مدونات

النكهة المعدنية للنقفه : كيف تحوّلت العملة الإريترية إلى ورق جوع؟

المنفي رقم ٢٤ يكتب

ليست المسألة أن الخبز مفقود.
بل أن ثمنه يُباع بعملة لا قيمة لها، في سوق لا منطق له، داخل دولة لا ضمير لها.

في أسمرا، العاصمة التي يُفترض أنها القلب، تسأل الناس عن الأسعار، فيقول أحدهم: “كل شيء صار غالي”، يضيف آخر: “راتبي لا يكفي حتى للحاجات الأساسية”، ويهمس ثالث: “لولا أن ابني يرسل لي من الخارج، لكنت أطبخ الماء فقط”
هذا ليس خطاباً عاطفياً، بل وصفاً دقيقاً لواقعٍ تُدار فيه الحياة كأنها تحدٍ مع البقاء، لا مع الزمن.

النّقفة… العملة التي بلا نبض

النقفة الإريترية، التي وُلدت بشعار السيادة في منتصف التسعينيات، تحوّلت إلى كابوس سيادي.
لا أحد في الداخل يعترف بقيمتها الحقيقية.
السوق السوداء وحدها تمنحها رقماً، والبنك المركزي إن وُجد اسمه على الورق مجرّد دُكان تابع للأمن وليس للمحاسبة الاقتصادية.

في الوقت الذي يصرّ فيه النظام على تثبيت سعر الصرف رسمياً بما لا يتجاوز 15 نقفة للدولار، يدفع المواطن أكثر من 120 نقفة للدولار الواحد في السوق السوداء.
أما الأسعار؟ فلا تعترف لا بالبنك ولا بالحاكم. تعترف فقط بحقيقة واحدة: من لا يملك دولارات من الخارج، لا يأكل.

من يطعم من؟

نصف سكان أسمرا، وربما أكثر، يعيشون على تحويلات أبنائهم في المهجر.
مبالغ صغيرة تُرسل من جدة أو الخرطوم أو أوكلاند، تكفي فقط لشراء الدقيق والزيت والعدس.
لكن السؤال الأهم ليس عن هذا النصف.

السؤال الأهم عن النصف الآخر.
الذين لا أحد لهم في الخارج، ولا تحويلات تأتيهم، ولا راتب يكفي ثمن الغاز.

كيف يعيش هؤلاء؟
بعضهم يأكل مرة واحدة في اليوم، بعضهم يخلط الطحين بالماء ويضعه على الصاج بلا ملح.
بعضهم يتسوّل في الأحياء، وبعضهم يرسل أبناءه إلى وحدات التجنيد الإجباري لأن الجيش يطعمهم أكثر مما تطعمهم بيوتهم.

أين الاكتفاء الغذائي؟

“نحن ننتج ما نأكل”…
جملة يكررها إعلام النظام كل عام، في ذكرى الاستقلال، في خطابات أسياس، في نشرات التلفزيون الرسمي.

لكن الوقائع تقول إن اكتفاء النظام الغذائي وهمي.
القمح يُزرع لكنه يُخصص للجيش.
الخضروات تُنتج لكن تُباع للمسؤولين بأسعار مدعومة.
الماشية تُصدر إلى الخارج مقابل الدولار، بينما الأطفال في الداخل يأكلون حساء العدس بالماء.

تسأل نفسك: لماذا لا يثور الناس؟
الجواب بسيط ومؤلم: لأن الجوع يسكت أكثر مما يحفّز.

من أين يأتي المال؟

الدولة نفسها لا تملك مصادر دخل إنتاجية.
لا صادرات زراعية معتبرة.
لا صناعة.
لا سياحة.
كل ما يدخل البلاد يأتي من الخارج: تحويلات المغتربين، دعم الشتات، وحتى الأموال التي تُجبى بالإكراه من الجاليات في السفارات.

كل من لا يملك عائلة في المنفى، محكوم عليه بالجوع التدريجي.
وهذا الجوع ليس عرَضاً، بل أداة.
النظام يستخدمه لضبط الإيقاع.
من لا يطيع، لا يأكل.
ومن لا يسكت، يُقطع عنه فتات المساعدات.

الختام؟ لا ختام

لا نهاية لهذا المقال لأن الجوع في إريتريا لا ينتهي بخاتمة.
الجوع هناك مشروع سياسي، جزء من هندسة الطاعة.
الجوع في إريتريا ليس نتيجة فشل، بل سياسة محسوبة.

وإذا كنت تسأل: هل الجياع في أسمرا فقط؟
فالجواب: لا.
لكن في أسمرا، حيث تقع السلطة، يكون الجوع رسالة.
رسالة تقول:
“هذه دولتكم، هذه عملتكم، هذا أمنكم الغذائي. ومن لا يعجبه… الباب مفتوح للمنفى”.

المنفي رقم ٢٤
منفى يأكل الحقيقة
ويكتبها بلا سكر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى