منفيّون بالقمصان الوطنية: منتخب لا يعود

رصد إريتريا | المنفي رقم ٢٤ يكتب …

لم يكن الهدف الثاني في شباك إسواتيني مجرد كرةٍ عابرةٍ سكنت الشباك، ولا لحظة احتفال عادية في مباراةٍ عادت بها إريتريا إلى واجهة المنافسات بعد سنوات من الغياب.
كان، في مكانٍ ما، إشارة لا تُرى على الشاشات، ولا تُعاد في لقطات الإعادة، لكنها تُفهم جيداً خارج الملعب… إشارة بدء للهروب.

بين لحظة رفع الأيدي فرحاً، ولحظة الاختفاء، مسافة زمنية قصيرة جدًا، لكنها تختصر قصة طويلة قصة بلدٍ لا يهرب منه الناس عبر الحدود فقط، بل حتى عبر الملاعب.

في أبريل 2026، وبعد مشاركة نادرة في تصفيات كأس أمم أفريقيا، اختفى سبعة لاعبين من بعثة المنتخب الإريتري في جنوب أفريقيا ورفضوا العودة إلى البلاد، بحسب تقارير إعلامية متطابقة وإشارة رصد إريتريا في تقارير سابقة.

لم تكن تلك الحادثة صدمة، ولم تُقرأ داخل السياق الإريتري بوصفها استثناءً، بل باعتبارها استمراراً لنمطٍ بات مألوفاً حدّ الألم.

منذ عام 2006، تتكرر الحكاية بتفاصيل مختلفة ونهاية واحدة: لاعبون يسافرون… ثم لا يعودون.
في 2012، اختفى 17 لاعباً دفعة واحدة في أوغندا.
وفي 2015، طلب 10 لاعبين اللجوء في بوتسوانا.
وفي حالات أخرى، بدا وكأن المنتخب نفسه يتفكك خارج البلاد، لا بسبب الهزيمة، بل بسبب قرار فردي اتخذه كل لاعب على حدة: ألا يعود.

السؤال لم يعد: لماذا يهرب اللاعبون؟
بل: كم عدد الذين سيعودون هذه المرة؟

في هذا السياق، لا يمكن فصل كرة القدم عن البيئة التي تُلعب فيها. اللاعب لا يدخل الملعب بوصفه رياضياً فقط، بل يحمل معه منظومة كاملة من القيود: خدمة وطنية مفتوحة بلا سقف زمني، غياب شبه كامل للحريات، رقابة مشددة على الحركة والسفر، ودولة لا تفسر بقدر ما تأمر.

تتحدث شهادات لاعبين إريتريين سابقين، نُشرت في وسائل إعلام دولية، عن واقع مختلف عمّا يظهر في الصور الرسمية.
بعضهم أشار إلى أنهم كانوا تحت مراقبة مستمرة خلال الرحلات، وأن جوازات سفرهم لم تكن بحوزتهم.
في مثل هذه الظروف، لا يعود السفر للمشاركة في بطولة فرصة رياضية فقط، بل يتحول إلى نافذة نادرة للخروج من واقعٍ مغلق.

حتى في اختيار اللاعبين، لا تكون الموهبة دائمًا العامل الحاسم.
في بيئة كهذه، تصبح الثقة بمعناها السياسي والأمني معياراً موازياً، وأحياناً متقدماً.

بعض اللاعبين يتم اختيارهم لأنهم موثوقون، وآخرون لأن احتمالية هروبهم أقل، فيما تُفرض رقابة لصيقة على تحركاتهم خلال السفر.

كرة القدم هنا، لا تُدار فقط بعقلية رياضية،
بل بمنطق السيطرة.

ومع تكرار هذه الوقائع، لم يعد الخوف من الهروب مجرد احتمال، بل أصبح عاملاً مؤثراً في قرارات أكبر.
انسحبت إريتريا من تصفيات كأس العالم 2026 وسط مخاوف متكررة من هروب اللاعبين أثناء المشاركات الخارجية، وفق ما أوردته تقارير إعلامية وتحليلات رياضية.

لم تعد المشكلة: هل يستطيع المنتخب المنافسة؟
بل: هل يمكن ضمان عودته؟

عودة اللاعبين المحليين!!

في بقية العالم، يحلم اللاعب بالانتقال إلى نادٍ أوروبي، بعقد احترافي، بمسيرة تصاعدية.
أما هنا، فقد يكون الحلم أبسط بكثير… وأثقل في الوقت نفسه: ألا يعود.

وعندما نربط الرياضة بمجمل الواقع القاتم للبلاد، يثور البعض قائلاً إنكم تحرموننا طعم الفرح.
لكن أين يكون الفرح، عندما يفكر اللاعبون بخطط للهروب بدلاً من التفكير في الإنجاز؟
الهروب من جحيم يلتهم مواهبهم قبل أن تنضج.

ومن جديد، يُتوقع أن تعود المنتخبات الإريترية إلى دائرة الحرمان من المشاركات الدولية،
وحينها، حتى الفرح البسيط سيصبح طعمه حنظلاً.

الهروب، في هذا السياق، لا يُفهم بوصفه خيانة، بل باعتباره قرار نجاة.
بعض هؤلاء اللاعبين نجحوا لاحقاً في الوصول إلى أوروبا أو أستراليا، بعضهم واصل مسيرته الكروية، وآخرون دخلوا في مسارات اللجوء الطويلة، لكن القاسم المشترك بينهم جميعًا أن المباراة لم تكن النهاية، بل كانت البداية.

ما يحدث لا يمكن اختزاله في إطار رياضي ضيق.
هذه قصة تتقاطع فيها كرة القدم مع الحقوق الأساسية: حرية التنقل، حق الفرد في اختيار مستقبله، وضمان عدم تعرضه للعقاب بسبب قراراته الشخصية.

حين يخشى اللاعب من العودة إلى بلده،
فإن الخلل لا يكون في الاتحاد، ولا في المدرب، ولا في الخطة،
بل في البيئة التي تحيط بكل ذلك.

ولهذا، تبدو أي محاولة للحديث عن تطوير الكرة الإريترية بمعزل عن هذا الواقع ناقصة.
المشكلة ليست في المدرب، ولا في التكتيك، ولا حتى في الإمكانيات.
المشكلة أعمق من ذلك بكثير.

لا يمكن بناء منتخب مستقر داخل دولة يعيش أبناؤها حالة عدم استقرار دائمة.
وطالما ظل الخروج حلماً، والبقاء عبئاً، والعودة مخاطرة،
فإن كرة القدم ستبقى مشروعاً مؤجلاً في بلدٍ يفرّ منه لاعبوه.

هنا، نحن لا نحتاج إلى الكثير من البلاغة:
ليس من الغريب أن يهرب اللاعب،
بل من اللافت أن يبقى.

وليس من الصادم أن يختفي سبعة،
بل من المدهش أن يعود أحدهم طوعاً.

في إريتريا،
المنتخب لا يمثل الوطن فقط،
بل يمثل أحياناً آخر فرصة لمغادرته.

وعندما تُطلق صافرة النهاية،
لا ينتهي اللقاء…
بل تبدأ الرحلة.

تستند هذه الماده إلى وقائع موثقة وتقارير منشورة من منظمات دولية ووسائل إعلام، من بينها:
Human Rights Watch، Amnesty International، BBC، DW، بالإضافة إلى شهادات لاعبين إريتريين سابقين وتقارير رياضية متخصصة تناولت ظاهرة هروب لاعبي المنتخب خلال المشاركات الخارجية.
بامكان القارئ العوده لها .

Exit mobile version