
رصد اريتريا | تقرير
قال موقع The Christian Science Monitor إن التوترات بين اريتريا وإثيوبيا تتصاعد مجددًا، مدفوعة بمطالب إثيوبية متزايدة بالحصول على منفذ بحري، في وقت حشد فيه الطرفان قواتهما على طول الحدود المشتركة، ما يثير مخاوف من انزلاق المنطقة نحو مواجهة عسكرية جديدة.
وأوضح التقرير أن إثيوبيا، التي تُعد أكبر دولة غير ساحلية من حيث عدد السكان، تنظر إلى غياب منفذ بحري بوصفه عائقًا استراتيجيًا واقتصاديًا، إذ تعتمد بشكل شبه كامل على موانئ جيبوتي، مقابل نحو 1.5 مليار دولار سنويًا تدفعها مقابل خدمات الموانئ.
وبحسب التقرير، فإن فكرة “حق إثيوبيا في الوصول إلى البحر” باتت تمثل نقطة إجماع نادرة داخل البلاد، رغم الانقسامات السياسية والإثنية الحادة، ما يمنح حكومة رئيس الوزراء ابي احمد سردية وطنية جامعة في لحظة سياسية معقّدة، تواجه فيها تمردات في أوروميا وأمهرة، إلى جانب صراع لم يُحسم حتى الآن في إقليم تيغراي.
سردية داخلية… وضغط خارجي
في هذا السياق، لا تبدو قضية الوصول إلى البحر مجرد مطلب اقتصادي، بل تحوّلت إلى خطاب سياسي جامع يعيد تشكيل أولويات الدولة. فحتى معارضي آبي أحمد، وفق التقرير، يُبدون دعمًا لفكرة امتلاك منفذ بحري، في ظل إدراك واسع لتبعات الاعتماد الكامل على دولة واحدة في التجارة الخارجية.
لكن هذا التوافق الداخلي يقابله رفض إريتري حاسم. إذ تنظر أسمرة إلى أي حديث عن “حق إثيوبي” في الساحل بوصفه تهديدًا مباشرًا للسيادة الوطنية، خاصة مع تزايد الإشارات إلى مدينة عصب الساحلية كخيار محتمل—وهي مدينة قريبة من الحدود الإثيوبية وتتمتع بموقع استراتيجي على البحر الأحمر.
البحر كقضية وجودية
وتشير أديس أبابا إلى أن غياب منفذ بحري لا يقتصر على رفع تكاليف التجارة، بل يحدّ من قدرتها على لعب دور إقليمي في واحدة من أكثر المناطق حساسية عالميًا، وهي منطقة البحر الأحمر.
وفي تصريحات سابقة، وصف آبي أحمد امتلاك منفذ بحري بأنه “ليس مسألة رفاهية، بل مسألة وجودية”، في إشارة إلى البعد الاستراتيجي الذي باتت تحمله هذه القضية في الخطاب الرسمي الإثيوبي.
جذور تاريخية للصراع
يرتبط هذا التوتر أيضًا بإرث تاريخي طويل. فقد كانت إريتريا تمثل الواجهة البحرية للإمبراطورية الإثيوبية لقرون، قبل أن تفقدها إثيوبيا لصالح إيطاليا في أواخر القرن التاسع عشر.
وبعد الحرب العالمية الثانية، وضعت الأمم المتحدة إريتريا تحت نظام حكم ذاتي ضمن التاج الإثيوبي، قبل أن يؤدي فرض السيطرة الكاملة من أديس أبابا إلى اندلاع حرب استقلال طويلة انتهت عام 1993 بإعلان دولة إريتريا.
ومنذ ذلك الحين، عادت إثيوبيا إلى وضع الدولة غير الساحلية، وتفاقم هذا الواقع بعد الحرب الحدودية بين البلدين في أواخر التسعينيات، والتي أنهت أي وصول إثيوبي إلى الموانئ الإريترية.
واليوم، تبدو مدينة عصب شبه مهجورة، لكنها لا تزال حاضرة بقوة في المخيال السياسي الإثيوبي، باعتبارها رمزًا لما يراه البعض “خطأً تاريخيًا” يجب تصحيحه.
ذاكرة حرب حديثة… وتحذيرات من التصعيد
ورغم التصعيد الحالي، لا تزال كلفة الحرب حاضرة في أذهان الطرفين. فبين عامي 2020 و2022، خاضت إثيوبيا وإريتريا حربًا مشتركة ضد قوات تيغراي، أسفرت عن مقتل ما يصل إلى 600 ألف شخص، ووصفتها The New York Times بأنها من أكثر النزاعات دموية في العصر الحديث.
لكن رغم هذه الذاكرة القريبة، تشير المعطيات إلى استمرار التوتر. فقد شعرت كل من إريتريا وسلطات تيغراي بالتهميش في التسوية التي أنهت الحرب، بينما تتهم أديس أبابا أسمرة بدعم جماعات متمردة داخل أراضيها—وهو ما تنفيه إريتريا.
وفي هذا الإطار، حذّرت International Crisis Group من أن أي خطوة مفاجئة من أحد الأطراف قد تؤدي إلى تصعيد سريع، في ظل بيئة إقليمية هشّة.
بين الخطاب والنوايا
ورغم تأكيد آبي أحمد أن بلاده “لا تنوي غزو أو مهاجمة الآخرين”، فإن الرسائل المصاحبة للتحركات العسكرية تعكس نبرة أكثر حدّة. ففي عرض عسكري أُقيم مؤخرًا، ظهرت لافتة تقول: “لن نكون دولة غير ساحلية”، إلى جانب مشهد رمزي لجندي إثيوبي يخترق جدارًا، وخلفه سفينة كُتب عليها “عصب إثيوبية”.
هل تنتهي الأزمة ؟
تكشف الأزمة المتصاعدة بين إثيوبيا وإريتريا عن تداخل معقّد بين الجغرافيا والتاريخ والسياسة. فبين طموح إثيوبي لاستعادة منفذ بحري، وتمسّك إريتري بالسيادة، تقف المنطقة أمام معادلة حساسة قد تُحسم عبر التفاوض… أو تنزلق إلى مواجهة جديدة.
وفي ظل الحشود العسكرية والخطاب المتصاعد، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تتحول “القضية الوجودية” إلى واقع دبلوماسي، أم إلى شرارة صراع جديد في القرن الأفريقي ؟
تنويه – الصورة مُخلقة



