اريترياتقاريرمدونات
أخر الأخبار

إريتريا خارج الشبكة: دولة بلا حكومة إلكترونية

المنفي رقم ٢٤ يكتب

في عالمٍ تُدار فيه الدول من خلف شاشات صغيرة، وتُختصر المسافات بنقرة زر، ما زالت إريتريا تبدو وكأنها تعيش في عقدٍ مضى. لا موقع لرئاسة الجمهورية، لا بوابة لمجلس الوزراء، لا نافذة لوزارة الدفاع أو الخارجية. مواطن يبحث عن معلومة رسمية، فيجد أمامه بريداً عادياً من نوع Gmail، وكأن مؤسسات الدولة مجرد نادٍ محلي لا يملك حتى نطاقه الخاص.

الأغرب من ذلك أن المعاملة التي تُرسل بالبريد الإلكتروني يُقال للمواطن إنها ستُرسل بالفاكس، وعليه أن يدفع تكلفتها. مفارقة تكشف حجم العبث: تقنيات قديمة تُباع بثمن جديد، فيما الخدمة الحقيقية لا وجود لها أصلاً.

سؤال العصر: لماذا؟

هل هو عجز؟ أم خوف متعمد من الشفافية؟

فحتى الصين التي يقال إنها رمز الرقابة لديها بوابات رقمية ضخمة تربط المواطن بالدولة. روسيا، رغم انغلاقها السياسي، تملك مواقع لكل وزارة وهيئات خدمية إلكترونية معقدة. وكوريا الشمالية، رغم عزلتها، تُدير مواقع رسمية على نطاقها الوطني. وحدها إريتريا تتوارى خلف العتمة، كأنها تخشى أن يطرق مواطن بابها عبر الإنترنت.

النطاق المفقود

لكل دولة نطاق رسمي. السعودية مثلاً (.gov.sa)، مصر (.gov.eg)، حتى أصغر الدول الإفريقية تدير نطاقاتها الوطنية. أما إريتريا، فقد بقي نطاقها (.gov.eri) معلقًا في الفراغ، لا موقع يفعّل، ولا خدمة تُقدَّم. المفارقة أن وزارة الإعلام التي يفترض أنها لسان الحكومة – تعمل على نطاق تجاري منتهي بـ .com، كما لو كانت شركة خاصة لا مؤسسة سيادية.

ماذا تعني الحكومة الإلكترونية؟

الحكومة الإلكترونية ليست ترفاً. هي وسيلة لتقليل الفساد، لتبسيط المعاملات، لحفظ وقت المواطن وكرامته. إستونيا بلد صغير على بحر البلطيق أصبحت أيقونة عالمية: المواطن ينجز معاملاته، يدفع ضرائبه، ويصوّت في الانتخابات من بيته. رواندا الخارجة من جراح الإبادة تحولت بفضل الإدارة الرقمية إلى نموذج إفريقي حديث.

حتى الدول ذات الأنظمة المركزية الصارمة مثل الصين وروسيا وكوبا لم تتجاهل التكنولوجيا، بل وظّفتها، كل بطريقته، لضبط مجتمع معقد. وحدها إريتريا تسير عكس الاتجاه، وكأنها تعتقد أن إبقاء المواطن في طوابير الورق والفاكسات هو وسيلة للبقاء.

شعب في الظلام

النتيجة واضحة: مواطن بلا معلومة، مغترب لا يجد طريقاً للتواصل تصل رسالته في الواتس اب بعد يومين ، وشعب يشعر أن دولته ليست سوى جدار صامت.

في زمن الشفافية الرقمية، تتحول السرية المطلقة إلى فضيحة بحد ذاتها.

الدول تُقاس اليوم بمدى انفتاحها الرقمي، لا بقدرتها على إخفاء كل شيء.

الذي اريد ان أوصله للقارئ

إريتريا الان لا تقلّد الصين، ولا روسيا، ولا حتى كوريا الشمالية كما قد يظن البعض. هي تقلّد فراغاً لا يشبه إلا نفسها. فراغ يخشى النور، ويختبئ خلف بريد مجاني، ويُلزم مواطنيه بدفع ثمن الفاكس وهم يعيشون في عصر الإنترنت.

السؤال الذي يبقى معلقاً

إلى متى سيظل الإريتريون يتعاملون مع دولتهم وكأنها شبح؟

وأي مستقبل لدولة لا تملك حتى نافذة إلكترونية تطل بها على شعبها؟

هذا المقال ليس سوى محاولة لفهم واقعٍ غائب عن الضوء، وكل ما كُتب فيه يمثل رأي صاحبه، لا أكثر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى