مدونات

جسد الوطن: لماذا تُجنّد الفتيات في إريتريا قسراً؟

المنفي رقم ٢٤ يكتب

مدخل

من قال إن البنادق لا تُصنع من الضفائر؟
ومن كتب في دفاتر التاريخ أن الدفاع عن الوطن يبدأ بتجريد الفتيات من أنوثتهن، ويدفِن طفولتهن تحت الأحذية العسكرية؟

في إريتريا، لا شيء يبدو في مكانه الطبيعي.
المدارس تتحوّل إلى معسكرات، والحقائب المدرسية تُستبدل بالبنادق، والمستقبل يُصادَر في سنٍّ كان يفترض أن تكتب فيه الفتاة أولى أحلامها، لا أولى تقارير انضباطها العسكري.

في معسكر ساوا الشهير – حيث يتوقف الزمن ويتجمّد الشعور – تقف الفتيات الإريتريات في طابور واحد مع الفتيان. لكن الحقيقة تقول إن معركتهن مختلفة. فبينما يواجه الشاب العنف، تواجه الفتاة العنف مضاعفًا… العنف الجسدي، والعنف الجنسي، والعنف الرمزي الذي يحوّلها من إنسانة إلى “أداة”، ومن طالبة إلى “وَحدة قابلة للتوظيف العسكري أو الخدماتي أو حتى الإذلالي”.

أي وطن هذا الذي يُلزم فتاة على حمل بندقية لا تفقه سبب وجودها؟
هل أصبح الولاء يُقاس بطول مدة العذاب؟
هل تُقاس الوطنية بعدد المرات التي تنام فيها المجنّدة الإريترية على تراب المعسكر وهي تتوسد خوفها؟

النظام الإريتري لا يجنّ الفتيات ليحمي البلاد، بل ليكسر العمود الفقري للمجتمع.
فحين تُجنّد الفتاة، يُجبر الأب على الصمت، وتُربك الأمومة، ويتحول الجسد الأنثوي إلى ميدان تخضع فيه كل القيم لإرادة السلطة.

هذا ليس تجنيداً من أجل “الوطن”، بل عسكرة مقصودة للأنوثة نفسها.
تجنيد يراد منه إعادة تشكيل المجتمع، وإخضاعه، وتفريغه من أي قدرة على المقاومة.

تخضع الفتيات هناك لما لا يُقال:
ممارسات يومية تمسّ الكرامة.
أوامر فوقية لا يمكن رفضها.
خدمة “وطنية” بلا نهاية، تبدأ بصرخة في وجه العائلة: “ابنتكم لم تعد لكم”.

لا قوانين تحمي، ولا مؤسسات تستقبل الشكاوى، ولا مستقبل ينتظر الهاربات.
والأدهى… أن العالم صامت، وكأن أجساد الفتيات خارج نطاق التغطية الإعلامية والإنسانية.

فلماذا كل هذا الصمت؟
لماذا يُنظر لتجنيد الفتيات في إريتريا كأمر عادي؟
لماذا تغيب الأسئلة الجذرية ويُكتفى بالشجب الناعم؟
وهل تجنيد النساء “قضية ثانوية” في نظر المنظمات الكبرى؟ أم أن الأمر أخطر من أن يُفتح؟

في هذا التقرير، لن نروي القصص فقط، بل سنقلب الطاولة:
نسأل ما لا يُسأل.
نبحث عمّا يخفيه الإعلام.
ننبش في ما بين الكلمات.
ونضع القارئ وجهاً لوجه أمام الحقيقة الأكثر قسوة:
أن الفتاة في إريتريا لا تُجنّد لحماية الوطن… بل لتُسحق باسم الوطن.

المحور الأول: الخلفية السياسية والفكر العسكري للنظام

حين استقلت إريتريا عام 1991، ظنّ شعبها أن زمن البنادق قد انتهى، وأن مرحلة البناء ستبدأ.
لكن السلطة التي خرجت من رحم الثورة لم تخلع ثوب الميدان، بل فرضته على الجميع، وبدلاً من إعادة المدنيين إلى بيوتهم، دفعت بهم جميعًا، نساءً ورجالاً، إلى “مستقبل عسكري طويل الأمد”.

