من يصادر الدولة؟ لماذا لا يتنحّى أفورقي؟

المنفي رقم ٢٤ يكتب
أحياناً، لا تحتاجُ إلى انقلابٍ لتعرف أن الدولة تم اختطافها.
يكفي أن ترى رئيساً يتحدث باسم شعبٍ لا يستطيع أن يتحدث.
يكفي أن تُعدّ السنوات لا الانتخابات.
في إريتريا، السؤال ليس: لماذا لا يتنحّى إسياس أفورقي؟
السؤال الأصدق: كيف بقي حتى الآن؟ من يحمِيه؟ ولماذا؟
أكتب من مكانٍ لا أعرف له اسماً .
ربما هو منفى، أو “منطقة عازلة” بين الجنون والعقل، بين الخوف والغضب، بين أن تكتب فتُحاسب، أو تصمت فتختنق.
أنا المنفي رقم ٢٤.
كنت يوماً طفلاً هتف في طابور الصباح: “تحيا الثورة!”.
ثم كبرت، واكتشفت أن الثورة ليست خالدة، بل مختطفة.
لنبدأ من النهاية
الرجل في الحكم منذ أكثر من ثلاثين عاماً.
دون انتخابات. دون برلمان. دون إعلام حر.
في دولة كل شيء فيها يبدأ وينتهي عند “رأس الدولة”، حتى تنفسك، حتى موتك.
لِمَ لا يتنحّى؟
لأنه لا يرى دولة، بل يرى مزرعة.
يرى أنه الأذكى، الأنقى، الأنسب، الأعظم…
هو التاريخ، والجغرافيا، والخارطة.
يرى أن البلاد ستغرق بدونه، مع أنها غرقت بوجوده.
هناك من تشبث بالحكم قبله
موبوتو، تشاوشيسكو، القذافي، صدام…
تشبثوا، فبصقهم التاريخ.
كانوا يعتقدون أن الشعوب تُنسى، وأن الدبابات تحفظ الولاء.
لكن الشعوب لا تنسى من صادر خبزها، ومن كمم أفواهها، ومن وضع أبنائها في حفرٍ تحت الأرض.
لكن أفورقي لا يقرأ كتب التاريخ، بل يكتب تاريخه الخاص.
كل سطر فيه يبدأ بجملة: “أنا قاتلت”.
وينتهي بجملة: “إذا غبتُ، سيعود الاستعمار”.
لماذا لا يتكلم الشعب؟
لأن الشعب في معسكر.
لأن الشعب في ساوا.
لأن الشعب في الطابور الإجباري لحضور خطب الزعيم.
الناس لا تصرخ لأن من يصرخ لا يختفي فقط، بل تختفي عائلته أيضًا.
في دولة يُسجن فيها الناس لأنهم فكروا، أو لأنهم لم يصفقوا بقوة كافية.
في دولة يُمنع الناس من الهروب، لكن لا يُسمح لهم بالحياة.
أين الجنرالات؟ لماذا لا يتحركون؟
الجنرالات ليسوا عسكريين فقط.
إنهم مستثمرون في السلطة.
أسياس منحهم كل شيء: الشركات، الأراضي، الامتيازات، تهريب البشر، تجارة السلاح، شبكة الفساد.
ولم يعطهم شيئاً آخر: لا شرف، لا دستور، لا وطن.
لكنه ضمن ولاءهم لأنه جعلهم رهائن:
كل جنرال له ملف.
كل جنرال له ابن في المخابرات.
كل جنرال يعرف أنه إذا تكلم، فلن يُدفن.
والجيش؟ أليس كله شباباً؟
بلى، لكنه جيش مجرَّد من الوطن.
مجندون خائفون من جنرالات خائفين من الزعيم.
شباب أُخذوا من عائلاتهم ليعيشوا في معسكرات بلا نهاية.
هناك من عمره 45 وما زال في الخدمة “الإجبارية”.
هناك من نسي ملامح أمه، لكنه يحفظ وجه الضابط الذي يهينه.
لماذا لا يقبل النظام بالأحزاب؟
لأن الحزب الوحيد هو الدولة.
والدولة هي الرئيس.
والرئيس هو كل شيء.
في إريتريا، لا توجد معارضة.
توجد تهم جاهزة:
أنت “عميل”، “جاسوس”، “مرتزق”، “مرتبط بالخارج”.
كل محاولة تفكير تُترجم إلى “خيانة”.
كل اختلاف يُقرأ كتهديد للأمن القومي.
وكل من يكتب، يُمحى.
لكن لماذا يصمت الجميع؟
لأنهم أُرهقوا.
لأنهم جرّبوا كل شيء: الهرب، المقاومة، الهجرة، الانتظار…
ولم يبقَ لهم إلا الحلم.
لكن حتى الحلم، صار مراقباً.
أخيراً …
هل سيتنحّى؟
لا.
سيُجرّ من التاريخ كما جُرّ من قبله من ظنوا أنفسهم خالدين.
لكن السؤال الحقيقي:
هل سنبقى ننتظر موته؟
أم نحلم بدولةٍ نموت نحن لأجلها… لا أن نموت منها؟
أنا المنفي رقم ٢٤.
لا أبحث عن بطل.
أبحث عن دولة.
دولة تحترم الإنسان، لا تصنع منه جندياً أبدياً.
دولة تسمح لك أن تصرخ، لا تسجنك حتى تصمت.
دولة فيها الرئيس موظف… لا نصف إله.
هذا ليس مقالاً.
هذا صرخة في وجه من يعتقد أن سكوتنا طاعة.
سكوتنا ليس رضا.
بل انتظار.
لكن للصبر تاريخ انتهاء.
وقريباً… لن يكون لإسياس أفورقي مكان في الذاكرة، إلا في قائمة الجلادين.
حقوق النشر والحقوق الأدبية محفوظة لصالح شبكة رصد إريتريا الإخبارية.
يحظر التعديل أو إعادة النشر دون إذن خطي من إدارة الشبكة.