من أين جاء أسياس أفورقي؟ أسطورة الزعيم… أم خدعة التيغراي؟

لم يكن أسياس أفورقي يوماً ابناً لتلك الأرض كما أراد أن يبدو.
لم يكن الفتى القادم من أسمرة، الذي أقنع جيلاً كاملاً بأنه نبتٌ من تربة إريتريا، إلا امتداداً خفياً لجذورٍ ضاربة في الضباب… جذورٌ خجل التاريخ من توثيقها، أو طُمست عمداً.
من هو أسياس؟ ولماذا لا نعرف عنه شيئًا؟
في كل دول العالم تقريباً، عندما يخرج زعيمٌ على الناس، تجد له أرشيفًا: صورًا طفولية، شهادة ميلاد واضحة، اسماً لأبيه وجدّه، وقبراً معروفاً لأجداده.
إلا في حالة واحدة: أسياس أفورقي.
اسأل أيّ إريتري اليوم:
– من هو جد أسياس؟
– أين مدفون جده لأبيه؟
لن يجيب أحد. لا أحد يعرف.
ليس لأن الإجابة صعبة، بل لأنها محرّمة.
قُرى التيغراي تهمس: «كان هنا»
الروايات القادمة من داخل إقليم تيغراي شمال إثيوبيا، تقول إن أسياس وُلد لأبٍ إثيوبي اسمه “أفورقي” من قرية “تمبين” التابعة للتيغراي.
جدّه ينتمي لقبائل آبّا نوح، وهي عشيرة معروفة بولائها التاريخي للنظام الملكي الإثيوبي وفي رواية اخرى تابع لاحد الاسر الملكيه .
والدته، بحسب روايات أخرى، تنتمي لإقليم اكلوغزاي ، وهي منطقة إريترية .
لكن هذا المزيج، وهذه القصة، لم تُوثّق قط في أي سجل رسمي إريتري.
لا شهادة ميلاد، لا نسب، لا أصل.
لماذا طُمست أصوله؟
حين تأسست “الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا”، لم يكن لأسياس موقع قيادي في البداية.
كان مجرد عضو متحمس، يتحدث لغة التيغراي بطلاقة، ويملك عقلية حربية حادة.
لكن عندما بدأت الصراعات الداخلية تفتك بالجبهات، قفز أسياس على كرسي القيادة، مدعوماً بجهاز غامض من العلاقات داخل تيغراي وأديس أبابا.
بعض التقارير الغربية خصوصًا الإيطالية تتحدث عن دعم استخباراتي إثيوبي له أثناء انقسام الجبهة في السبعينيات، باعتباره “الرجل الأنسب لضبط الثورة الإريترية من الداخل”.
حاشيته: تيغراي الهوى والدم
لو أردت أن تعرف هوية أي حاكم… فأنظر إلى من يحيط به.
– يماني قبرآب (مونكي اي القرد ): مستشار الظل، وعقل النظام، من أصول تيغراوية صريحة.
– فليبوس وولدي يوهانس: جنرال الجيش، تاريخه العسكري مرتبط بأديس أبابا أكثر من ارتباطه بأسمرة.
– حقوص كيشا: شخصية أمنية اقتصادية نافذة، تربطه صلات عائلية مع مسؤولين إثيوبيين قدامى.
– أبرهام إسحاق ويماني قبرمسقل: من دائرة أبناء اللاشيء… لا جذور واضحة، ولا تاريخ محلي، بل ولاء أعمى للرجل الذي صنعهم.
كلهم أو معظمهم يتحدثون التيغرينية بنكهة إثيوبية ثقيلة.
وجميعهم لا يمتلكون جذوراً عائلية واضحة داخل القرى الإريترية التي نعرفها.
لماذا يصمت الشعب؟
السؤال المؤلم هنا: لماذا يصمت الإريتريون؟
ولماذا لا يُسائلون هذا الرجل عن أصله، عن تاريخه، عن نسبه؟
الإجابة مريرة:
1. الجيل القديم مات أو سُجن: معظم من يعرفون الحقيقة إمّا قضوا في معتقلات “عير عيرو ”، أو ماتوا في المنفى.
2. الجيل الجديد تمت برمجته: وُلدوا على أسطورة “نحن”، على أن أسياس هو بطل التحرير، ولا يجوز التشكيك فيه.
3. الخوف: مجرد طرح سؤال عن أصل الرئيس قد يكلّفك حياتك أو حريتك أو مستقبلك.
وماذا عن المسلمين في نظامه؟
هنا تُصبح القصة أكثر غرابة.
كيف لمسلمٍ يعرف أن النظام قمعي، وأن مساجد إريتريا صارت مراقبة، وأن العلماء في السجون، أن ينضم طوعاً إلى هذا النظام؟
الجواب عند اثنين:
– الطمع: من أراد منصباً أو سفارة أو حظوة، باع دينه مقابل الولاء.
– الخوف: من لم يوالِ، تم تهميشه أو نفيه أو محاصرته في رزقه.
لماذا كل هذا التضليل؟
لأن كشف أصل أسياس يعني نسف شرعيته من الأساس.
يعني أنه ليس ابن الثورة، ولا ابن الأرض، ولا حتى ابن الشعب.
يعني أن إرتريا اختُطفت من الداخل، وأن رجلاً من خارجها يتزعمها منذ ٣٠ عاماً ، لا يعرف الناس من أين جاء، ولا إلى أين سيأخذهم.
المصادر
1. Martin Plaut – Eritrea: A Nation Hijacked (African Arguments)
2. Dan Connell – Conversations with Eritrean Political Prisoners
3. The Italian Colonial Archives – Eritrea 1940-1970, Rome
4. Testimonies from former EPLF members in exile – 2001–2010 interviews
5. Tigrinya oral accounts – diaspora forums & Tegaru heritage records



