الجنرال فليبوس ولدي يوهنس: بين سطوة السلاح ومقاصل العقوبات
تقرير : شبكة رصد اريتريا الاخبارية
مدخل
في دولة مثل إريتريا، حيث تُدار السلطة بقبضة حديدية ويتحكم العسكريون في مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية، يبرز اسم الجنرال فليبوس ولدي يوهنس كواحد من أكثر الشخصيات نفوذاً وغموضاً في آن. فمنذ سنوات الاستقلال، لم يكن الجنرال مجرد ضابط في الجيش، بل كان أحد الأعمدة المركزية التي اعتمد عليها الرئيس أسياس أفورقي في تثبيت حكمه وإخماد أي صوت معارض أو متململ من الداخل.
ينتمي فليبوس إلى جيل قادة الثورة الذين حملوا السلاح ضد إثيوبيا في حرب التحرير التي استمرت ثلاثة عقود، لكن مسيرته لم تتوقف عند التحرير، بل تحولت لاحقاً إلى ذراع تنفيذية رئيسية في نظام يُصنّف اليوم كأحد أكثر الأنظمة القمعية في العالم. ترقّى في المناصب حتى عُين رئيساً لأركان الجيش الإريتري، حيث أشرف على إدارة القوة العسكرية للنظام، والمشاركة في العمليات العسكرية العابرة للحدود، بما في ذلك التدخل في النزاع المسلح بإقليم تيغراي الإثيوبي عام 2020.
تحت قيادته، وُجهت اتهامات عديدة إلى الجيش الإريتري بارتكاب انتهاكات مروعة، شملت القتل الجماعي، العنف الجنسي، والنهب، ما دفع الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات مباشرة عليه. ورغم ذلك، لا يزال فليبوس يحتفظ بموقعه المركزي في المؤسسة العسكرية، الأمر الذي يثير أسئلة جوهرية حول مستقبل العدالة والمحاسبة في منطقة مضطربة مثل القرن الإفريقي.
يهدف هذا التقرير إلى تقديم تحليل مزدوج لمسيرة الجنرال فليبوس: الأول يسلط الضوء على دوره في بنية النظام العسكري والأمني الإريتري، والثاني يتناول مسؤوليته المباشرة في الجرائم المنسوبة لقواته خلال النزاع في تيغراي، مع استعراض ردود الفعل الدولية على ذلك.
الخلفية والسيرة العسكرية
وُلد الجنرال فليبوس ولدي يوهنس عام 1955 في العاصمة الإريترية أسمرة، في سياق سياسي واجتماعي مضطرب، حيث كانت إريتريا آنذاك تحت الحكم الإثيوبي بعد إلغاء الحكم الفيدرالي وضمها قسرًا إلى إثيوبيا عام 1962. وقد أثّر هذا السياق المبكر في تشكيل وعيه السياسي والعسكري، ودفعه إلى الانخراط في صفوف الثورة الإريترية منذ سنٍ مبكرة.
مع تصاعد وتيرة الكفاح المسلح ضد إثيوبيا، التحق فليبوس بجبهة التحرير الشعبية الإريترية (EPLF)، وبرز سريعاً كقائد ميداني يمتلك كفاءة تنظيمية وقدرة على تنفيذ العمليات العسكرية المعقدة. شارك في معارك محورية خلال فترة السبعينيات والثمانينيات، وأثبت حضوره كأحد القادة العسكريين البارزين الذين لعبوا دوراً في تغيير ميزان القوى على الأرض لصالح الثورة.
بعد استقلال إريتريا في عام 1991، واصل الجنرال فليبوس مسيرته العسكرية داخل مؤسسة الجيش النظامي التي تأسست حديثاً، وتقلّد سلسلة من المناصب القيادية. من أبرز هذه المناصب قيادة المنطقة العملياتية الخامسة، وهي من أكثر المناطق العسكرية حساسية في البلاد نظراً لموقعها الجغرافي والاستراتيجي، خصوصاً على الحدود مع إثيوبيا والسودان.
بفضل ولائه الشديد للنظام ومهاراته في فرض الانضباط، أصبح فليبوس أحد الشخصيات العسكرية التي يعتمد عليها زعيم النظام أسياس أفورقي في السيطرة على الجيش ومراقبة تحركاته. هذا الولاء والنجاحات الميدانية جعلته يرتقي بسرعة في التسلسل القيادي.
