخيرة على النيل. وقد عملت القاهرة على توثيق علاقاتها مع إريتريا، وتُتهم – في تقارير عديدة – بإرسال شحنات من السلاح إلى عدد من خصوم آبي داخل إثيوبيا.

ماذا بعد؟ في الوقت الراهن، ما زالت الأصوات الأقل تشدداً تتمتع بنفوذ ملموس في كل من أديس أبابا وتيغراي، ويحاول دبلوماسيون غربيون، عبر قنوات متشعبة ووساطات حثيثة، دفع الطرفين بعيداً عن حافة الهاوية. لكن حرباً بالوكالة، خفيةً تارة وعلنيةً تارة أخرى، بين إثيوبيا وإريتريا وحلفائهما، تكاد تكون قد بدأت بالفعل على الأرض. وما ينقصها – على نحو يدعو إلى قلق بالغ – ليس إلا شرارة صغيرة، كي تتحول إلى مواجهة مفتوحة وحريق إقليمي يصعب احتواؤه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى