شهداؤهم… وأموالنا: حين تصبح دماء الماضي وقوداً لابتزاز الحاضر – المنفي رقم ٢٤ يكتب ..

في خبر مقتضب صادر عن وزارة العمل والرعاية الاجتماعية في أسمرا، أُعلن هذا الأسبوع أن مواطنين إرتريين في الداخل والمهجر قدّموا تبرعات مالية لدعم ما يُعرف بـ”صندوق شهداء الوطن”. أرقام مرتبة، عملات متعددة، أسماء مدن من السويد إلى أنغولا، وكاهن من لوس أنجلوس يتقدّم لائحة العطاء باسم المحبة، يرافقه شباب جمعية في كندا وشتات من لايدن الهولندية.
قد يبدو الخبر في ظاهره مشهداً من التضامن الوطني. وربما يُقابل في نشرة أخبار رسمية بموسيقى وطنية حزينة وصورة للعلم يرتفع فوق رفاة. لكن لمن يعرف إريتريا، هذا ليس خبراً. بل هو أدق تلخيص لطبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع منذ ثلاثة عقود: علاقة تقوم على الاستنزاف العاطفي والمالي… باسم الشهداء.
“الشهيد” بوصفه مشروعاً اقتصادياًً
منذ سنوات طويلة، لم تعد السلطة في إريتريا تستثمر في شيء بقدر ما تستثمر في رمزية “الشهيد”.
الشهيد الذي مات في الحرب ضد إثيوبيا، أو الشهيد الذي قُتل في معسكرات التدريب أو على حدود السودان، أو ذاك الذي مات مختنقاً في حاوية أثناء خدمته العسكرية المفتوحة.
كلهم يُسحَبون من قبورهم مرة أخرى، ولكن ليس من أجل الإنصاف، بل من أجل التحصيل المالي.
تحت لافتة “صندوق شهداء الوطن”، يُطلَب من الجاليات الإريترية في أوروبا وكندا وأمريكا أن تدفع.
ليس مرة واحدة. بل بشكل دوري.
ليس من باب الإحسان. بل من باب “الواجب الوطني”.
وليس بشكل طوعي دومًا، بل غالباً تحت تهديد صامت: جوازك، عائلتك، مستقبلك الإداري مع الدولة، كلها على المحك إن رفضت الدفع.
جالية تدفع… ودولة لا تفسّر
السويد وحدها، بحسب البيان الأخير، جمعت أكثر من 70,000 كرونة من مدن صغيرة لا يُعرف فيها للإريتريين وزن ديموغرافي كبير. فكم تُجمع من فرانكفورت؟ من جدة؟ من الخرطوم؟ من أستراليا؟
والأهم من هذا كله: أين تذهب هذه الأموال؟
هل هناك تقرير مالي يُنشر سنوياً؟
هل هناك لجنة مستقلة تشرف على التوزيع؟
هل يُعرف عدد أسر الشهداء الحقيقيين، وأين يقيمون؟
هل تشمل هذه الإعانات أسر الجنود الذين قُتلوا في معارك تيغراي الأخيرة؟ أم فقط أولئك الذين ماتوا في معارك النظام “المعترف بها”؟
الجواب واضح. لا يوجد شيء من هذا. فقط صندوق غامض، لا يُسأل ولا يُحاسب. وكأن دماء الشهداء تحوّلت إلى بطاقة ائتمان مفتوحة باسم السلطة.
ابتزاز عاطفي باسم “الوطن”
يُقال لك: “إن لم تدفع، فأنت لا تحترم تضحيات الشهداء”.
لكن من الذي يحدد من هو الشهيد؟
ومن الذي يستفيد من اسمه؟
ومن الذي يستنزف ذاكرته اليوم في نشرات الأخبار الرسمية؟
الذي لا يدفع للجالية، يُصنّف “غير وطني”.
والذي لا يشارك في الفعاليات، يُصنّف “عميل إثيوبي”.
والذي يطالب بالشفافية، يُصنّف “خائن لشهداء الثورة”.
هكذا تتحوّل تبرعات الناس من عمل إنساني إلى طقوس طاعة إجبارية.
كهنة، لاجئون، ومهاجرون يشرعنون العبث
في الخبر ذاته، يظهر اسم قس في لوس أنجلوس وزوجته، يتبرعان باسم المحبة المسيحية.
كأن الدولة تبحث دوماً عن وجوه ناعمة تُغطي بها بشاعة الابتزاز: كاهن هنا، مغترب ناجح هناك، جمعية شبابية في كندا، تجمع ثقافي في هولندا.
لكن ما لا يُقال هو ما يجري خلف الكواليس:
• الضغط على الآباء لإقناع أبنائهم بالدفع
• حرمان المعارضين من الخدمات القنصلية
• تخويف الجالية من عواقب الانخراط في أنشطة “غير مرخصة” إن لم تكن تحت راية الدولة
موت الشهداء لا يمنح الدولة حق المتاجرة بالحياة
الشهيد، في العُرف الإريتري الحقيقي، ليس مجرد اسم على بطاقة.
هو شاب ترك أهله، قاتل من أجل بلد، ومات على أمل أن تقوم دولة تحترم الإنسان.
أما ما يجري اليوم، فهو صورة مشوهة من كل هذا:
دولة فشلت في بناء اقتصاد، فاعتمدت على مديونية الجاليات.
دولة فشلت في توفير الحد الأدنى من الكرامة لمواطنيها، فغطّت فشلها بأناشيد النضال.
دولة لم يعد لها مشروع، فتعيش على جثة “المشروع القديم”: الشهداء.
سؤال مفتوح لمن يدفع
هل سألت نفسك، يا من دفعت 1,000 دولار من كندا أو 5,000 كرونة من السويد:
– من سيستلم هذا المال؟
– هل سيصل فعلًا إلى أم الشهيد في أسمرا؟
– أم سيُضاف إلى ميزانية الأمن القومي، أو يُصرف على مؤتمرات الشتات، أو على حفل استقبال سفير؟
– هل تساهم حقاً في دعم “الوطن”؟
أم فقط في تمويل استمرار السلطة التي قتلت الوطن؟
الذاكرة لا تباع… ولا تُشترى
لا أحد يعارض أن يُكرم الشهداء.
لكن الكرامة ليست بندًا في جدول التحصيل المالي السنوي.
ولا يجب أن تكون ذريعة لتمويل سلطة تمارس القمع والتهجير والفقر.
دم الشهيد ليس وسيلة لجمع العملات الأجنبية.
ولا أداة ضغط على منفي فقد وطنه، ثم يُطلب منه الآن دفع “ضريبة الحنين”.
التاريخ لا يُكتَب بالأناشيد فقط، بل بالأسئلة الصعبة.
وسؤالنا اليوم هو:
هل هذا الصندوق وطني حقاً؟
أم مجرد مشروع استثماري يحمل اسم “الشهداء” لتبرير كل شيء؟
دعهم يجيبون… إن استطاعوا.
المنفي رقم ٢٤
ذلك الذي طُرد من جغرافيا الوطن… لكنه لم يطرد الوطن من ذاكرته.