ما الفلسفة التي تقف خلف عسكرة النساء في إريتريا؟

الفكر الذي يحكم إريتريا اليوم هو نتاج عقيدة ثورية قاتلت ثلاثين عاماً في الجبال، ثم لم تجد لنفسها هوية سوى في الاستمرار بالحرب، ولو كانت ضد مواطنيها.
السلطة، بقيادة أسياس أفورقي، ترى أن عسكرة المجتمع بالكامل – بما فيه النساء – ضرورة لضمان السيطرة الكاملة على مفاصل الدولة والمجتمع، لا لمواجهة أي خطر خارجي حقيقي.

عسكرة النساء ليست مسألة مساواة كما يدّعي الإعلام الرسمي، بل هي تكتيك من تكتيكات الإخضاع:
• إلغاء استقلال الفتاة.
• محو هويتها كطالبة أو بنت عائلة.
• وتطويعها داخل منظومة لا تعترف إلا بالولاء الأعمى.

النظام لا يؤمن بالمدنية. يرى أن كل فرد يجب أن يكون “جندياً في مشروع الدولة الكبرى” – تلك الدولة التي لا انتخابات فيها، ولا دستور، ولا إعلام حر.

في هذا السياق، تصبح الفتاة أداةً لتكريس الفكرة الكبرى: أن لا مكان لأحد خارج سيطرة الدولة.

هل التجنيد فعلاً لأغراض دفاعية… أم أنه جزء من “هندسة اجتماعية” يتحكم فيها النظام؟

الدفاع عن الوطن لا يتطلب تجنيد فتاة قاصر وتجريدها من تعليمها ومستقبلها.
الدفاع الحقيقي يقوم به جيش نظامي، له قوانين وضوابط وزمن محدد للخدمة. لكن في إريتريا، ما يحدث هو ما يُعرف بـ”العسكرة الأيديولوجية”، أي تحويل كل مكونات المجتمع إلى أدوات خاضعة للسلطة باسم “الوطنية”.

حين تُجبر فتاة على دخول معسكر ساوا في سنّ 17 أو 18، وتُمنع من العودة لعائلتها أو متابعة تعليمها إلا بإذن عسكري، فهذا ليس تدريباً… بل إعادة تشكيل كاملة لهويتها.
المجندة تصبح كائنًا “مفرغاً من ذاته”، تسكنها أوامر القائد لا أحلامها الخاصة.

بعبارة أوضح:
التجنيد في إريتريا هو مشروع هندسة اجتماعية ضخمة، يهدف إلى تحطيم الروابط الطبيعية:
• بين الأب وابنته
• بين المعلمة وطالباتها
• بين المرأة ومجتمعها

لأن المجتمع المفكك أسهل في السيطرة من مجتمع متماسك.

كيف تحوّل معسكر ساوا من مرحلة “تدريب” إلى مرحلة “إعادة تشكيل ذهني ونفسي”؟

في بداياته، كان معسكر ساوا مقراً لتدريب عسكري محدود المدة. لكن منذ أوائل الألفينات، تحوّل إلى “مختبر مغلق” لتفريغ وتشكيل العقول الشابة.
ساوا اليوم ليس مجرد معسكر، بل مؤسسة لفرض نظام قيمي جديد، قائم على الطاعة والإلغاء الذاتي.
• هناك تُمنع الكتب المستقلة
• تُفرض خطابات أيديولوجية يومية
• تُراقب الطالبات ليلاً ونهاراً
• يُمنعن من الحديث بحرية، أو التعبير عن ذواتهن
• يتعرضن للتنمر، والاحتقار، والتشهير إذا رفضن الأوامر

ساوا يُعلّم الفتيات كيف يكُنّ “جنوداً صالحين” للنظام… لا مواطنات حُرّات.

منذ عام 2002، أصبح دخول ساوا إجبارياً لكل من يُكمل الصف الحادي عشر.
وبدلاً من أن يكون خطوة نحو الجامعة، صار بوابة إلى “اللا نهاية”:
خدمة مفتوحة، مستقبل مجهول، حياة معلقة.

هذا المحور يُبرز بوضوح أن تجنيد النساء في إريتريا ليس قضية “دفاع عن الوطن”، بل خطة مُمنهجة لتحويلهن إلى أدوات في يد السلطة.
وهذا يقودنا إلى التساؤل الأعمق في المحور القادم:

ما الذي تعانيه الفتيات داخل هذه المعسكرات؟ وما الأثمان التي تدفعها أجسادهن وأرواحهن؟

المحور الثاني: الواقع الميداني للفتيات المجندات

بعيداً عن صور البدل العسكرية المرتبة في الإعلام الرسمي، وخطب “التمكين”، هناك واقع أكثر قسوة خلف أسوار المعسكرات.
واقع لا ترويه الكاميرات ولا يصل إلى الصحف… لكنه يُحفر عميقًا في أرواح آلاف الفتيات المجندات.

