رصد أرتريا | الكاتب : إبراهيم قارو
وُقِّع اتفاق الجزائر في ديسمبر 2000 بوصفه تسوية قانونية نهائية أنهت الحرب بين إرتريا وإثيوبيا (1998–2000) ونقلت النزاع الحدودي من منطق القوة والوقائع المفروضة إلى مرجعية القانون الدولي وآلياته الملزمة.
وقد نصّ الاتفاق صراحةً في مادته الرابعة على إنشاء لجنة حدود مستقلة وملزمة يكون قرارها نهائياً وغير قابل للاستئناف أو المراجعة. وبموجب التفويض الممنوح لها عبر محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي أصدرت لجنة الحدود في 13 أبريل 2002 قرارها النهائي القائم على مبدأ احترام الحدود الموروثة عن الحقبة الاستعمارية مؤكدة السيادة الإرترية الكاملة على الأراضي المتنازع عليها.
وقد حظي هذا القرار باعتراف دولي واسع من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدد من الفاعلين الدوليين الرئيسيين باعتباره حكماً نهائياً وملزماً لا يقبل التأويل الانتقائي.
واستُكمل الإطار القانوني للاتفاق بعمل لجنة المطالبات وببيان لاحق عام 2007 شدد على أن النقاط الحدودية التي جرى تحديدها نهائية وواجبة التنفيذ ما يجعل اتفاق الجزائر مرجعية قانونية وسيادية مكتملة الأركان لا مجرد تفاهم سياسي ظرفي قابل لإعادة التفاوض.
وبعد خمسة وعشرين عاماً لم يعد التحدي في اتفاق الجزائر قائماً على غياب المرجعيات القانونية. فالنصوص واضحة واللجان المعنية حددت الحدود نهائياً وإنما في قدرة الأطراف الإقليمية والقارية على توظيف هذه الشرعية القانونية لتحويلها إلى أداة فعلية تفرض الالتزام وتردع الطموحات الأحادية. القانون هنا ليس مجرد مادة للنقاش بل هو اختبار حقيقي لقدرة النظام السياسي والإقليمي على احترام الحدود المقررة دولياً وإما أن يُمارس كإطار ملزم يفرض السلوك ويمنح الشرعية قوة ردعية أو يُفرَّغ تدريجياً من مضمونه عبر خطاب سياسي مراوغ يفصل بين النص وروحه ما يحوّل الالتزام القانوني إلى مرجع نظري بلا أثر عملي ويجعل الرصيد القانوني الصلب عرضة للتجاوز مع أي تغير في موازين القوة الإقليمية.
لماذا الآن؟ لحظة التوقيت وانكشاف الإقليم
تصاعد الخطاب الإثيوبي الراهن حول «الحق التاريخي» و«الوصول إلى البحر» يرتبط بسياق إقليمي شديد السيولة يشهد تحولات حقيقية في موازين القوة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر حيث تراجع الضوابط التقليدية التي كانت تحد من النزعات التوسعية وتفرض الانضباط السياسي على الفاعلين الإقليميين.
داخلياً تواجه إثيوبيا أزمة مركبة تشمل إرهاق ما بعد الحروب وتصدع التماسك الفيدرالي وتآكل السردية التي كانت تقدم الدولة بوصفها صاعدة قادرة على الجمع بين الاستقرار والنفوذ الإقليمي وهو ما يدفع النخب الحاكمة إلى إعادة إنتاج شرعيتها عبر تحويل الانتباه نحو الخارج واستثمار القضايا الإقليمية كأدوات تعبئة سياسية لإعادة تماسك الإجماع الداخلي.
وقد لعبت الحرب السودانية دوراً مسرّعاً في هذا السياق إذ أدى خروج السودان من معادلة الضبط على ساحل البحر الأحمر إلى خلق فراغ جيوسياسي واسع حوله وتحويل البحر من ممر تجاري إلى ساحة تنافس نفوذ مفتوحة وفي ظل هذا الفراغ تصبح إعادة طرح ملفات حُسمت قانونياً منذ ربع قرن اختباراً لقدرة النظام الإقليمي على فرض القانون والالتزام بالاتفاقيات الدولية حيث تتعرض الحدود القانونية لمغريات القوى الإقليمية لتحويلها إلى أداة نفوذ عملي ويُصبح أي تأخير أو غياب لرد حازم إشارة على قابلية الاتفاقيات النهائية للتمييذ وإعادة تعريف النزاعات المغلقة بما يخدم مصالح من يتحكم بمفاصل القرار الإقليمي.
الاتحاد الأفريقي: حياد زائف أم تواطؤ موضوعي؟
في هذا السياق لم يكن بيان مفوضية الاتحاد الأفريقي في ذكرى اتفاق الجزائر مجرد نص دبلوماسي فاتر بل عكس خضوعاً مقلقاً لاعتبارات دولة المقر أكثر مما عبّر عن التزام صريح بالمرجعيات القانونية للاتفاق. فبدلاً من التأكيد الواضح على إلزامية قرارات لجنة الحدود وعدم شرعية إعادة فتح ملف أُغلق قانونياً لجأ البيان إلى مفردات عامة مثل «حسن الجوار» و«خفض التوتر». خطورة هذا الموقف لا تكمن في الغموض وحده بل في ما يمكن توصيفه بـ«التواطؤ الموضوعي» حيث يُساوي الخطاب القاري عملياً بين طرف يتمسك بقرارات دولية نهائية وملزمة وطرف يسعى علناً إلى إعادة تعريف نزاع حُسم بموجب القانون الدولي. هذه المساواة لا تُنتج حياداً بل تُضعف المرجعية القانونية نفسها وتفتح الباب أمام سابقة خطيرة في قارة قامت حدود دولها الحديثة على مبدأ عدم المساس بخرائط ما بعد الاستعمار.
المفارقة الدولية وانكشاف الموقف القاري.
يتضح هذا الارتباك الأفريقي أكثر عند مقارنته بالمواقف الدولية المتزامنة. فقد أعادت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وكندا والمملكة المتحدة واليابان وتركيا التأكيد في بيانات متزامنة مع الذكرى الخامسة والعشرين للاتفاق على مركزية اتفاق الجزائر بوصفه الإطار الحاكم للسلام وترسيم الحدود وربطت صراحةً بين استقرار القرن الأفريقي والبحر الأحمر وبين احترام مبدأ السيادة وسلامة الأراضي. هذا التلاقي الدولي رغم تباين المصالح والخلفيات يعكس إدراكاً مشتركاً لمخاطر فتح الباب أمام مغامرات جيوسياسية في البحر الأحمر ويضع الاتحاد الأفريقي في موقع الطرف الأضعف قانونياً والأكثر ارتباكاً سياسياً بل والأسير عملياً لحسابات دولة المقر على حساب ميثاقه ومعاييره المعلنة.
الحقوق والسيادة: فجوة الشرعية المزدوجة.
تزامن بيان الاتحاد الأفريقي مع إعلان الأمم المتحدة عن إفراجات محدودة عن معتقلين في إرتريا يسلط الضوء على التناقض بين الالتزام الدولي بالقانون وواقع الممارسة المحلية، فرغم وصف الأمم المتحدة لهذه الإفراجات بأنها «إشارة إيجابية»، أكدت أنها غير كافية، موضحة استمرار وجود نحو عشرة آلاف معتقل ومغيب قسرياً خارج أي إطار قانوني. وفي هذا الإطار يتقاطع المسار الحقوقي مع المسار السيادي بصورة مباشرة حيث تصبح شرعية الدولة التي تطالب باحترام سيادتها وحدودها الدولية مرهونة بمدى التزامها بالقانون داخل حدودها. تجاهل هذا البعد الداخلي لا يقتصر أثره على تقويض الموقف الأخلاقي فحسب بل يخلق ثغرة سياسية يمكن أن تُستغل من الفاعلين الإقليميين كأداة مضادة للابتزاز الجيوسياسي إذ يظهر النظام أمام العالم ملتزماً بالقانون دولياً لكنه متهاون داخلياً ما يضعف مصداقيته ويفتح المجال أمام إعادة تعريف النزاعات والضغوط الإقليمية تحت غطاء ضعف الشرعية المتكاملة.
صمت أسمرا وإهدار الرصيد القانوني
اختيار النظام الإرتري الصمت أمام إجماع دولي نادر كان يمكن تحويله إلى أداة نفوذ دبلوماسي فعال يعكس عدم قدرة حقيقية على تحويل الشرعية القانونية إلى قوة سياسية. الصمت هنا ليس موقفاً محسوباً بل هو تعبير عن عجز مؤسسي واستراتيجية قصيرة النظر تقوم على المماطلة والتسويف بدلاً من اتخاذ قرارات حاسمة تواجه التهديدات الإقليمية.
هذا الفراغ السياسي يترك الحدود القانونية المكفولة باتفاق الجزائر بلا حماية عملية ويمنح الأطراف المنافسة حرية اختبار قوة الاتفاق واستغلال أي ضعف في التطبيق لفرض وقائع جديدة بالقوة أو الابتزاز السياسي ما يحوّل الرصيد القانوني الصلب إلى أداة عاجزة بلا قدرة على ردع الانتهاكات ولا على حماية السيادة الوطنية.
سيناريوهات المستقبل: بين التعطيل والتآكل والانكشاف
إذا استمر الصمت الإرتري على هذا النحو فإن أولى النتائج ستكون تحويل اتفاق الجزائر من إطار قانوني ملزم إلى مرجعية شكلية غير فاعلة تُستشهد به في البيانات الدولية دون أن يترجم إلى أدوات ضغط أو قوة ردعية ما يتيح للخطاب الإثيوبي اختبار الحدود الرمزية دون دفع أي ثمن عملي ويؤدي تدريجياً إلى تآكل القدرة الردعية للقانون الدولي ويحوّل التزام الدولة بالقانون إلى رمز بلا تأثير على الواقع السياسي والجغرافي.
أما السيناريو الثاني والأكثر خطورة فيرتبط بتمييعه الفعلي عبر قبول ضمني من الأطراف القارية والدولية بإعادة تعريف النزاع كملف مفتوح قابل للتفاوض مما يحوّل الاتفاقية من سابقة قانونية ملزمة إلى ورقة عرضة للإعادة والمساومة ويطرح سابقة خطيرة تمتد آثارها إلى جميع النزاعات الحدودية الأفريقية فتحول مبدأ عدم المساس بحدود ما بعد الاستعمار إلى قاعدة قابلة للإلغاء وفق مزاج القوى الإقليمية وموازين القوة المتغيرة.
في المقابل يبقى السيناريو الثالث ممكناً لكنه مشروط بإرادة سياسية واضحة تقوم على تفعيل الشرعية القانونية كأداة نفوذ عملي ويستلزم كسر الصمت الإرتري عبر دبلوماسية قانونية حازمة وربط ملف السيادة بملفات الأمن الإقليمي والتحولات في البحر الأحمر واستثمار الإجماع الدولي القائم لتحويل اتفاق الجزائر من نص محمي على الورق إلى قوة فعلية تمنع أي محاولة لإعادة رسم خطوط النفوذ بالقوة أو الابتزاز وتؤكد أن القانون الدولي قادر على مواجهة الطموحات الأحادية إذا ما رافقه قرار سياسي مصمم على فرض الالتزام.
خاتمة: بين القانون والفراغ
في المحصلة لا يعكس موقف الاتحاد الأفريقي ميزان العدالة في القرن الأفريقي بقدر ما يعكس ميزان القوى داخل أروقته. وبين اتحاد قاري يميّع القانون تحت ضغط دولة المقر، وعاصمة تملك شرعية قانونية صلبة لكنها عاجزة عن تحويلها إلى فعل سياسي، تظل الساحة مفتوحة أمام فرض وقائع جديدة. استمرار هذا المسار يعني أن اتفاق الجزائر رغم صلابته القانونية، مهدد بأن يتحول إلى مرجعية معطّلة، لا لضعفه، بل لغياب الإرادة السياسية في الدفاع عنه. وفي لحظة إقليمية تُعاد فيها صياغة الخرائط بالنفوذ والابتزاز يصبح الفراغ السياسي أخطر على السيادة من التهديد المعلن ويغدو الصمت شريكاً غير مباشر في تقويض ما تبقى من هيبة القانون الدولي في القرن الأفريقي.