في مارس 2014، أصدر زعيم نظام أسياس قراراً بتعيينه رئيسًا لأركان قوات الدفاع الإريترية، خلفاً للجنرال ووتشو جبريزغي الذي أُحيل إلى التقاعد. هذا التعيين لم يكن مجرد ترقية عسكرية، بل كان بمثابة إشارة واضحة إلى المكانة الخاصة التي يحظى بها فليبوس داخل دائرة الثقة العليا للنظام. وقد أسندت إليه لاحقاً مهام قيادية عليا، بما في ذلك الإشراف المباشر على تحركات الجيش الإريتري في الحرب داخل إقليم تيغراي الإثيوبي.
طوال فترة خدمته، عُرف فليبوس بأنه رجل النظام الحديدي، يجمع بين القوة الميدانية والولاء السياسي، ويُعتبر اليوم أحد الأعمدة الصلبة التي يقوم عليها الجيش الإريتري، لكنه في الوقت نفسه أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل بسبب ارتباط اسمه بانتهاكات موثقة لحقوق الإنسان داخل البلاد وخارجها .
العلاقة بين الجنرال فليبوس ولدي يوهنس أسياس أفورقي، الحاكم الفعلي لإريتريا منذ استقلالها عام 1993، والذي لم يُنتخب عبر اقتراع حرّ حتى اليوم، ويقود نظاماً يُتهم على نطاق واسع بالاستبداد وانتهاك حقوق الإنسان : تحالف القوة والولاء
في قلب النظام الإريتري، تتداخل العلاقات الشخصية والسياسية بشكل يصعب فيه فصل الولاء عن السلطة، والطاعة عن الشراكة. ومن أبرز تجليات هذا التداخل العلاقة التي تربط بين الرئيس أسياس أفورقي والجنرال فليبوس ولدي يوهنس، وهي علاقة تتجاوز حدود المؤسسة العسكرية لتشكل أحد أعمدة الحكم السلطوي في البلاد.
من جبهة التحرير إلى بنية الدولة البوليسية
تعود العلاقة بين الرجلين إلى زمن الكفاح المسلح ضد إثيوبيا ضمن صفوف “جبهة التحرير الشعبية الإريترية” (EPLF). كان فليبوس أحد القادة الميدانيين البارزين الذين أظهروا كفاءة في العمليات العسكرية، وهو ما أكسبه ثقة أسياس في مرحلة مبكرة. هذه الثقة تعززت بعد الاستقلال عام 1991، حين بدأت عملية بناء مؤسسات الدولة تحت قيادة فردية مركزية.
منذ ذلك الحين، أصبح فليبوس واحداً من الحلقات القليلة الموثوقة لدى أسياس، خاصة في ظل عقلية الرئيس الذي لا يثق بسهولة في المحيطين به. فكل من اقترب من دوائر القرار في إريتريا، ثم أبدى طموحاً سياسياً أو استقلالية فكرية، انتهى إما في المعتقل أو في المنفى. أما فليبوس، فبقي في موقعه، متقدماً في الرتب حتى أصبح رئيس هيئة الأركان.
شراكة أم تبعية؟
البعض ينظر إلى علاقة فليبوس بأسياس كمجرد تبعية عسكرية لشخصية سياسية مهيمنة. لكن الواقع أكثر تعقيداً . فليبوس ليس مجرد منفذ، بل شريك فعلي في صناعة القرارات الكبرى، خاصة تلك المتعلقة بالأمن والسيطرة على مفاصل الدولة. وجوده في رأس المؤسسة العسكرية جعل منه ضامنًا لاستمرار قبضة النظام، ما منحه وزناً سياسياً مضاعفاً داخل منظومة الحكم.
هذا التحالف مبني على توازن دقيق: أسياس يحتاج فليبوس كأداة تنفيذية تردع المعارضين وتفرض النظام، وفليبوس بدوره يحتاج إلى حماية أسياس السياسية ليبقى في موقعه رغم الاتهامات الدولية والانتهاكات المتراكمة.
ضابط الثقة في المهمات الحساسة
على مدار العقدين الماضيين، كلف أسياس الجنرال فليبوس بإدارة ملفات أمنية حساسة، أبرزها:
• الإشراف على الخدمة الوطنية الإلزامية التي تحولت إلى وسيلة لضبط المجتمع.
• قمع أي تمرد داخلي أو تحرك سياسي داخل الجيش أو الأجهزة المدنية.
• التنسيق العسكري مع إثيوبيا بعد اتفاق السلام عام 2018، خصوصاً في العمليات داخل إقليم تيغراي، والتي تورط فيها الجيش الإريتري بقيادة فليبوس في جرائم جسيمة.
هذه المهام لا توكل إلا لمن يحظى بثقة مطلقة، وهو ما يبرر صمت أسياس المطلق تجاه العقوبات الأمريكية التي فُرضت على فليبوس عام 2021. لم يُعلق النظام رسمياً ، ولم يتغير موقع فليبوس، ما يدل على أنه محمي سياسياً من رأس السلطة.
وجهاً لعملة اخرى
لكن هذه العلاقة ليست مجرد تحالف أبدي. فهي أيضاً انعكاس لبنية نظام هش، قائم على الأفراد لا المؤسسات. أي خلل في العلاقة بين الطرفين يمكن أن يؤدي إلى اهتزاز منظومة الحكم، ولهذا فإن أسياس يحرص دائماً على موازنة القوة داخل الجيش، عبر تعيين قادة آخرين دون منحهم صلاحيات مماثلة.
وفي المقابل، يدرك فليبوس أن مصيره مرتبط بالرئيس مباشرة. فلا دعم شعبي لديه، ولا قاعدة سياسية، فقط امتيازاته ضمن شبكة الحكم. وهذا ما يجعله مستعداً للذهاب بعيداً في تنفيذ ما يُطلب منه، لأن البديل هو السقوط من عرش القوة إلى قاع التصفية أو النسيان، كما حدث مع رفاق آخرين سابقًا .
فليبوس ولدي يوهنس وتورطه في انتهاكات حقوق الإنسان خلال نزاع تيغراي: الاتهامات ورد الحكومة الإريترية
مع اندلاع الحرب في إقليم تيغراي الإثيوبي في نوفمبر 2020، برز اسم الجنرال فليبوس ولدي يوهنس مجدداً ، لكن هذه المرة في سياق بالغ الخطورة، حيث اتُهم الجيش الإريتري الذي يقوده بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان داخل الأراضي الإثيوبية، مما أثار إدانات دولية واسعة وأدى لاحقا إلى فرض عقوبات أمريكية عليه.
شارك الجيش الإريتري، بقيادة فليبوس، إلى جانب القوات الفيدرالية الإثيوبية في العمليات العسكرية ضد “جبهة تحرير شعب تيغراي” (TPLF). وقد وثّقت تقارير لمنظمات دولية، أبرزها مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، ارتكاب القوات الإريترية فظائع جماعية، شملت:
• قتل مدنيين بشكل عشوائي ومنهجي.
• اغتصاب واسع النطاق للنساء والفتيات.
• نهب الممتلكات العامة والخاصة.
• تدمير البنى التحتية، بما في ذلك المرافق الصحية والتعليمية.
• منع المساعدات الإنسانية وفرض الحصار على المناطق المتضررة.
وصف تقرير مشترك للأمم المتحدة والحكومة الإثيوبية الجيش الإريتري بأنه ارتكب “أعمالاً قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية”. وتم تسليط الضوء بشكل خاص على مدينة أكسوم التي شهدت واحدة من أكثر المجازر دموية، حيث قُتل فيها مئات المدنيين خلال أيام قليلة.
في 12 نوفمبر 2021، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على الجنرال فليبوس ولدي يوهنس بموجب “قانون ماغنيتسكي العالمي”، بسبب دوره القيادي المباشر في الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدفاع الإريترية في تيغراي، إضافة إلى تورطه في إطالة أمد الصراع عبر تدخله العسكري.
رد الحكومة الإريترية
رغم تواتر الأدلة والشهادات الميدانية، رفضت الحكومة الإريترية بشكل قاطع جميع الاتهامات الموجهة إليها. وفي بيانات رسمية، وصفت هذه التقارير بأنها “ملفقة ومنحازة”، وادعت أن مشاركتها العسكرية جاءت بطلب من الحكومة الإثيوبية لحماية أمنها الوطني من التهديدات التي تمثلها “جبهة تحرير تيغراي”.
لم تعترف أسمرة بتورط جيشها في أي من الانتهاكات، وامتنعت عن التعاون مع بعثات التحقيق الدولية. كما لم تعلّق مباشرة على العقوبات الأمريكية بحق الجنرال فليبوس، ما اعتبره المراقبون دليلاً على استمرار دعم النظام له وعدم نية محاسبته أو إبعاده عن المشهد العسكري.
يُنظر إلى هذا الصمت الرسمي كجزء من استراتيجية النظام الإريتري، القائمة على الإنكار المطلق، وشيطنة التقارير الدولية، ورفض التدخل الخارجي. كما يعكس حجم النفوذ الذي يتمتع به الجنرال فليبوس داخل بنية الحكم، كونه يمثل الذراع العسكرية الضاربة للرئيس أسياس أفورقي.
التأثير الدولي
العقوبات ضد فليبوس لم تؤدِ إلى تغييرات ملموسة على الأرض، لكنها عمّقت عزلة إريتريا الدبلوماسية. كما دفعت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى رفع مستوى الضغط السياسي على أسمرة، في ظل تزايد الأصوات المطالبة بمحاسبة القادة العسكريين المتورطين، وعلى رأسهم الجنرال فليبوس .
مخرج
الجنرال فليبوس ولدي يوهنس ليس مجرد قائد عسكري تقليدي، بل هو تجسيد لنمط سلطوي يتجاوز الانتماءات المؤسسية ليصبح أحد أوجه الحكم الشمولي في إريتريا. دوره في الحفاظ على تماسك النظام من جهة، وتورطه في ملفات قمع داخلي وعدوان خارجي من جهة أخرى، يضعه في قلب مشهد معقد يتشابك فيه الأمن بالسياسة، والانضباط العسكري بآلة القمع.
استمرار فليبوس في منصبه، رغم العقوبات الدولية، يكشف عن حجم العلاقة العضوية بين القيادات العسكرية والنظام الحاكم في أسمرة. فهو ليس فقط منفذًا للأوامر، بل شريكاً في صياغتها. حضوره في مختلف الجبهات سواء في الداخل عبر قمع المعارضة والإشراف على سياسة الخدمة الوطنية الإلزامية التي تُعد شكلاً من أشكال العبودية الحديثة، أو في الخارج عبر التدخل في نزاعات مثل حرب تيغراي يعكس دورًا يتجاوز حدود المؤسسة العسكرية ليمس مباشرةً مصير الإقليم.
في سياق أوسع، تمثل شخصية فليبوس إحدى العقد التي تمنع التحول الديمقراطي في إريتريا. فبينما يتجه العالم نحو ممارسات أكثر شفافية ومحاسبة، لا تزال نخب عسكرية مثل فليبوس تفرض منطق السيطرة بالقوة وتمنع أي مسار إصلاحي داخل البلاد. كما أن تورطه في انتهاكات موثقة يدفع باتجاه المطالبة بمحاكمته على الصعيد الدولي، ضمن سياق متنامٍ للعدالة العابرة للحدود.
رغم كل هذا، فإن الحصانة التي يتمتع بها فليبوس حتى الآن، بسبب ارتباطه الوثيق بزعيم النظام أسياس أفورقي، تطرح تساؤلاً خطيراً: هل يمكن أن تكون العدالة ممكنة في إريتريا دون زوال هذا التحالف السلطوي بين العسكر والسياسة؟ وهل يمكن الفصل بين رموز القمع والمشهد السياسي دون تفكك النظام بأكمله؟
إن مستقبل إريتريا، ومستقبل العلاقات بين شعوب القرن الإفريقي، لا يمكن تصوره دون مراجعة أدوار هؤلاء القادة الذين حولوا مؤسسات الدولة إلى أدوات للسيطرة، واستخدموا القوة ليس لحماية الوطن بل لضمان بقائهم في الحكم. وفي قلب هذا المشهد يقف الجنرال فليبوس، لا كمجرد ضابط، بل كرمز لحالة يجب أن تُفكك إذا ما أراد الإريتريون تحقيق دولة تحترم الإنسان والكرامة .
مصادر التقرير التحليلي
1. وزارة الخزانة الأمريكية
https://home.treasury.gov/news/press-releases/jy0329
2. وزارة الخارجية الأمريكية
https://2021-2025.state.gov/sanctioning-eritrean-military-leader-in-connection-with-human-rights-abuse-in-ethiopia/
3. هيومن رايتس ووتش
https://www.hrw.org/world-report/2024/country-chapters/eritrea
4. الجزيرة
https://www.aljazeera.com/economy/2021/8/23/us-sanctions-eritrean-general-over-rights-abuses-in-ethiopia
5. أسوشيتد برس
https://apnews.com/article/ab9b7755875fe21b797f5f50fec58a3b
6. ويكيبيديا
https://en.wikipedia.org/wiki/Eritrean_involvement_in_the_Tigray_war
7. ذا غارديان
https://www.theguardian.com/world/2021/nov/03/possible-war-crimes-on-all-sides-in-ethiopian-conflict-report-tigray
8. بلومبرغ
https://www.bloomberg.com/news/articles/2021-08-23/u-s-sanctions-eritrean-military-chief-for-abuses-in-ethiopia



