إثيوبيا وإريتريا… الحلفاء والأعداء وتحوّلات الدم

=
المنفي رقم ٢٤ يكتب ..
كانوا يوماً إخوة سلاح، ثم صاروا خصوماً في حفلة ذبح سياسي لا تنتهي. إثيوبيا التي تعيش على إيقاع الانقسامات الداخلية، لم تكن يومًا كياناً سياسياً موحداًً، بقدر ما كانت مساحة نزاع بين قوميات تتقاسم الحقد والمصالح. وإريتريا، التي خرجت من رحم إثيوبيا بجراح غائرة، لم تبتعد كثيراً… ظلت عالقة هناك، في جغرافيا الدم، حيث لا شيء يموت حقاً، بل يعود متحولاً.
المشهد الأول: بدايات العداء الطويل
• في السبعينات، كان الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا بقيادة أسياس أفورقي، وجبهة تحرير تيغراي بقيادة ميليس زيناوي، في خندق واحد ضد الديكتاتور الإثيوبي منغستو هيلا مريام.
• سقط النظام، وجاء الاستقلال. إريتريا نالت استقلالها رسميًا عام 1993، وميليس زيناوي أصبح رئيساً لإثيوبيا.
• كان من المفترض أن تكون علاقة الأخوين في النضال علاقة تناغم… لكنها تحولت إلى حرب دامية في 1998 بسبب نزاع حدودي في منطقة بادمي.
• سقط ٧٠ ألف شخص في حرب لا يعرف أحد إلى اليوم من انتصر فيها.
المشهد الثاني: سلام من نوع آخر
• بعد سنوات من العداء البارد، جاء آبي أحمد في 2018، حاملاً “الربيع الإثيوبي”.
• صافح أسياس أفورقي، ووقّعا “اتفاق سلام” مفاجئاً في جدة وأسمرة.
• العالم صفّق، الأمم المتحدة احتفلت، وآبي أحمد حاز نوبل للسلام، لكن في كواليس الأجهزة الأمنية كانت ترتب اموراًً أخرى.
المشهد الثالث: الحرب الكبرى ضد التيغراي
• في نوفمبر 2020، انقلبت الطاولة.
• أعلن آبي أحمد الحرب ضد إقليم تيغراي بدعوى أن “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” هاجمت قاعدة للجيش الفيدرالي.
• دخلت قوات أسياس أفورقي على الخط. اجتاحت إريتريا إقليم تيغراي من الشمال، وقاتلت إلى جانب القوات الإثيوبية.
• قُصفت مدن، اُرتكبت مجازر، واختفى عشرات الآلاف من اللاجئين الإريتريين داخل تيغراي.
• الحرب امتدت سنتين وأسفرت عن مئات آلاف القتلى، وملايين النازحين.
المفارقة: أسياس يتحالف مع عدو الأمس
• تيغراي الذين قاتلهم أسياس لأكثر من ٣٠ عاماً أصبحوا ضحايا مثله لآبي أحمد.
• بعد اتفاق بريتوريا في 2022، بدأ التيغراي بالعودة إلى الواجهة، وبدأت ملامح تقارب خفي تظهر بين أسياس وبعض أجنحة تيغراي التي تعادي آبي أحمد.
• السؤال الذي يطرحه الإريتريون اليوم:
هل تحالف أسياس مع تيغراي الآن؟
هل عاد “العدو التاريخي” إلى الحظيرة لأن الصديق (آبي) انقلب عليه؟
داخل المطبخ الإثيوبي
لنفهم كل هذا، علينا تفكيك الكيانات الإثيوبية:
1. حكومة آبي أحمد – حزب الازدهار (Prosperity Party):
• تمثل محاولة لصهر القوميات في دولة مركزية.
• عدو مباشر للتيغراي، ولكل من يرفض مركزية أديس أبابا.
2. جبهة تحرير تيغراي (TPLF):
• كانت تسيطر على إثيوبيا لـ27 سنة.
• فقدت السلطة بعد مجيء آبي.
• خاضت حرباًً شرسة ضد الحكومة واستعادت بعض قوتها بعد اتفاق بريتوريا.
3. الأمهرا:
• حليف سابق لآبي، تحول جزء منهم إلى عدو بعد خلافات على الأراضي والسلطة.
• ميليشيات “فانو” تقاتل الآن الحكومة الفيدرالية في مناطق مختلفة.
4. الأورومو:
• قومية آبي أحمد.
• رغم ذلك، هناك انقسامات حادة داخل الأورومو.
• “جيش تحرير أورومو” (OLA) يخوض تمردًا مسلحاً ضد حكومة آبي.
5. تحالفات المعارضة:
• هناك قوى جديدة مثل الكونغرس الفيدرالي للقوميات الإثيوبية، الذي يضم قوميات تشعر بالتهميش.
• بعض هذه الأطراف تتحرك الآن في اتجاه التحالف مع أسياس، ليس حبًا فيه، بل نكاية في آبي أحمد.
وانقلب الجمهور على بعضه
وسط هذا المشهد المعقّد، وقع الإريتريون في الفخ:
• هناك من يرى في آبي أحمد “عدواً لإريتريا”، لأنه يحتضن المعارضين، ويدفع نحو إضعاف أسياس.
• وهناك من يرى أسياس مجرماً يجب إسقاطه، حتى لو عبر التحالف مع آبي أحمد، ولو موقتاً.
• وهناك من يرى أن الجميع لا يصلح، ويبحث عن طرف ثالث يصنع سلاماً حقيقياًً بين الشعبين.
لكن الطامة الكبرى؟ أن هناك من يصف المعارضة بالعمالة، لأنها قبلت أن تجلس مع مسؤولين إثيوبيين مقربين من آبي أحمد .
ولا أحد يسأل:
إذا كانت المعارضة عميلة لأنها تتحدث مع عدو الأمس، فماذا نقول عن أسياس الذي قاتل التيغراي لعقود ثم بدأ يغازلهم الآن؟
هل العمولة حرام على الضعفاء… حلال على الحاكم؟
السياسة ليست أخلاقاً
قالها ميكيافيللي قبل قرون:
“في السياسة لا يوجد أصدقاء دائمون، فقط مصالح دائمة.”
وهذا ما يجري الآن:
• أسياس يرى في آبي أحمد خطراً وجودياً، فبدأ بالتحرك لتطويق نفوذه حتى لو عبر اتفاقات ضمنية مع من قاتلهم بالأمس.
• آبي يرى في أسياس عبئاً امنياًً، ويحاول عزله، لكنه لا يستطيع أن يشن حربًا مباشرة ضده.
• تيغراي، يستفيدون من التصدع بين الرجلين لاستعادة مكانتهم.
ما اريد ان اقوله للقارئ
إثيوبيا ليست دولة، بل رقعة شطرنج ضخمة، كل قطعة فيها تتحرك بدافع القومية، الانتقام، أو الطموح.
وإريتريا، المحاصرة بين نظام لا يرحم، ومعارضة متروكة بلا دعم حقيقي، تجد نفسها تُستخدم كورقة في نزاع بين جارتها الكبرى ومراكز القوى فيها.
في النهاية، كل التحالفات مؤقتة، وكل الأعداء أصدقاء محتملين، والعكس.
لكن الشيء الوحيد الثابت…
هو أن الشعوب وحدها تدفع الثمن.
المنفي رقم ٢٤
من مكان بعيد… لا يرى الحدود، بل يرى الحقيقة.