
المنفي رقم ٢٤ يكتب
في السنوات الأخيرة، تصاعدت روايات عن اختراقات داخل صفوف المعارضة الإريترية، بعضها تمّ اكتشافه بالصدفة، وبعضها ظلّ غامضًا حتى اليوم.
قصص متكررة عن وجوهٍ تتبدّل، وولاءاتٍ تُشترى، وأصواتٍ تُجنّد لتكون عيونًا للنظام بين من يفترض أنهم ضده.
لكن هذه ليست مجرد “قصص أمنية” إنها معركة وعي في زمنٍ صار فيه الجاسوس يوقّع بيانات الثورة بيده.
الذئب في هيئة مناضل
في كل حركةٍ تولد نيةٌ صافية، وفي كل صفٍ معارضٍ يولد معها ذئبٌ في هيئة بشر.
النظام الإريتري لا يحتاج إلى إطلاق الرصاص ليكسر معارضيه؛ يكفيه أن يزرع بينهم من يبتسم بصدقٍ مصطنع، يرفع الشعارات، ويجمع المعلومات.
إحدى الحركات الشبابية المعروفة عاشت هذا السيناريو.
رجل جاء بملفٍّ مثالي: نشاط مفرط، حضور دائم، حماس لا يهدأ.
ظنّوه نموذجًا للمناضل، لكنه كان ضابط استخباراتٍ متنكّرًا، مهمته تفكيك الصف لا بناؤه.
لم يُكشف أمره إلا بعد أن فرّ من التنظيم، حين فضحه أحد المنشقين الذين خدموا معه سابقاً في الجهاز.
حينها فقط تبيّن أن الاختراق كان أعمق من الظنّ، وأن المعركة لم تكن بين “نظام ومعارضة”، بل بين الوعي والغفلة.
الوجوه المستعارة
لم تتوقف اللعبة عند هذا الحد.
فهناك من يتخفّى خلف أسماء أنثوية، يقدّم نفسه كـ“صحفية” أو “ناشطة”، يكتب عن الحرية صباحاً ويرسل تقاريره مساءً.
يهاجم هذا السياسي، ويمتدح ذاك، لا لأن القناعات تغيّرت، بل لأن الأوامر تغيّرت.
لغة ناعمة، لكن مشحونة بسمّ ناعم أيضًا.
يتلوّن كالحرباء، يتبدّل موقفه مع كل موجة، لا يعرف الثبات إلا في خدمته للظلام.
ومع مرور الوقت، بدأت التحقيقات الاستقصائية تكشف خيوط هذه الوجوه الوهمية، التي ترتبط بمكاتب الأمن القومي في أسمرة.
بعضها عاش سنوات في الصفوف الأولى من المعارضة، دون أن يكتشف أحد أن خلف القناع جهاز كامل يتنفس من خلاله.
ماكينة الشك
النظام الإريتري يدرك أن الرصاص يصنع شهيداً، بينما الشكّ يصنع انقسامًا.
لذلك، يعتمد على الاختراق النفسي قبل الأمني.
يزرع الشكّ، يهمس في الآذان، يخلق انقسامات صغيرة تكبر مع الوقت حتى تنهار الفكرة نفسها.
الجواسيس الجدد لا يحملون أجهزة تنصّت، بل هواتف ذكية.
لا يسرقون وثائق، بل يسرقون ثقة.
يجلسون في الاجتماعات، يناقشون، يبتسمون، ويخرجون بملفٍّ كامل عن كل شيء قيل ولم يُقَل.
المنفي رقم ٢٤ يقولها بوضوح:
“الخطر الحقيقي ليس من يدخل بيتك، بل من يجلس معك في غرفة الاجتماعات.”
الوعي كسلاح
المعارضة الإريترية اليوم لا تحتاج إلى مزيدٍ من الخطب، بل إلى مناعة فكرية وتنظيمية.
أن تعرف مع من تعمل، ولأجل ماذا تعمل، وكيف تحمي فكرتك قبل أن تحمي نفسك.
الثقة مطلوبة، لكن الوعي أوجب.
من يهاجم كل من يختلف معه، لا يبحث عن الحقيقة بل عن دور.
ومن يغيّر موقفه كل أسبوع، لا يملك مبدأ بل جدول عمل.
ومن يصرّ على أن الجميع خونة… ربما يكتب تقاريره في مكان آخر.
المخرج
هذه ليست دعوة إلى الارتياب، بل إلى الوعي.
فالعدو لم يعد يقف على الحدود، بل تسلّل إلى القروبات والمنصات واللقاءات.
وحين تسقط الأقنعة، لن يكون السؤال:
من خان؟
بل: من نام والذئب بجانبه وهو يظنه رفيق درب؟
رأي الكاتب لا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر رصد إريتريا، وإنما يعكس رؤية المنفي رقم ٢٤ حول ظاهرة الاختراقات الأمنية والفكرية في المعارضة الإريترية.