كيف تعيش الفتاة الإريترية يومها داخل معسكر ساوا؟

منذ لحظة الوصول، تتجرد الفتاة من كل شيء:
• ملابسها المدنية
• هاتفها المحمول
• كتبها إن وُجدت
• حتى اسمها أحيانا يُستبدل برقم أو لقب عسكري

الانضباط الصارم يبدأ من الفجر:
استيقاظ إجباري، صفوف تفتيش، تدريبات بدنية مجهدة تحت الشمس، حصص نظرية لا تعلّم شيئًا سوى الولاء للنظام.

لكن الجسد المتعب ليس أسوأ ما في التجربة.
الأسوأ هو الشعور الدائم بأنها “تحت السيطرة”، مراقَبة، محاصَرة، بلا صوت ولا خصوصية.

ما نوع الانتهاكات التي تتعرض لها الفتيات؟

رغم الرقابة الشديدة على المعلومات، تسربت شهادات من منشقين ومنظمات حقوقية ترسم صورة قاتمة:
• التحرش الجنسي شائع، وأحياناً يتم التستر عليه من قبل القادة
• العقوبات الجسدية قاسية: الوقوف تحت الشمس لساعات، الحرمان من الطعام، الزحف في التراب
• المعاملة التمييزية: الفتيات يُجبرن أحياناً على أعمال نظافة وخدمة شخصية للضباط
• الابتزاز العاطفي: إذا رفضت الفتاة ضابطًا أعلى منها رتبة، قد تُعاقب بالنقل، أو يُمنع عنها الإذن برؤية أهلها

وفي بعض الحالات، يتم إجبار الفتيات على الزواج من جنود أو ضباط كنوع من “مكافأة الخدمة”، أو لإرضاء بعض القيادات.

ماذا عن الجانب النفسي للفتيات؟

التأثير النفسي عميق ومدمّر.
الكثير من الفتيات يدخلن المعسكر بعمر المراهقة ويخرجن – إن خرجن – بقلوب متعبة، مليئة بالخوف، مشوّهة الثقة.
• بعضهن يصبن بالاكتئاب الحاد
• بعضهن يعانين من اضطرابات نوم وهلع
• البعض الآخر يُجبر على الهروب، ليجد نفسه في صحراء السودان أو معتقلات ليبيا

“ساوا لا تدرّبك فقط على حمل السلاح… بل تدرّبك على نسيان من أنت.”
هكذا وصفتها إحدى الناجيات، بعد أن وصلت إلى أوروبا عبر رحلة موت.

لماذا لا تستطيع الفتاة رفض التجنيد؟

لأنه لا خيار.
الرفض يعني:
• السجن العسكري
• أو حرمان عائلتها من الخدمات
• أو وصمها بالخيانة

في مجتمع مغلق، يخاف الناس من الحديث، تُقتل الفتاة معنوياً إذا اعترضت، وتُجرّ جرًا إلى مصير لم تختره.

هذا المحور يكشف أن التجنيد الإجباري للنساء في إريتريا هو حرب صامتة على الجسد والكرامة.
ليست الفتاة جندية، بل ضحية لسياق كامل يستغلها باسم الوطن، ويُهملها حين تنهار.

وإذا كان هذا هو الواقع الداخلي، فإننا بحاجة إلى طرح سؤال آخر:
لماذا يصمت المجتمع؟ وأين أصوات الرجال؟ ولماذا لا يحدث رفض واسع؟

المحور الثالث: الصمت المجتمعي وشرعنة القهر

حين تتحوّل المأساة إلى جزء من الحياة اليومية، يصبح الصمت هو القاعدة، والكلام استثناءً محفوفًا بالخطر.
فلماذا يصمت المجتمع الإريتري أمام ما تتعرض له بناته؟
أين أصوات الرجال؟ ولماذا تلاشت القدرة على الرفض؟

هل هو خوف أم تطبيع؟

لأكثر من عقدين، عاش الإريتريون في ظل نظام يعاقب حتى الهمس.
فكرة الاعتراض ليست مجرد خطر، بل نوع من الانتحار الاجتماعي.
الرجل الذي يرفض إرسال ابنته إلى ساوا قد يخسر عمله، أو يُحرم أبناؤه الآخرون من التعليم، أو تُلاحق أسرته.
بالتالي، يتحوّل الخوف إلى “سلوك اجتماعي طبيعي”، ويتحول الوجع إلى “أمر واقع لا يُناقش”.

