هكذا يعتقل الطغاة الأسئلة: من سجن الصحفيين و المثقفين و اعتقال المواطنين إلى خطف الأطفال .

المنفي رقم ٢٤ يكتب
أعرف وجوهاً لم تُنشر.
وأسماءً لم تُدوَّن.
وأصواتاً لم تُسمع، لأنها خُنقت قبل أن تكتمل.
لا أتحدث عن قادة سياسيين كبار أو صحفيين حازوا على دعم منظمات دولية، بل عن أولئك الذين لا تُقام لهم حملات تضامن، ولا يعرف العالم أسماءهم.
أتحدث عن رجل من “عدي خالا” سُجن لأنه همس بكلمة شكوى في طابور الخبز.
عن صبي من “كرن” ضُرب حتى فقد الوعي، لأنه سأل أين ذهب أخوه المجند.
عن فتاة من “تسني” اختفت لأنها رفضت أن تخدم ضابطاً في وحدة التدريب.
عن صحفي من “أسمرا” اختفى قبل أن تطبع مقالته التالية.
غرفة لا نافذة لها
في “عيرعيرو”، حيث لا ضوء ولا قانون، يُسجن الناس لأنهم فكّروا.
لا محاكم، لا محامين، لا مرافعات. مجرد ورقة يُكتب عليها اسمك، ويُسحب بعدها جسدك من الحياة العامة إلى كهف بلا نهاية.
هناك، لا يُسأل المرء عن دينه أو حزبه أو فصيله… فقط يُحبس.
تهمة عامة: تهديد الأمن الوطني.
والحكم: غير معلن.
والمدة: حتى الموت… أو أكثر قليلاً .
حين تصير الكاميرا تهمة
داويت إسحاق، مواطن إريتري-سويدي، صحفي لم يرفع سلاحاً ، بل رفع قلماً .
كتب عن الإصلاح، عن حلم دولة تحترم مواطنيها، فاختفى.
منذ 2001، لا أحد يعرف مكانه. لا محامٍ قابله، لا تحقيق رسمي أجري معه، لا اعتراف بوجوده.
من كان معه؟
طاقم صحيفة “ستيت”، “زري”، “ميتسي هفريت”، وغيرهم.
كلهم اختفوا في الليلة ذاتها. كأن البلاد قررت فجأة أن تتخلص من مراياها.
منذ ذلك الحين، أصبحت الصحافة الإريترية تنقل أخبار الرئيس، أو تصمت.
السجن كأداة حكم
تقول أمٌ من ضواحي “أغردات”:
“ابني لم يكن يتحدث في السياسة. لم يكن حتى يفهم ما تعنيه كلمة (جبهة).
هرب من الخدمة الإلزامية، وجاء العسكر في الليل.
أخذوه ولم يتركوا حتى صورته”.
قضية هذه الأم ليست حالة فردية. هي الشجرة التي تُخفي غابة من الظلم المعمم.
في إريتريا، أنت مشروع معتقل حتى تثبت طاعتك المطلقة.
وحتى لو ثبتت… فربما تُسجن لأنهم لم يعتقلوا أحداً منذ أسبوع، ويحتاجون إلى ملء الزنازين.
عندما يصبح السؤال خطراً
“أين محمود شريفو؟”
سؤال بسيط. لكنه كفيل بأن يُدرج اسمك على لائحة المشتبهين.
شريفو، عضو مجموعة G-15، طالب بإصلاح سياسي.
كان نائبًا للرئيس، ثم أصبح جثةً بلا قبر أو سجيناً بلا رقم.
رجل الدولة صار خائناً بمجرد أن قال: “كفى”.
وهكذا، من ينطق “كفى” في هذه البلاد، يُلغى من السجلات، وتُمنع أمه من البكاء عليه علنًا.
الأصعب من الاعتقال: أن لا تكون مشهوراً بما يكفي
في السجون الإريترية، يوجد نوعان من المعتقلين:
1. من نعرفهم: سياسيون، صحفيون، نشطاء. عنهم تُكتب التقارير، وتُطلق الحملات.
2. من لا نعرفهم: مواطنون عاديون، بلا انتماء ولا صوت، سُجنوا لأنهم تشابهوا مع الخوف.
هؤلاء لا تُكتب أسماؤهم في بيانات الأمم المتحدة.
لا تُطالب بهم منظمات دولية.
لا أحد يتحدث عنهم… سوى الأمهات، في همس المساء.
اسأل… تُسجَن
احد المنشقين من النظام في القطاع الأمني يقول
هكذا هي الأوامر.
واضحة كالرصاصة.
“من تلاحظون عليه أنه يسأل كثيراً ، أو يتملّكه شيء من الشجاعة لانتقاد الرئيس أو الحكومة أو النظام عموماً… سجّلوه. لا فرق بين كبير أو صغير. من رفع رأسه ليسأل، نكسره قبل أن يكبر.”
لا تُطلب قرائن.
ولا يُفحص السياق.
فمجرد الفضول جريمة. والجرأة على التساؤل خيانة.
كأن النظام يخاف من الأسئلة أكثر من خوفه من الرصاص.
في إريتريا، العقل تهمة.
والفم المفتوح علامة خطر.
أما الطفل الذي يسأل “لماذا؟”، فهو مشروع سجين مبكر.
“طفل الضياء”… براءة في الزنزانة
هل تذكرون قضية مدرسة الضياء الإسلامية؟
المدرسة التي رفضت أوامر الدولة بتسليم إدارتها، والدين فيها، والهوية.
المدرسة التي قال طلابها: لا.
فكانت النتيجة: حملة اعتقالات جماعية طالت الكبار والصغار على السواء.
نعم… لم يكتفوا باعتقال المدير والمعلّمين.
بل اختطفوا طفلاً لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره.
طفل كل جريمته أنه مشى في مظاهرة طلابية سلميّة، يهتف لمدرسته.
طفل وضعوه في زنزانة كما يُوضع القتلة والمجرمون.
أي نظام هذا الذي يخاف من أطفال؟
أي عقل يحاكم طفولةً بتهمة الولاء للعلم والدين والكرامة؟
الطفل ذاك لم يكن استثناءً، بل دليلًا حياً على عقلية حكم ترى في كل فرد مشروع تمرد، حتى لو كان يحمل حقيبة مدرسية
من المسؤول؟
• المجتمع الدولي الذي يساوي بين الجلاد والضحية تحت بند “العلاقات الدبلوماسية”.
• النخب المعارضة التي تتحدث عن المعتقلين كأوراق ضغط فقط.
• نحن، حين ننسى أن في كل لحظة، هناك زنزانة تبتلع إنساناً، ثم تُغلق بلا صوت.
المطلوب الآن:
• إعادة فتح ملف كل المعتقلين، وليس فقط الأسماء الرنانة.
• توثيق الأسماء المجهولة، من القرى والضواحي والمعسكرات.
• تحويل السجون الإريترية إلى قضية دولية، لا شأن داخلي.
• توسيع خطابنا الحقوقي ليشمل المواطن البسيط، لا فقط المناضل المعروف.
ماهي النهاية ؟
ربما لن تجد صورة للمعتقل محمد من “أم حجر”، أو للفتاة مريم من “سعازغا” او رهوى من “اخريه”
لكنهم موجودون.
يعيشون في العتمة.
ينتظرون أن يفتح أحد فمه باسمهم.
أن يقول لهم: أنتم لستم وحدكم.
لن تُسقط الأنظمة بجيوش فقط، بل بأسئلة.
والسؤال الحقيقي الآن:
من تبقّى خلف القضبان؟
المنفي رقم ٢٤
لا أكتب من الظل، بل من ضوء الجرح.
مصادر:
1. Reporters Without Borders – Eritrea
2. Human Rights Watch – Eritrea: “Service for Life” report
3. Amnesty International – Eritrea Reports
4- Committee to Protect Journalists – Eritrea
