مدونات

الصحافة الإريترية في المنفى: أزمة ضمير أم صراع نفوذ؟

المنفي رقم ٢٤ يكتب ..

في الوقت الذي يُنتظر فيه من الصحفيين الإريتريين في الخارج أن يكونوا صوتاً للحقيقة، بات المشهد الإعلامي متخماً بالتكتلات، والخلافات، والأنانيات، حتى أصبح من الصعب التمييز بين الخصومة المهنية والخيانة الأخلاقية.

لوبيات تتصارع لا تتكامل

كل مبادرة لإنشاء كيان إعلامي إريتري مستقل تنهار قبل أن تُولد، ليس بسبب غياب الرؤية، بل بفعل صراع اللوبيات. البعض يضع الشروط، والبعض الآخر يضع العوائق، وكل طرف يرفض الانضمام ما لم يكن في موقع القيادة. النتيجة: تشرذم، وتكرار، وفقدان للثقة.

صحفيون بلا قضية

كثيرون ممن يعملون في وسائل إعلام دولية مرموقة نزعوا عن أنفسهم عباءة القضية. أصبحوا جزءاً من تغطيات دولية، لكنهم صامتون تماماً عن وطنهم. يتحدثون عن كل شيء… عدا إريتريا. وكأن الوطنية عارٌ يجب التخلص منه لتكون “محترفاً”.

شهرة بلا التزام

من نال منصباً أو شهرة، انسحب بهدوء من أي مسؤولية جماعية. يخاف أن يلمع غيره. لا يشير، لا يشارك، لا يدعم. الإعلام بالنسبة له لا يتعدى “ماركة شخصية”، لا مسؤولية ولا التزام.

الماضي لا يكفي

بعض الصحفيين يعيشون على أمجاد قديمة. لا يتقبلون أي صوت جديد. لا يمدحون إلا أنفسهم. يكرّرون عبارة “أنا كنت هنا قبلكم”، دون أن يقدموا رصيداً حقيقياً يبرر هذا التقدُّم. السؤال الذي يجب أن يُطرح هو: ماذا قدّمت الآن؟

جواز سفر جديد… وذاكرة جديدة

بعض من حصلوا على جنسية غربية، قرروا أن الوطن لم يعد يعنيهم. تحولوا إلى أبواق صامتة، أو حيادية زائفة. كأن القيم تنتهي عند بوابة الجنسية.

لا يبالون… لا يهتمون

أسوأهم من لا يعنيه شيء. لا المهنة، لا الوطن، لا الزملاء. لا يؤذي أحداً ، لكنه لا ينفع أحداً أيضاً . حيادهم جريمة.

المبادرات… دائماً مرفوضة

أي محاولة لبناء كيان صحفي جامع تُواجه بكمٍّ هائل من التخريب. لا تُرفض لأنها سيئة، بل لأنها لم تصدر من “الجهة الصحيحة”. والنتيجة: لا شيء.

الداخل يحاول السيطرة على الخارج

حتى داخل الوطن، هناك من يحاول اختراق الكيانات الصحفية في الخارج. صحفيون حكوميون يقدَّمون لعضوية منظمات في الشتات، في حين يُقصى منها المستقلون والمنفيون. بهذه الطريقة، يتحول الإعلام المستقل إلى امتداد غير مباشر للنظام.

وسط هذا الركام… هناك من يقاوم

ورغم كل هذا، لا تزال هناك أصوات نزيهة. صحفيون مستقلون، لم تفسدهم الشهرة، ولم تقيّدهم الوظيفة، ولم تغرِهم المغانم. هؤلاء هم البوصلة الحقيقية.

يكتبون لأنهم يؤمنون، لا لأنهم يُدفع لهم. ينشرون لأنهم يعرفون أن الصمت خيانة، لا لأنهم يبحثون عن ترند. يعملون من الظل، لكن أثرهم أبعد من كثير ممن يتصدرون المشهد.

الكلمة الأخيرة:

إذا لم يتخلَّ الصحفي الإريتري عن أنانيته، فلن نُحدث أي تغيير.
إذا لم نتعلم احترام الاختلاف، فلن يكون هناك إعلام حر.
وإذا لم يكن الصحفي صوتاً للناس، فهو مجرد صدى لنفسه.

السؤال اليوم ليس من الأقدم، أو من الأشهر، أو من الأعلى صوتاً.
السؤال الحقيقي هو:
من الأكثر صدقاً؟ ومن الأكثر التزاماً ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى