قصة قصيرة

عبدالقادر حكيم – تلك الغرفة…

قصة قصيرة ..عبدالقادر حكيم ..نقلاً عن موقع الأنطولوجيا


-” أين حفيدي؟ أ..”
-” انتظري دورك!! ألا تر…”
-” دعها تدخل .. لا نمانع ذلك”.. يقاطعه عمر ود سمرعول، بصوته القوي، وهو يقف على رجل واحدة، بينما يُريح ركبته مقطوعة الساق على عكازه ، لكي يريه أنه من جرحى حرب التحرير، ومن المفترض أنّ لكلامه أهمية.
-” لا أحد فوق القانون! ولا كبير لدينا… هل هذا واضح للجميع؟”.. يقول ذلك بتباهٍ، وهو يختال بين المنتظرين أمام مكتبه المكوّن من غرفتين، الأولى بها منضدة طويلة، خلفها مقعد، خلفه دولاب صغير، أعلاه، صورة الرئيس قمطرير!، داخل إطار له حواشٍ قرمزية باهتة. الثانية تقع في نهاية ممر ضيق، يستخدمها كزنزانة مؤقتة، للمخالفين.. الذين يكثرون من الأسئلة، ويخفون في صدورهم غلاّ وحقداً على الحكومة وممثلها هنا، السيد المحافظ، الذي يجب أن يشفع أسمه متبوعاً بأوصاف الفخامة والسؤدد.
-” تعلّموا أن تصمتوا “..
يقولها بتعالٍ وزهوٍ ظاهرين، ويمشي مشية مصطنعة؛ متمايلاً يمنة ويسرة مع كل خطوة، موزعاً نظراته بين الحشد الواقف أمامه، متحاشياً بقدر المستطاع النظر في عيني جريح الثورة، وهو الوحيد الذي يخشاه هنا..
_” لو يستطيع فقط الزج به في تلك الغرفة!”
“لكن .. أي تهمة يمكن تلفيقها ضده؟.. فالكسيح يبدو خبيثاً؛ إذ لا يترك له أي ثغرة يمكنه النفاذ منها.” يفكّر المحافظ، وتغلي دواخله بالمهانة التي يستشعرها حين ترهّل نظراته، وتبدّدها، إذ تصطدم على صخرة نظرات ذلك الجلمود الأمرد!. خرجت المرأة المسنّة المكلومة، دون أن تنبس ببنت شفة، ووقفت هناك في انتظار دورها، في منتصف الصف الذي كان طويلاً؛ أوّله عند الباب، وآخره عند الخور، الذي كانت رماله البيضاء الناعمة، تعكس حرارة شمس الضحى في الوجوه الواجفة. بعض أولئك المنتظرين، تركوا أغراضهم الشخصية، كحقائب يدوية، أو كيس يحوي القليل من البن والسكر والزنجبيل، أو ما يسدّ الرمق من بضع تمرات جافات، لتؤدّي لهم مهمة الإنتظار نيابة عنهم، يضعونها أمامهم، يطلبون ممن يقف خلفهم أن يحفظوا لهم أماكنهم في الصف، ثم ينسحبون بهدوء، يمضون إلى قضاء ما تبقى لهم من حوائج قليلة في السوق. يتحدّث الجميع هنا همساً، حتى إذا كان محور حديثهم الشكوى من شح الأمطار، وارتفاع درجات الحرارة، وغلاء المهور. المحافظ الغاضب، والذي لا أحد يعرف ما الذي يغضبه، يصعد الدرجات الثلاث التي تقع أسفل باب مكتبه رديء الطلاء، يدخل، يغلق الباب عليه. بعض الذين خلصوا من معاملاتهم، يخرجون من باب آخر، يفتح مباشرة على الممر الضيق، الذي ينتهي عند تلك الغرفة . بعضهم لا يخرج!. من أحد المقاهي القريبة من المكان، يجلب أحدهم، وهو صبيّ صغير، مقعداً بلاستيكياً، يضعه في ظل شجرة السرو، ويشير إلى عمر ود سمر عول بالجلوس عليه، لكنّه يتنازل عنه إلى المرأة المسنّة.
المرأة المسنّة
كان الجميع سعيداً في تلك الليلة قبل عشر سنوات خلت؛ إذ كنا نحتفل بزواج حفيدي الوحيد، ثم في ساعات الفجر الأولى، من اليوم التالي، جاءت إليّ تركض حافيةً مذعورة، عروسه، اقتحمت عليّ كوخي، وهي تصرخ وتولول: ” جدّتي، أخذوا حامد!.. أخذوا حامد.. يا ويلي!.. يا ويلي!!”.. كدتُ أموت من هول الحدث!.. ليتني متّ حينها، لأنّ حزني عليه يقتلني في كل لحظة من لحظات النهار، ويهاجمني طيفه الباسم الوسيم في منامي. جيراننا، في ذلك الفجر المشؤوم، سمعوا وقع أقدام تصعد إلى الجبل، ظنوها لذئاب جاءت لكي تفترس أغنامهم، خرجوا لإنقاذ ما يمكن انقاذه، ولكنهم، أي أولئك الأوغاد من اختطفوا حفيدي، أمروهم بالإبتعاد. بعد يومين اثنين، أُقتيد جيراننا، وكانوا ثلاثة، أب وإبنيه، أدخلوا إلى المحافظ، هنا، في هذا المبنى، في رابعة النهار، ثم لم يرهم أحد بعد ذلك اليوم!. وها أنذا تجدني، رغم سنواتي التسعين، كلما شعرتُ أن رجلاي قادرتين على حملي، أتيتُ إلى هنا أسأل عنه.
ينتصف النهار. معظم من كانوا أنابوا عنهم أغراضهم للاحتفاظ بأماكنهم في الصف الطويل المتعرج، كأفعى تتلوى على الرمل، عادوا لاستعادتها، ثم رجعوا إلى قراهم البعيدة بخفّي حنين. الخرّيج الجامعي، الذي لا يكفّ عن القدوم إلى هنا، وإلى مكاتب أخرى في البلدة، حاملاً مستنداته في ملف، تمزقت أطرافه وبهت لونه، كان من العناد بحيث أنه رفض المغادرة مع رفاقه، الذين صحبوه إلى هنا؛ كانوا منذ قليل يتحدثون همساً، وغمزاً، واصفين إياه بالرومانسي الأخير.
الرومانسي الأخير
لم يكن في أقسى توقعاتي، وأشدّها لعنةً، أن تُرفض شهاداتي، لعدم استيفائها شروط الوظائف المعلن عنها، بالرغم من تخرجي في جامعة الخرطوم، تخصص علوم الحاسوب، بحجّة أنّ دراستي لم تكن باللغة الإنجليزية، بل ب ( غوانغا عرب)(1)
-“لكنّي أتحدّث الإنجليزية بطلاقة!”..
أقولُ بحنق. ثمّ أمدّ يدي في توتّر إلى الملف الذي يحوي شهاداتي، والذي كان ألقى عليه نظرة سريعة خاطفة، ثم وضعه على المنضدة أمامه..
-” إنظر! لدي شهادات معتمدة هنا! (توفل) و(إيلتس) و(تويك)و…”
الموظف كما لو أنه لم يسمعني، بدأ بتحرير خطاب إلى وزارة التعليم، ثمّ مدّ به نحوي بعد أن أودعه ظرفاً كبيراً.. وكمن يسدي إليّ معروفاً قال بإنجليزية مكسّرة:
-” ستعمل مدرّساً للغة العربية”
لكنّي حطّمتُ صلفه المتواري خلف تلك الإبتسامة، وهو يمد لي الظرف، بأن قمتُ بتكوير الخطاب بكلتا يداي، ثم قذفتُ به نحو سلة مهملات كانت خلفه ملاصقة للجدار. وبينما كنتُ في طريقي إلى الباب للخروج، فاق هو من حالة الذهول التي اعترته، وأخذ يصيح، و لدهشتي بلغة عربية لا تشوبها شائبة!!، كان منذ قليل أنكرَ معرفته بها!!
غادرتُ العاصمة قبل الشروق؛ رجعتُ إلى (حلحل)(2)… كنتُ كنهرٍ يؤوب خائباً إلى منبعه، وكنتُ قد قررتُ مغادرة البلاد إلى الأبد، حتى رأيتها، تقف هناك في الشمس، على خاصرة السوق، من جهة (تَرَخْبي)(3).. فخفق قلبي خفقته الأولى، قلتُ: ” هاهي ذي أُنثايَ”!.. ونسيت كل خيباتي السابقة… في مشيتِها بين سحابتين اثنتين، كما لو أنّ بها عرجٌ خفيفٌ.. يا لهويناها! (4).. في نظرتها الموغلة في الحنان، مدًى شاسعاً أخضراً.. تركض فيه صغار العجول. في ضحكتها – يا لضحكتها!- قرار جيتارٍ جهيرٍ، لجواب ناي قديم؛ حاورت الأحزان صعوده إلى غابةٍ من ضياء اللحون. في حديثها، همس الفراشات في آذان بتلات الزهر، في نهار ضالعٍ في الأفول. قلتُ لها: ” أنا رجلك”.. وقالت لي: ” أنا لك”. ثم جلسنا نخطط سويا؛ ولهذا أنا أتردد كل صباح إلى هذا المكتب، آملاً في أن أظفر بتصريح لمدرسة خاصة لتعليم الحاسوب، أزمع إنشائها.
جاء إلى المكان شرطيان يحملان عصى غليظة، مدببة الأطراف، وللتو شرعا في تنظيم صف الإنتظار؛ قاما بتقسيمه إلى صفين، أحدهما للنساء، والآخر للرجال. أحد الشرطيين جلب مقعداً، وأشار إلى عمر ود سمرعول بالجلوس، بعد أن مازحه قليلاً، في اللحظة التي خرج فيها المحافظ من مكتبه، فرأى المشهد، ونظر شذراً إلى الشرطي المسكين، ثم شرع بالتجوّل بين الصفين، وكان قد نسي مشيته المصطنعة، التي حاول استعادتها دون جدوى.
عمر ود سمرعول
أعلم، أنّه لا يطيق رؤيتي، لأنّي أذكره بجبنه، وخسته!… إذ في زمانٍ ومكان بعيدين، حين كنتُ أمشي على رجليّ؛ كنا فصيلة من الثوار، متجهين من (بريمو كنتري)(5) إلى موقع قريب من (تُكُمبيا)(6)، وقعنا في كمين محكم؛ ومع أول رصاصة اخترقت صمت ذلك الليل، ومزّقت تماسكه، هرب الجبان!؛ ولهذا السبب هو يتحيّن الفرص للإيقاع بي، كي يلقي بي في غياهب تلك الغرفة. وبالرغم من أنّ جميع المستندات المطلوبة لحصولي على طلبي المتمثّل في تركيب ساق صناعية، موجودة عندي هنا، في هذا الملف، ألا أنّ هذا الكلب يضع العراقيل أمامي، في كل مرة، آتي فيها إلى هنا.
خرج المحافظ. وقف على عتبة باب مكتبه، كمن سيلقي خطبة عصماء، وضع يده مفرودة على جبينه، كي يتقي أشعة شمس الأصيل، طالع الجمع الغفير من المنتظرين، أمامه؛ كانت مجموعة جديدة قد لحقت به، بعضهم جاؤوا ببطانياتهم، للمبيت قريباً من المكان، كي يحظوا بفرصة الوقوف على الصفوف الأولى في الصباح التالي. أخذ يتنزّى كسلحفاة هرمة، على طول المصطبة الملاصقة للمكتب، ينزّ عنه العرق رغم هبوب النسائم المشبعة برائحة المطر،. وفجأة، يقف، ويؤزّ:
-” كل من جاء إلى هنا، ليسأل عن مفقود له، فليذهب إلى الشرطة!.. تدّعون أنّ رجالاً قاموا باختطافهم.. أنتم واهمون”.
تنهض المرأة المسنّة عن المقعد، بصعوبة تنهض؛ تتدثّر بثوبها كيفما اتفق، تشدّ تعويذتها الجلدية أعلى زندها.. خائرة تتحرّك إلى مساء خؤون، وشوارع بلا ضفاف. الفتية الذين كانوا، فيما مضى يتسابقون كي يحملوا عنها مخلاتها، ما عادوا يجرؤون على الاقتراب من هذا المكان، وتلك الغرفة. تفتل طرف ثوبها، وتربط عظام وسطها، استعداداً لرحلة الإياب، عبر منعرجات قاحلة، إلى (إيلوس).


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى