السودانالقرن الأفريقي

النساء في دارفور: لسن أضراراً جانبية

رصد اريتريا | موقع جيسيكا | الكاتب / دومينيكا امت

في السادس والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2025، وبعد انسحاب الجيش من مدينة الفاشر التي تعرضت، حسب القائد العام للقوات المسلحة السودانية عبد الفتاح البرهان لتدمير ممنهج، وقعت مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور تحت سيطرة قوات الدعم السريع.

في صباح السابع والعشرين بثّت قوات الدعم السريع صوراً وفيديوهات لقواتها، وهي تعدم المواطنين وَسط المدينة؛ فقد نفذ الدعم السريع والمليشيات المتعاونة معها مجزرة عرقية بحق المواطنين العزل مجزرة تابعها العالم بأسرها، فبحسب جامعة ييل كانت الدماء على الرمل كثيرة إلى الحد الذي التقطتها صور الأقمار الصناعية. في إحدى الصور التي نشرتها قوات الدعم السريع على الفايسبوك ظهرت صورة لجثة النائبة السابقة في البرلمان السوداني والناشطة المدنية سهام حسن حسب الله التي انتُخبت عام 2016 ممثلةً عن حزب العدالة والتحرير كأصغر نائبة في البرلمان، وهي من مواليد شمال دارفور، وتخرجت من كليَة التربية بجامعة زالنجي عام 2006 (تخصص فيزياء). عملت سهام خلال حصار الفاشر الذي امتد لـ 500 يوم في تقديم يد العون والمساعدة في المطابخ (التكايا) الجماعية بالمدينة.

في لقاء لها مع قناة سودانية 24 قالت سليمى إسحق، وزيرة الدولة بوزارة التنمية والضمان الاجتماعي، إن النساء “تعرّضن لاعتداءات جنسية وعنف وتعذيب في الفاشر”، وأضافت أن قوات الدعم السريع قتلت 300 امرأة خلال اليومين الأولين من دخولها إلى مدينة الفاشر.

البعد التاريخي للعنف ضد النساء في دارفور
بدأ النزاع في إقليم دارفور في فبراير/شباط 2003 عندما شنت حركتا التحرير والعدل والمساواة هجومًا على الحكومة السودانية بمدينة الفاشر شمال دارفور. ووفقًا للحركتين، فإن التمرد كان بدافع ما يتعرض له الإقليم من تهميش من قبل النظام. في ذلك التاريخ عرف العالم دارفور بسبب ما تعرض له سكانها من عملية تطهير عرقي، حيث أطلق نظام الرئيس عمر البشير حينها حملة قمعية وحشية في الإقليم على نمط الحملات السابقة التي نفذها في جنوب السودان وجبال النوبة. لقد قامت الحكومة بتعبئة قوات الدفاع الشعبي، وتسليح مليشيات الجنجويد التي تعرف الآن بقوات الدعم السريع ضد القبائل الأفريقية.

“رسالتنا للعالم أننا كنساء دارفور عشنا أسوأ أزمة إنسانية شهدها العالم. نساء دارفور يعشن وجعاً صامتاً لا يُرى في نشرات الأخبار، وهذا أكبر قهر وظلم أراه كفتاة دارفورية”
لم تكن النساء أضراراً جانبية خلال النزاعات في دارفور، بل كنّ في مركز الصراع وأبعاده. تم ارتكاب عمليات اغتصاب ممنهجة وجماعية بحق نساء دارفور كجزء من العقيدة العسكرية المتبعة في الصراع. فقد أفاد تقرير منظمة أطباء بلا حدود عام 2005 بأنها عالجت خلال المدّة من أكتوبر/تشرين الأول 2004 إلى فبراير/شباط 2005 نحو 500 امرأة من اللواتي تعرضن للاغتصاب، بعضهن بشكل جماعي وبعضهن بشكل متكرر. وأشار التقرير إلى أن العدد الموثق بسيط مقارنة بما يحدث فعلاً، إذ إن بعض النساء لا يتحدثن خوفًا من الوصمة والعار؛ وفي عام 2014 تم الإبلاغ عن حالات اغتصاب جماعية نفذها الجيش السوداني ضد 200 امرأة، بينهن طفلات تتراوح أعمارهن بين 8 و17 عامًا في منطقة تابت بشمال دارفور، كنوع من العقاب بعد ادعاء بأن سكان القرية يدعمون المتمردين آنذاك.

يُستخدم العنف الجنسي ضد النساء كوسيلة للضغط على مجتمعاتهن وإذلالها، وهو ليس نهجا عسكريا فحسب، بل أسلوبا متجذرا في العقلية الذكورية التي تتعامل مع أجساد النساء مثل ملكية للأسرة والقبيلة والدولة، واستهداف النساء هو بالتأكيد استهداف للجماعة نفسها. كما يُعد هذا العنف وفق اتفاقيات جنيف جريمة ضد الإنسانية وجريمة حرب، ومعترف به الآن بوصفه عنصرًا من عناصر جريمة الإبادة الجماعية عندما يُرتكب بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة مستهدفة، وهو ما حدث تحديدًا في دارفور منذ عام 2003.

الفاشر الآن: التاريخ يعيد نفسه
أفادت إيمان سيف الدين الباحثة في العلوم الاجتماعية والمدافعة عن حقوق الإنسان في قضايا حماية النساء في سياقات النزاعات المسلحة لجيسكا بأن مدينة الفاشر تشهد أوضاعاً إنسانية وقانونية بالغة الصعوبة، خاصة بالنسبة للنساء، بعد أن ارتكب الدعم السريع مجزرة بشرية حوّلت المدينة إلى بركة دماء، حيث قُتل المدنيون داخل بيوتهم في الأحياء السكنية وداخل المستشفى السعودي للولادة الذي كان آخر مستشفى يقدم الخدمات الطبية، وقد تم فيه قتل النساء وجميع المرضى الآخرين. وهذه جريمة حرب، كما أضافت بأنه لم يتم تسليط الضوء الكافي على جرائم الاغتصاب والقتل الممنهج للنساء في الفاشر، وقد أصبحت النساء والفتيات في المدينة ضحايا انتهاكات منهجية وَسط انهيار شبه كامل لمؤسسات الدولة وغياب الحماية القانونية والإنسانية.

المتحدث باسم المفوضية، سيف ماغانغو، قال إن شركاء المفوضية الإنسانيين أفادوا تعرض ما لا يقل عن 25 امرأة للاغتصاب الجماعي عندما دخلت قوات الدعم السريع مأوى للنازحين بالقرب من جامعة الفاشر، وأضاف: “يؤكد شهود عيان أن أفراد قوات الدعم السريع انتقوا النساء والفتيات واغتصبوهن تحت تهديد السلاح”، وفي تقرير لمنظمة “الصيحة”، الصادر في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني أكدت ناجيات من المجازر في الفاشر، واللواتي وصلن إلى مخيم “طويلة”، أن الدعم السريع فعلاً انتقى الفتيات وأخذهن إلى أماكن مجهولة، وأن بعض النساء لقين حتفهن مثل سائر السكان. تقول إحدى الناجيات: “الناس ديل ما يميزوا بين إنو دة شافع، دا مرا، دا كبير سن، سبحان الله”.

لم يتم تسليط الضوء الكافي على جرائم الاغتصاب والقتل الممنهج للنساء في الفاشر، وقد أصبحت النساء والفتيات في المدينة ضحايا انتهاكات منهجية وَسط انهيار شبه كامل لمؤسسات الدولة وغياب الحماية القانونية والإنسانية
لم يتم حتى الآن حصر عدد النساء اللواتي تم انتهاكهن، فإن مستشفى أطباء بلا حدود هو الجهة المسؤولة عن التعامل مع حالات الانتهاكات، ولم تُشارك المستشفى حتى الآن أي بيانات بخصوص ذلك حسب تصريح إحدى المتطوعات بغرفة طوارئ طويلة لجيسكا التي “لكن وردت أخبار مؤكدة عن الطفلة ذات الست سنوات التي تعرضت للاغتصاب في أثناء الأحداث الأخيرة في الفاشر فإن هناك اعتداءات جنسية واختطاف للنساء في أثناء الخروج من المدينة إلى أماكن آمنة، فأنا لدي ابنة عمتي مختطفة منذ أغسطس/آب 2025 خلال أحداث مخيم زمزم، ولا ندري أين هي إلى الآن بالرغْم بحثنا عنها في جميع المناطق”.

القوانين الدولية في حماية النساء خلال النزاعات المسلحة
لا يمكن الحديث عن الجرائم دون الحديث عن أدوات المحاسبة والعدالة، ولعل جرائم النزاعات من أكثر الجرائم التي تتحقق فيها العدالة ببطء شديد، فمعظم تلك الجرائم تنفذها الدولة ضد أبنائها أو المليشيات المتحاربة ضد المدنيين، وفي كل الحالات يتعذر على المجتمع الدَّوْليّ محاسبة المسؤولين عنها. ففي السادس من أكتوبر/تشرين الأول 2025 أصدرت المحكمة الدولية حكمها على علي كوشيب، أحد قادة مليشيات الجنجويد المتهم بارتكاب الجرائم في فترة 2003-2004، الذي سلّم نفسه للعدالة الدولية عام 2020 بعد فترة قليلة من سقوط عمر البشير، وبعد هروبه من العدالة لمدة 12عاما، حَسَبَ الأمم المتحدة فإن محاسبة كوشيب تعدّ سابقة هي الأولى من نوعها، حيث تمت إدانته بالاضطهاد القائم على النوع الاجتماعي.