لكن هناك ما هو أعمق من الخوف:
التطبيع مع الظلم.

حين تكرر السلطة خطاب “الدفاع عن الوطن” كل يوم، وتُعيد إنتاجه في الإعلام والمدارس والخُطب، تبدأ العقول في التصديق، ولو جزئيًا.
فتُقال العبارات المكررة:
• “ما كل الناس مجندين؟”
• “هي تخدم مثل إخوتها”
• “هذي فترة وتعدي”

هكذا يتحوّل اللا-منطقي إلى منطقي، ويُعاد تعريف الرجولة والأنوثة ضمن شروط السلطة.

أين المثقفون؟ أين الآباء؟ أين صوت المجتمع؟

الكثير من المثقفين إما في المنفى أو في السجون.
ومن بقي في الداخل، يعيش تحت مقصلة الرقابة والخوف.
الآباء يعانون، لكنهم محاصرون بين خيارين كلاهما مر:
• تسليم بناتهم للمعسكرات
• أو التضحية بمستقبل العائلة بأكملها

المرأة نفسها، حين تُجند، تُربّى على الولاء للنظام وتُدرب على “كتمان الألم”.
فلا تشتكي.
ولا تسأل.
ولا تجرؤ على البكاء بصوتٍ عالٍ.

هل ما يحدث هو “قدر” أم قرار سياسي؟

هذا السؤال يجب أن يُطرح بصراحة.
عسكرة المجتمع ليست قدراً إلهياً ، بل خطة منهجية لترويض الناس.
• حين تُجند الفتاة، تُكسر سلطة الأب
• حين تعود المجندة بثقافة طاعة عمياء، يُعاد تشكيل الأسرة
• حين يخاف المجتمع من الكلام، تتغول السلطة بلا رقيب

هذه ليست آثار جانبية للتجنيد، بل جوهر مشروع سياسي يهدف إلى تفكيك النسيج الاجتماعي، وإعادة تركيبه بما يخدم بقاء النظام.

في النهاية، الصمت في إريتريا ليس فقط علامة خوف…
بل نتيجة سياسة طويلة المدى، تُحرم فيها المرأة من صوتها، ويُجبر الرجل على خيانة إحساسه.

لكن يبقى سؤال أخير لا يمكن تجاهله:

إلى متى؟
إلى متى سيبقى التجنيد الإجباري للفتيات وصمة تلوح في سماء بلدٍ يختنق بالصمت؟

المحور الرابع: الأثر البعيد… ما بعد البزة العسكرية

التجنيد لا ينتهي بانتهاء المدة الرسمية، ولا بالعودة إلى المنزل.
في إريتريا، التجنيد يترك ندبة طويلة الأمد… في الروح، في العائلة، في المجتمع بأكمله.

ماذا يحدث للفتيات بعد الخروج من المعسكرات؟
• كثيرات لا يعدن كما كنّ…
فتاة في الـ18 تعود امرأة بعينين منطفئتين، وحسرة دفينة.
ترى الحياة من خلف أسوار التجربة، وكأن المعسكر ما زال يسكنها.
• بعضهن يرفضن الزواج، أو يُرفضن بسبب ما مررن به

• البعض الآخر يحاول الهرب من البلد، لا فراراً من التجنيد فقط، بل من ذكريات لا تُمحى.
الفتيات اللواتي يعبرن الحدود إلى السودان أو إثيوبيا، يحملن على ظهورهن أكثر من حقيبة:
يحملن خوفاً ، وانكساراً ، وفقداناً للثقة.

كيف يؤثر التجنيد على الهوية الشخصية؟

الفتاة المجندة لا تُمنح وقتاً لاكتشاف نفسها.
لا توجد مساحة للحلم، للخطأ، للنمو الطبيعي.
كل شيء يُختصر في كلمة واحدة: “الطاعة”.
• تُجرّد من صوتها
• تُعاقب إن فكّرت
• تُمنع من بناء طموح خارج المسار الذي حدده النظام

وبالتالي، تظهر أجيال من النساء بوعي مجروح، يحملن هوية مرتبكة، لا ينتمين تمامًا للوطن، ولا لأنفسهن.

ما الأثر الاجتماعي العام؟

•العائلات تنكسر:

الأب لا يستطيع حماية ابنته و الأم لا تقدر على منعها والأشقاء ينظرون بعجز إلى اختفاء أختهم في منظومة غامضة .

•النسيج الاجتماعي يتشوه:

بدلاً من أن تكون الفتاة رمز أمل وتغيير، تُصبح علامة على القهر
وتبدأ العلاقات بين الجنسين في التآكل، يفقد الرجل احترامه لسلطته كأب وتفقد المرأة ثقتها بقدرتها على الاختيار .

•المجتمع يصبح هشاً:

حين تُجند النساء قسرًا، يُستباح كل شيء لا كرامة، لا حرية، لا مستقبل واضح .

ماذا عن الدولة؟

المفارقة أن النظام يُجند الفتيات بحجة “بناء وطن قوي”،
لكن النتيجة هي هدم الوطن من الداخل:
• لا تعليم مستقر
• لا طاقات نسائية مُنتجة
• لا أسر متماسكة
• لا ثقة بالمستقبل

التجنيد الإجباري للفتيات في إريتريا لا يحمي الدولة… بل يُضعفها.
لا يبني الإنسان… بل يحطمه.

فأي وطن هذا الذي يُخدر بناته بشعار الوطنية بينما يغتال فيهن الحلم والكرامة؟

أربع شهادات حقيقية لمجندات إريتريات سابقات، وثّقتها منظمات حقوقية دولية، تعكس عمق المعاناة التي تتعرض لها النساء في نظام التجنيد الإجباري في إريتريا:

الشهادة الأولى: “كنا نُعامل كعبيد، لا كطالبات”

في تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش عام 2019، وصفت فتاة إريترية تجربتها في معسكر ساوا العسكري قائلة:

“كانوا يجعلوننا عبيداً ، لا يعلّموننا شيئاً . كل ما كنا نفعله هو التدريبات العسكرية والعمل القسري. لم يكن هناك تعليم حقيقي، فقط أوامر وطاعة عمياء.”

أوضحت الفتاة أن العام الأخير من التعليم الثانوي يُقضى بالكامل في معسكر ساوا، حيث يُجبر الطلاب على الخضوع لتدريبات عسكرية صارمة، مع قلة في الدروس الأكاديمية، مما يحرمهم من حقهم في التعليم الحقيقي.

الشهادة الثانية: “الضرب والإهانة كانا جزءاً من يومنا”

في شهادة أخرى ضمن تقرير هيومن رايتس ووتش، تحدثت فتاة عن الظروف القاسية في معسكر ساوا:

“كنا نتعرض للضرب والإهانة بشكل يومي. إذا لم ننفذ الأوامر بسرعة، يتم معاقبتنا بطرق مهينة. لم يكن هناك احترام لكرامتنا كنساء.”

أشارت الشهادة إلى أن المعسكر يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة، حيث تُجبر الفتيات على العيش في ظروف غير إنسانية، مع انعدام الخصوصية وسوء المعاملة المستمر.

الشهادة الثالثة: “الهروب كان الخيار الوحيد للنجاة”

في تقرير لمنظمة العفو الدولية، روت فتاة إريترية كيف اضطرت للفرار من البلاد هرباً من التجنيد الإجباري:

“لم أستطع تحمل المزيد. كنت أعلم أن الهروب محفوف بالمخاطر، لكن البقاء يعني نهاية حياتي. اخترت الهروب، رغم أنني لم أكن أعلم ما ينتظرني.”

تُبرز هذه الشهادة كيف يدفع نظام التجنيد الإجباري القاسي الفتيات إلى اتخاذ قرارات خطيرة، مثل الهروب عبر طرق غير آمنة، بحثاً عن الحرية والكرامة.

الشهادة الرابعة: “كنا نُجبر على العمل الشاق دون مقابل”

في تقرير لمنظمة العفو الدولية، تحدثت مجندة سابقة عن استغلال الفتيات في أعمال شاقة دون أجر:

“كنا نُجبر على العمل في مشاريع بناء الطرق والمباني الحكومية لساعات طويلة تحت الشمس الحارقة، دون أي مقابل. كان يُنظر إلينا كأدوات، لا كبشر.”

تُسلط هذه الشهادة الضوء على كيف يُستخدم التجنيد الإجباري كوسيلة لاستغلال النساء في أعمال قسرية، في انتهاك صارخ لحقوق الإنسان.

تعكس هذه الشهادات واقعاً مريراً تعيشه النساء في إريتريا تحت نظام التجنيد الإجباري، حيث يُجبرن على التخلي عن أحلامهن وحقوقهن الأساسية، ويُعاملن بطرق تنتهك كرامتهن وإنسانيتهن.

النهايه : حين تصير البنات جبهة حرب لا تنتهي

في إريتريا، لا تُحمى النساء… بل يُؤخذن إلى ميادين لا يَسقط فيها العدو، بل يسقط الإنسان.
•تُسحب الفتيات من مقاعد الدراسة إلى معسكرات بعيدة
•يُسكت صوتهن بذريعة “الواجب الوطني”
•تُعاد برمجتهن ليصبحن أدوات طيعة لا تعترض، لا تحلم، لا تتذكر

لكن هل نسمي هذا “تجنيداً”؟
أم ترويضاً مُمنهجاً لجيل كامل؟
هل ما يحدث للفتيات دفاع عن الوطن… أم اغتصاب لروحه؟

لقد أنتجت ساوا جيلاً مرتبكاً، ممزقاً، ينتمي للوطن بالهوية، ويهرب منه بالحقيقة.

والصمت، الذي صار جزءاً من التركيبة الإريترية، لا يعني الرضا… بل القهر.

أسئلة مفتوحة للقارئ:

•و إذا كانت الفتاة تُجند اليوم… فمن تُربي غداً؟
•وإذا صمتنا اليوم… فهل يحق لنا أن نحلم بتغيير غداً ؟
•وأنت، أيها القارئ، ما موقفك حين تكون الضحية امرأة لا تستطيع الصراخ؟

في زمن تُخطف فيه البنات باسم الوطن، يصبح السكوت مشاركة في الجريمة.
وحين تُجبر الأنوثة على حمل البندقية، لا نربح الحرب… بل نخسر الإنسان.

حقوق النشر والحقوق الأدبية محفوظة لصالح شبكة رصد إريتريا الإخبارية.
يحظر التعديل دون إذن خطي مسبق من إدارة الشبكة.
تحتفظ الشبكة بحق اتخاذ الإجراءات القانونية ضد أي انتهاك يعرض العمل للتشويه أو الاستخدام غير المشروع .

المصادر و المراجع

1. Human Rights Watch
• Report on human rights in Eritrea, focusing on forced conscription and associated abuses.
https://www.hrw.org/world-report/2021/country-chapters/eritrea
2. Amnesty International
• Report on human rights violations in Eritrea, including sexual violence against female conscripts.
https://www.amnesty.org/en/countries/africa/eritrea/
3. United Nations Human Rights Committee
• UN report on the human rights situation in Eritrea, including sexual assaults and other violations.
https://www.ohchr.org/en/countries/eritrea
4. United Nations High Commissioner for Human Rights
• Comprehensive report on human rights in Eritrea, highlighting the challenges faced by women in military service.
https://www.ohchr.org/en/countries/eritrea
5. Global Fund for Women – Sexual Violence in Eritrea
• Report focusing on the challenges faced by women in Eritrea, particularly in the military, including sexual violence.
https://www.globalfundforwomen.org
6. Refugees International – Eritrea’s War on Its People
• Report detailing state-perpetrated violations, including sexual violence and forced conscription of women.
https://www.refugeesinternational.org/
7. UN Commission of Inquiry on Human Rights in Eritrea
• Report from the UN Commission of Inquiry on human rights violations in Eritrea.
https://www.ohchr.org/en/press-releases/2019/06/eritrea-human-rights-violations-remain-widespread-says-un-expert
8. U.S. Department of State – Eritrea Human Rights Report
• Annual report from the U.S. Department of State detailing human rights violations in Eritrea, including forced conscription and violence against women.
https://www.state.gov/reports/2020-country-reports-on-human-rights-practices/eritrea/

المصدر
1. Human Rights Watch2. Amnesty International3. United Nations Human Rights Committee4. United Nations High Commissioner for Human Rights5. Global Fund for Women – Sexual Violence in Eritrea6. Refugees International – Eritrea’s War on Its People7. UN Commission of Inquiry on Human Rights in Eritrea8. U.S. Department of State – Eritrea Human Rights Report

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى