إخوان ما بعد 7 أكتوبر: كيف تعيد واشنطن تشكيل معادلة الإسلام السياسي وإعادة هندسة التوازنات الإقليمية؟

رصد اريتريا | الكاتب : إبراهيم قارو
تحولات ما بعد 7 أكتوبر وسياق القرار الأمريكي
تعيش المنطقة منذ السابع من أكتوبر 2023 تحت تأثير تحولات عميقة أعادت ترتيب أولويات القوى الدولية ودفعت نحو مراجعات استراتيجية واسعة داخل بيئة إقليمية مضطربة تتقاطع فيها النزاعات التقليدية مع صراعات عابرة للحدود. وفي هذا السياق جاء القرار التنفيذي الأمريكي الصادر في الخامس والعشرين من نوفمبر 2025والقاضي بتصنيف بعض فروع جماعة الإخوان المسلمين كتنظيمات إرهابية ليكشف أن واشنطن لم تعد تتعامل مع هذا الملف بمنطق قانوني ضيّق، بل تدرجه ضمن مقاربة شاملة لإعادة صياغة رؤيتها تجاه الإسلام السياسي بوصفه شبكة اجتماعية وسياسية تتفاوت أدوارها ووظائفها حسب الساحات، وتشكّل جزءاً من النظام الإقليمي الجاري إعادة ترتيبه على وقع التحولات المتسارعة.
ويهدف المقال إلى تفكيك القرار عبر قراءة سياقاته السياسية والقانونية والأمنية واستعراض الخلفيات الدولية والإقليمية التي مهّدت له، وشرح دلالاته التي تتصل بالانتقاء المقصود للفروع المستهدفة. كما يتوقف عند موقع السودان في هذه المعادلة باعتباره ساحة اختبار مركزية للمقاربة الأمريكية الجديدة التي تجمع بين الردع القانوني والهندسة السياسية. ويبتعد التحليل عن التقييم الأخلاقي أو التوظيف الأيديولوجي ويركز على ما يكشفه القرار عن إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والفاعلين الإسلاميين، وعلى موقع إسرائيل في التصور الأمني الأمريكي خلال لحظة انتقالية تتسم بسيولة عالية.
مقاربة أمريكية أكثر براغماتية بعد 7 أكتوبر
بعد السابع من أكتوبر اتجهت واشنطن نحو مقاربة أكثر براغماتية تجاه الحركات الإسلامية، تقوم على ضبط الحركة الفعلية لهذه التنظيمات بدلاً من التعامل معها ككيان عقائدي موحد. فالولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى جماعة الإخوان كتنظيم هرمي عالمي، بل كشبكة متعددة المراكز تعمل داخل بيئات سياسية واجتماعية متباينة، تتحرك وفق اعتبارات محلية تتعلق بميزان القوى ودرجة الانفتاح السياسي وارتباطات كل ساحة بالصراع الإقليمي. هذا التحول جعل التقييم الأمريكي يقوم على “خريطة المخاطر” لا “خريطة التنظيم”، أي على موقع كل فرع داخل بيئته ومدى اقترابه من مناطق التماس التي تعتبرها واشنطن مؤثرة في أمنها ومصالحها.
ويظهر استهداف فروع الجماعة في مصر والأردن ولبنان أن المقاربة الأمريكية لم تتجه نحو تصنيف شامل، بل نحو معالجة دقيقة للبيئات التي ترى أنها تحمل أعلى احتمالات التأثير في المعادلة الأمنية بعد 7 أكتوبر. فالخطر، وفق هذا المنطق، لا ينبع من الخطاب الفكري للجماعة بقدر ما يتصل بوجود بعض فروعها داخل ساحات سياسية وأمنية حساسة قد تولّد تهديدات غير مباشرة للمصالح الأمريكية وللاستقرار المحيط بإسرائيل. في مصر يتجاوز القرار البعد الأمني ليشكّل دعماً ضمنياً للنظام في صراعه مع الإخوان عبر إبقاء المجال السياسي مقيداً بما يمنع عودتهم كقوة انتخابية أو اجتماعية مؤثرة. وفي الأردن، يرتبط القرار بحساسية المزاج الشعبي تجاه فلسطين وبالهشاشة السياسية والاقتصادية التي تجعل أي توسع للجماعة مصدراً لاضطراب داخلي في لحظة دقيقة. أما في لبنان، فتتعامل واشنطن مع الإخوان في سياق يتقاطع مع ساحات المقاومة المسلحة وخطوط التماس مع إسرائيل، ما يجعل ضبطهم جزءاً من استراتيجية الحد من تعدد واجهات المواجهة.
وفي المقابل يكشف تجاهل فروع الخليج وشمال أفريقيا وتركيا عن انتقائية محسوبة؛ إذ تدرك واشنطن أن المساس بهذه الفروع قد يفتح أبواباً لصدام دبلوماسي مع شركاء رئيسيين في ملفات الطاقة والوساطة الإقليمية. ولذلك تتعامل مع التصنيف الجزئي كأداة قابلة للتفعيل والتعطيل، تمنحها مرونة في الضغط دون تكاليف سياسية مرتفعة، وتسمح بضبط التوازنات وفق متغيرات الموقف الإقليمي.