في هذا السياق قالت إيمان سيف الدين، إن مؤسسات العدالة تعاني ضعف شديد في الأداء، خاصة في المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة، رغم وجود وحدة مكافحة العنف ضد المرأة، إلا أن قدرتها على التدخل محدودة في ظل الانفلات الأمني. أما على المستوى الدّولي، فإن المحكمة الجنائية الدولية تملك ولاية قضائية على دارفور بموجب إحالة مجلس الأمن عام 2005، وقد بدأت فعلًا في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 التحقيق في الجرائم المرتكبة في الفاشر، بما في ذلك الاغتصاب الجماعي والتطهير العرقي.

ستظل قضية نساء دارفور والضحايا العزل أجمع خِزيًا على جبهة القضاء السوداني والأفريقي والدولي، ما لم تتم محاسبة جميع الجناة، وخزيًا على جبهة الساسة ما لم تُحل أزمتها بشكل جذري
تشير التقارير إلى أن هذه الانتهاكات قد تُدمج ضمن ملف دارفور المفتوح منذ عام 2005، مما يعزز فرص المحاسبة الدولية. وقد تم تقديم ملفات موثقة إلى المحكمة الجنائية الدولية ووحدة جرائم الحرب في لندن، تتضمن أدلة على الجرائم المرتكبة من قبل قوات الدعم السريع منذ أبريل/نيسان 2023. هذا التطور يفضح جدية المجتمع الدولي في التعامل مع هذه الجرائم، ويمنح بصيص أمل للنساء السودانيات في تحقيق العدالة، على الرغْم التحديات القانونية والسياسية القائمة.

ثم تضيف أنه بالرغْم من وجود منظومة قانونية دولية متكاملة تهدف إلى حماية المدنيين والنساء في النزاعات المسلحة، مثل اتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي، إلا أن التطبيق العملي لهذه القوانين يعاني خللا واضحا. ويتمثل هذا الخلل في ضعف الإرادة السياسية لدى بعض الدول، وغياب آليات تنفيذ ملزمة، وتكرار الإفلات من العقاب، خاصة عندما يكون الجناة أطرافًا رسمية أو جماعات مسلحة مدعومة من الدولة أو من دول نافذة، مثل: حالة مليشيات الدعم السريع أو في قضية تسليم البشير ومن معه من المطلوبين للعدالة الدولية.

إن الاستجابة الإنسانية غالبًا ما تكون غير كافية أو غير حساسة لاحتياجات النساء، مما يزيد من هشاشة وضعهن في مناطق النزاع. ففي حالات مثل السودان، ورغم إحالة ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية منذ عام 2005، لا تزال الانتهاكات مستمرة دون محاسبة فعلية، ما يُظهر فجوة كبيرة بين النصوص القانونية والواقع الميداني. لذلك فإن تعزيز الحماية القانونية للنساء يتطلب ليس فقط وجود قوانين، بل إرادة سياسية وآليات تنفيذ فعالة، وتعاونًا وثيقًا بين المجتمع المدني والجهات الدولية لضمان عدم تكرار هذه الانتهاكات ومعاقبة مرتكبيها، وضمان سد الفجوة بين النصوص وآليات التطبيق.

ماذا تريد النساء في دارفور
في ختام كلامها تقول المتطوعة بغرفة طوارئ طويلة: “رسالتنا للعالم أننا كنساء دارفور عشنا أسوأ أزمة إنسانية شهدها العالم. نساء دارفور يعشن وجعاً صامتاً لا يُرى في نشرات الأخبار، وهذا أكبر قهر وظلم أراه كفتاة دارفورية؛ نطالب بمكافحة العنف ضد المرأة والطفل، ورفع كفاءة الأجهزة العدلية، ومحاسبة مرتكبي الجرائم ضد النساء في السودان وخصوصًا دارفور. نطالب بحماية حقيقية وليس وعودًا، وبسلام يضمن لنا العيش بكرامة وأمان. ختامًا، ليس لدي رسالة للمجتمع الدولي، فهم يرون ما يحدث في دارفور”.

ما يحدث للنساء في السودان، وفي دارفور بالتحديد خلال هذه الحرب، لا ينبغي أن يُذكر كخبر مرفق أو هامش خبري، تهميش قضايا النساء خلال فترات النزاعات ليس إلا امتدادًا لتهميش قضاياهن في أثناء السلم. عدم وجود قوانين رادعة وواضحة تُجرم العنف الممنهج ضد النساء ساهم في استغلالهن خلال الحروب والتعامل معهن كضحايا أو غنائم حرب يُستغللن جنسيًا ويُبعن لأغراض غير إنسانية، ستظل قضية نساء دارفور والضحايا العزل أجمع خِزيًا على جبهة القضاء السوداني والأفريقي والدولي، ما لم تتم محاسبة جميع الجناة، وخزيًا على جبهة الساسة ما لم تُحل أزمتها بشكل جذري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى