سيكولوجية العسكر -1- : حين يتحوّل السلاح إلى عقلٍ، والزيّ إلى هوية

رصد إريتريا | المنفي رقم ٢٤ يكتب
العسكري، في لحظةٍ ما، لا يعود مجرد إنسانٍ يرتدي بزّة.
البزّة نفسها تبدأ في ارتدائه.
في الدول الطبيعية، يكون الجيش أداةً بيد الدولة.
وفي الدول المريضة، تتحوّل الدولة إلى أداةٍ بيد الجيش.
لكن في الأنظمة الشمولية، يحدث ما هو أخطر:
يتحوّل الجيش إلى طريقة تفكير،
إلى منطقٍ شاملٍ يفسّر العالم بالأوامر،
والناس بالرتب،
والوطن بالثكنة.
العقل الذي يتغذّى على الطاعة
العسكر لا يُدرَّبون على التفكير…
بل على إيقاف التفكير عند سماع الأمر.
الطاعة هنا ليست سلوكاً مهنياً مؤقتاً،
بل تُحقن في الوعي حتى تصير فضيلة أخلاقية.
يُكافأ المطيع،
ويُهان المتسائل،
ويُكسر المختلف.
ومع الوقت،
لا يعود العسكري قادراً على التمييز بين
الأمر العسكري
والأمر الأخلاقي.
كل ما يأتي من الأعلى: صحيح.
كل ما يأتي من الأسفل: مشكوك فيه.
وكل ما يأتي من الخارج: عدو.
الخوف كمنهج تفكير
العسكر لا يحكمون بالشجاعة،
بل بالخوف.
الخوف من الفوضى،
الخوف من الشعب،
الخوف من الحرية،
الخوف من الكلمة،
الخوف من السؤال البسيط: لماذا؟
ولهذا،
كل نظامٍ عسكريٍّ يرى في المواطن مشروع تهديد،
وفي الصحفي عميلاً،
وفي المثقف فوضوياً،
وفي المرأة المستقلة خطراً أمنياً،
وفي الطالب الواعي قنبلة مؤجلة.
الخوف ليس عَرَضاً…
إنه عقيدة حكم.
حين تصبح القسوة لغة
العسكر لا يتقنون الحوار.
يتقنون الصراخ،
والعقوبة،
والإذلال العلني.
القسوة، مع الزمن،
لا تعود وسيلة،
بل تتحوّل إلى لغة يومية.
يضرب لأنه لا يعرف كيف يقنع.
يسجن لأنه لا يفهم الاختلاف.
يقتل لأنه عاجز عن الخيال.
الخيال خطر على الأنظمة العسكرية،
لأنه يفتح أبواباً
لا توجد في الخرائط الأمنية.
تقديس الزيّ… واحتقار الإنسان
في سيكولوجية العسكر،
الزيّ أهم من الجسد الذي تحته.
والرتبة أعلى من القيمة الإنسانية.
والأوامر أغلى من الأرواح.
لهذا لا يُرى المعتقل إنساناً،
بل “ملف”.
ولا يُرى المجنّد شاباً،
بل “قوة بشرية”.
ولا يُرى الوطن بيتاً،
بل “منطقة عمليات”.
وهكذا،
يتحوّل البشر إلى أرقام،
والأحلام إلى تهديدات،
والحياة إلى انتظار طويل للإذن.
لماذا يفشل العسكر في بناء الدول؟
لأن الدولة تُبنى بالعقل،
لا بالبندقية.
تُبنى بالتوافق،
لا بالأوامر.
تُبنى بالقانون،
لا بالتعليمات الشفوية.
العسكر قد ينجحون في السيطرة،
لكنهم يفشلون دائماً في الإدارة.
ينجحون في القمع،
ويفشلون في التنمية.
ينجحون في إسكات الناس،
ويفشلون في جعلهم يعيشون.
الخطر الأكبر: عسكرة المجتمع
أسوأ ما يفعله الحكم العسكري
ليس السجن…
ولا القتل…
ولا الفقر…
بل إعادة تشكيل وعي المجتمع على صورته.
حين يبدأ المدني بالدفاع عن القمع.
حين يبرّر المواطن السجن باسم “الأمن”.
حين يخاف الناس من الحرية أكثر من خوفهم من الاستبداد.
هنا نكون أمام أخطر مرحلة:
مرحلة العسكر بدون بزّة،
حين يحمل المجتمع عقل الثكنة
حتى دون وجود الجنود.
انتبه ايها المواطن والمتابع لمشكلة اريتريا
سيكولوجية العسكر لا تصنع أوطاناً،
بل معسكرات كبيرة.
ولا تصنع مواطنين،
بل مجنّدين دائمين في انتظار الأوامر.
والتحرر الحقيقي
لا يبدأ بإسقاط الجنرال،
بل بإسقاط العقلية التي أنجبته.
ما سيأتي لاحقاً ليس تكراراً،
بل تعميقاً للسؤال.
في الأجزاء القادمة من «سيكولوجية العسكر»
نغادر الثكنة العسكرية
لندخل إلى الثكنة الأخطر: تلك التي تُبنى داخل الوعي
هذا النص ليس بياناً،
بل محاولة لفهم ما يحدث حين يتحوّل السلاح إلى وعي.
ما فيه يعكس رأي كاتبه وحده،
ويُكتب على مسؤوليته
