تفكك الهوية: كيف غيّرت الهجرة الجماعية بنية المجتمع الإريتري؟

تقرير
في البداية كانت القصة عن الهروب. ثم تحوّلت إلى حياة كاملة على هامش وطن.
في سنوات ما بعد الاستقلال، كانت البلاد تفيض بشعور عام بالانتماء والانتصار، ولو جزئياً. كانت الأسرة الإريترية رغم فقرها، متماسكة. أما اليوم، وبعد عقود من الحكم الأمني والانغلاق، أصبحت هذه الأسرة شتاتاً موزعاً على القارات، ومجتمع الداخل مفرغاً من شبابه وأطفاله وحتى آبائه. ما الذي حدث؟ وكيف أعادت الهجرة الجماعية رسم ملامح المجتمع الإريتري؟
في المخيمات المؤقتة شرق السودان، وفي أزقة القاهرة، كما في الأحياء البعيدة من هامبورغ وملبورن، تتكرر الحكايات: أبناء لا يتحدثون لغة آبائهم، أسر مفككة، قيم اجتماعية تصطدم بثقافات جديدة، وشعور دائم بأن “الهوية” لم تعد ثابتة. إنها ليست فقط أزمة لجوء سياسي، بل تحوّل جذري في بنية المجتمع الإريتري ذاته.
علي عثمان، ناشط اجتماعي مقيم في أوتاوا، يصف الأمر بأنه “فقدان للبوصلة الجماعية”، ويقول: “نحن لا نحمل وطنًا في الجيب، بل في الذاكرة فقط، والذاكرة تتآكل مع الجيل الثاني والثالث في المهجر”.
في الماضي، كانت الأسرة في إريتريا هي المرجعية الأساسية، تتكوّن من حلقات مترابطة من الأهل والأقارب والجيران، يديرها الكبار ويطيعها الصغار. لكن بعد الهجرة، تغيّرت المعادلة. في أوروبا، القانون يحمي الطفل من سلطة الوالد، ويمنح النساء استقلالًا قانونياً. لم تعد الأم تخشى من الطلاق، ولم يعد للأب سلطة مطلقة، بل أصبحت الأسرة نفسها موضوعاً للرقابة القانونية والاجتماعية.
تقول “هاجر”، لاجئة إريترية في هولندا: “أولادي يتحدثون الهولندية ولا يعرفون شيئًا عن بلادنا. زوجي تركنا، وأنا أعيش على المساعدات. نحن موجودون، لكننا مفككون، لا شيء يجمعنا سوى وثائق اللجوء.”
هذا التمزق تجاوز البيت ليصل إلى الشباب. جيل كامل نشأ في مخيمات أو مدارس أجنبية، لا يتقن اللغة الأم، ولا يجد ما يربطه بإريتريا سوى الحكايات القديمة والصور الباهتة. كثير منهم يعيش صراعًا بين رغبة الاندماج الكلي في مجتمعاتهم الجديدة، وخوف غامض من فقدان الجذور تمامًا.
في ألمانيا، كشفت دراسة صادرة عن منظمة “ميديكو إنترناشيونال” أن نسبة كبيرة من الشباب الإريتري المهاجر يعانون من “انفصال ثقافي مزدوج”؛ فهم لا يشعرون بالانتماء الكامل للدولة المضيفة، ولا يملكون أرضية ثابتة من ثقافتهم الأصلية.
لكن هذا التحوّل لا يحمل ملامح الهزيمة فقط. ففي بعض الحالات، صار الشتات مساحة جديدة لإعادة بناء المجتمع بشكل مختلف. ظهرت جمعيات إريترية في أوروبا وأمريكا تهدف إلى حماية اللغة، تنظيم النشاطات الثقافية، وتقديم الدعم القانوني والاجتماعي. وأصبح بعض الشباب المولودين في المهجر قادة في حملات حقوق الإنسان، يناقشون سياسات النظام الإريتري بصوت عالٍ في برلمانات ومنصات إعلامية.
رغم ذلك، لا يمكن تجاهل أن المجتمع الإريتري كما كان قبل عقدين، لم يعد كما هو. الملامح تغيّرت، والتقاليد انكسرت، والهوية باتت مائعة. فهل نحن أمام نهاية مجتمع تقليدي؟ أم بداية شكل جديد من “الإريترية” التي لا ترتبط بالمكان، بل بالتجربة؟
في نهاية التحقيق، يبرز سؤال واحد أكثر إلحاحاً من كل شيء آخر: إذا كانت الدولة قد سُرقت، والأسرة قد تمزقت، والثقافة أصبحت مشتتة… فهل لا يزال يمكن الحديث عن “مجتمع” إريتري، أم أننا أمام ذاكرة وطنية في طور التبخر؟
المصادر:
1. Medico International, Eritrean Youth in Europe: Between Displacement and Identity Loss, 2022
2. مقابلات ميدانية مع لاجئين إريتريين في السودان، مصر، ألمانيا وهولندا
3. تقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) حول الوضع الاجتماعي للاجئين الإريتريين، 2020–2023
4. دراسة: Family Structures in Diaspora Communities، مركز دراسات اللاجئين في جامعة أكسفورد، 2021
5. مقابلة شخصية مع علي عثمان، ناشط من الجالية الإريترية في أوتاوا، مايو 2025