إعادة ترتيب الاصطفافات حول إسرائيل
ويتعزز هذا النهج الانتقائي بتصور أمريكي أوسع لإعادة تشكيل الاصطفافات حول إسرائيل بعد الحرب. فواشنطن تعيد بناء هندسة أمنية تمتد من شرق المتوسط إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي، تقوم على فكرة أن حماية إسرائيل هي نقطة الارتكاز في إعادة صياغة النظام الإقليمي. هذا المسار لا يقتصر على الدعم العسكري أو السياسي، بل يشمل إعادة ترسيم أدوار الفاعلين الإقليميين ضمن منظومة أمنية ترى في الاستقرار المحيط بإسرائيل شرطاً ضرورياً لأي مشروع دمج اقتصادي أو سياسي في المنطقة.
وفي هذا الإطار يصبح تصنيف فروع الإخوان أداة لضبط المساحات السياسية المحيطة بإسرائيل ومنع أي بيئة قد تسمح بإعادة إنتاج شبكات دعم للمقاومة أو تشكيل قوة اجتماعية يمكن أن تنعكس على مواقف الدول من الحرب. فالتصنيف هنا ليس قراراً عقائدياً بل وسيلة لإعادة توزيع الأدوار داخل ساحات حساسة، وتقليص هامش التحرك أمام الحركات الإسلامية في البيئات التي تربطها واشنطن بالأمن المباشر لإسرائيل. كما أن ربط الملف الإسلامي بشروط الأمن الإسرائيلي يمنح واشنطن قدرة على الضغط على الحكومات العربية والإقليمية عبر إعادة تعريف “الاستقرار” بما يتسق مع قراءة أمريكية ضيقة للصراع.
وبذلك يتكامل القرار مع استراتيجية تقوم على بناء شبكة اصطفافات جديدة حول إسرائيل، وضبط الفاعلين الذين يمكن أن يشكلوا مصدر إرباك، سواء عبر الشارع أو عبر التشبيك مع قوى المقاومة، في لحظة تعيد فيها واشنطن هندسة الإقليم وفق أولويات ما بعد 7 أكتوبر.
لماذا الآن؟ التوقيت كرسالة سياسية
لا يمكن فصل الأمر التنفيذي عن توقيته، إذ جاء في لحظة تعاني فيها واشنطن ارتباكًا استراتيجيًا بعد 7 أكتوبر وتحت ضغط انتقادات داخلية تتهم الإدارة بالعجز عن احتواء توسع الصراع. بذلك يتحول القرار إلى محاولة لاستعادة زمام المبادرة وإظهار قدرة الولايات المتحدة على إعادة تشكيل المشهد الإقليمي عبر أدوات قانونية واقتصادية دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
كما سعت واشنطن إلى استباق ترتيبات “اليوم التالي” في غزة، ومنع القوى الإقليمية — وفي مقدمتها إيران وتركيا وروسيا — من فرض واقع جديد يتجاوز الدور الأمريكي. ويوفر الأمر التنفيذي ورقة ضغط يمكن توظيفها في تحديد مستقبل غزة وترتيب موقع إسرائيل في البنية الأمنية المقبلة.
وجاء القرار أيضًا ردًا مبكرًا على تمدد الفاعلين غير الحكوميين في البحر الأحمر وتهديدهم لخطوط الملاحة العالمية، إذ خشيت واشنطن من ترسخ قواعد اشتباك جديدة تجعل السيطرة لاحقًا أكثر كلفة.
داخليًا وفّر القرار مخرجًا تكتيكيًا لإدارة تتعرض لضغوط الكونغرس وجماعات الضغط بين دعاة التشدد مع إيران وأنصار تقليص الانخراط في المنطقة، فأظهر الحزم دون جرّ البلاد إلى صدام مفتوح.
ومع الحلفاء الإقليميين حمل التوقيت رسالة مزدوجة: تأكيد مركزية أمن إسرائيل، والتنبيه إلى أن تراخي ضبط الفاعلين المحليين سيُعد تهديدًا مباشرًا للمصالح الأمريكية. كما ارتبط القرار باعتبارات اقتصادية تتعلق بمخاطر الطاقة وسلاسل الإمداد في البحر الأحمر، ما جعله خطوة وقائية لحماية المصالح الحيوية قبل تفاقم الوضع.
في المحصلة لا يعكس التوقيت رد فعل طارئًا، بل خطوة محسوبة لإعادة ترتيب المسرح الإقليمي، وتثبيت أولوية أمن إسرائيل، وخلق إطار قانوني مرن يتيح لواشنطن توجيه الرسائل الردعية وتفعيل أدوات الضغط كلما استدعت التطورات. وبذلك يصبح القرار أداة لإدارة المرحلة المقبلة لا مجرد استجابة ظرفية.
تنويه: هذا المقال يعبّر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي المنصة
هذا هو الجزء الأول من المقال، وسيتم نشر الجزء الثاني قريباً .
30/11/2025



