في حضرة الطاغية… حين يتكلم أسياس، تخرس الحقيقة

المنفي رقم ٢٤ يكتب
كان الوقت في منتصف النهار .
كهرباء أسمرا مقطوعة كعادتها.
سكانها هناك في المدرجات .
وسط الأهازيج الوطنية التي يستخدمها النظام لتخدير الوعي، تُنسى أمانة الشهداء الذين قاتلوا من أجل تحرير الشعب، لا ليتحوّل الوطن إلى مزرعة يحكمها الطاغية وجلادوه من الجنرالات.… جاء صوته.
صوت الديكتاتور الذي لا يكبر.
الرجل الذي لم يعطه الناس السلطة، لكنه لم يعد يسألهم إن كانوا يريدونه.
الرئيس الذي لا يخاطب شعبه، بل ينظر إليهم من أعلى، كما ينظر الراعي إلى قطيع يعرف أنه لن يهرب… لأن السياج من حديد، والخوف من نار.
عيد الاستقلال؟
كلا.
هذا ليس خطاباً لوطن يحتفل.
بل مونولوج طويل لرجل لا يسمع أحداً سواه.
جلست أتابع الخطاب كما أفعل كل عام. لا لأنني أرغب، بل لأنك في المنفى تتعلم أن تراقب عدوك كما يراقبك.
الرجل لا يخيب الظن:
ذكر إثيوبيا.
كالعادة.
إثيوبيا… الشماعة الأزلية
قال إن إثيوبيا ليست دولة، بل منصة.
قال إن الغرب استخدمها، ثم جاء الشرق واستخدمها أيضاً.
ثمانون عاماً من التوظيف الجيوسياسي، وكأن إثيوبيا مجرد دمية على حبل طويل، يتناوب الكبار على سحبها.
لكن ما لم يقله، أن إريتريا اليوم هي الدمية التي لا يراها أحد، لأنها تتخفّى خلف صوته العالي، ونظرياته المتحجرة.
ثم انقضّ على الفيدرالية الإثنية.
كأن الرجل اكتشف فجأة أن إثيوبيا تتفكك، ونسي أن بلده منذ الاستقلال لم يُسمح فيه حتى بتشكيل حزب واحد مستقل.
قال إن العرق دمّر إثيوبيا.
لكن من دمّر إريتريا؟
من اختزل الوطن في فصيلة دم واحدة؟
من جعل الهوية تُختصر في كلمة: الطاعة؟
ثم جاء الجزء الأخطر:
“الوكيل الجديد” في إثيوبيا.
لم يسمّه، لكنه وصفه بدقة:
هو من أشعل قضية المياه.
هو من يحاول فتح الأبواب نحو البحر الأحمر.
هو من يؤجج العداء القومي بين الكوشيين والساميين.
وهو من يعتقد أن الأرض تُشترى، وأن السياسة تُستأجر.
أوروميا، النيل، والميناء… لعبة جديدة أم فخ قديم؟
كلام أسياس كان واضحاً، لكنه مغمّس بالتحذير:
البحر الأحمر ليس للبيع.
وإذا كان هناك من يفكر أن يصل إليه، فليعرف أن إريتريا لا تنام.
كان يتحدث وكأن الموانئ تحمل اسمه، وكأن الوطن وديعة خاصة لا يحق لأحد التفكير فيها دون إذنه.
هل يترك العفر ؟
تكلم عن العفر.
قال إنهم يُستخدمون كمنصة إقليمية، وإن أرضهم صارت ساحة لعُملاء الخارج.
لم ينسَ أن يُظهر التعاطف… لكنه تعاطف الرجل الذي يرى في العفر معبراً إلى العمق الإثيوبي، لا شعباً له تاريخ وله وجع.
ثم… المال.
قال إن إثيوبيا تشتري الذمم، وتغرق في صفقات السلاح والتكنولوجيا.
قال إن الدولة تُدار من تحت الطاولة.
ضحكت.
هو، الذي جعل من الخدمة الوطنية سجناً مفتوحاً.
هو، الذي يُسيّر البلاد عبر شبكة من الجنرالات والتقارير الأمنية.
هو، الذي لا يعرف الناس حتى كم يُصرف على الجيش أو من يتحكم في الذهب.
من يتحدث عن الفساد؟
الذي بنى الفساد فوق صدورنا؟
وفي النهاية…
رفع رأسه وقال:
“إريتريا لا تندم على ما قدمته لإثيوبيا.”
كأنّه يتحدّث عن منّة.
عن صدقة سياسية.
عن خدمة جليلة لا يقدّرها أحد.
نسي أن إثيوبيا، رغم كل فوضاها، ما زالت تحاول أن تنقذ نفسها.
أما إريتريا، فنحن نُقاد من فشل إلى فشل، ومن صمت إلى قبر، ومن حلم إلى منفى.
صمت الخطاب.
وعاد الليل إلى أسمرا.
لا شيء تغيّر.
ما زالت المدارس بلا و بلا وبلا ؟ ،
والموانئ بلا حركة،
والجنود بلا رواتب حقيقية ،
والسجون ممتلئة بأسماء نسينا أن ننطقها.
في ذكرى الاستقلال، لم يقل كلمة واحدة عن الحرية.
لم يذكر المعتقلين.
لم يعتذر.
لم يتردد.
لأنه لا يرى شيئاً خطأ… في كل ما فعله.
لكنه نسي أن هناك من لا يزال يكتب.
من لا يزال يسمع.
من لا يزال يتذكّر.
نحن… المنفيين، لا نحمل السلاح،
لكننا نحمل القصة.
والقصة أحياناً أقوى من الدبابة.
المنفي رقم ٢٤
الصوت الذي لم يخرس بعد.
