أسياس أفورقي يشرح للعالم “النظام العادل”… بينما لم يسمح حتى الآن بعدالة داخل منزله

رصد اريتريا | المنفي رقم ٢٤ يكتب :-
في مقابلة مطوّلة مع الإعلام المحلي، خرج الرئيس أسياس أفورقي متقمصاً دور الخبير العالمي في العلاقات الدولية، وكأنه يملك مفاتيح فهم هذا العالم المضطرب، بينما الحقيقة البسيطة التي يعرفها كل إريتري: الرجل لا يزال حتى اليوم عاجزاً عن إدارة سؤال واحد داخل بلده سؤال الحرية.
أسياس تحدث عن مرحلة انتقالية وعن نهاية الهيمنة الأحادية القطبية، وعن الولايات المتحدة التي لم تحقق تطلعاتها للتفوق الشامل، وعن دين واشنطن الذي بلغ 36 تريليون دولار. كلام يبدو لأول وهلة كأنه تحليل سياسي رصين. لكنه في الواقع مجرد قناع معرفي يضعه الحاكم حين يريد الهروب من المرآة. لأن أي خطاب عن العدالة الدولية يصبح مادة كوميدية سوداء عندما يخرج من فم سلطة لم تسمح منذ 1991 بأن يتحول الدستور إلى حياة، ولا البرلمان إلى مؤسسة، ولا الدولة إلى وطن.
المؤلم ليس أن أسياس ينتقد أمريكا. هذا حقه، بل وحق أي دولة صغيرة عانت من الابتزاز الدولي. المؤلم أن الرجل يتحدث عن عالم أكثر عدلاً بينما إريتريا نفسها منذ ثلاثين عاماً تُدار بعقلية “السجن النموذجي”: كل شيء مضبوط، نعم، لكن ليس لصالح الإنسان، بل لصالح السيطرة. لا توجد دولة بهذا المعنى، يوجد نظام. ولا يوجد شعب مواطن، يوجد شعب “يُدار”.
في المقابلة، اعتبر أسياس أن شعار ترامب “لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً” هو اعتراف ضمني بتراجع واشنطن، وأشار إلى أدوات السياسة الأميركية من الحروب التجارية إلى الانسحاب من المنظمات الدولية وتوظيف النزاعات من أوكرانيا حتى آسيا. حسنٌ. لكن دعونا نضع هذا التحليل على طاولة الواقع: ما الذي يعنيه “مبدأ ترامب” بالنسبة للإريتري البسيط؟ لا شيء تقريباً. لأن المواطن في أسمرا لا يحتاج إلى شرح عن MAGA؛ هو يحتاج أولاً أن يسمع مبدأ آخر أبسط: لنجعل المواطن عظيماً مجدداً بعد أن سحقته الخدمة المفتوحة، وابتلعته المعسكرات، ودفنته الهجرة في صحراء أو بحر.
المفارقة التي تُضحك وتُوجع في آن واحد أن أسياس يقدّم نفسه بوصفه خصماً للاستغلال الدولي، بينما أكبر استغلال حصل في إريتريا لم يكن من الخارج، بل من الداخل. نحن لا نملك نفطاً يطمع فيه الآخرون، ولا مصانع عملاقة تُستهدف بحروب التعريفات. نحن نملك شيئاً واحداً ثميناً: البشر. شباب إريتريا هم ثروتها الحقيقية. لكن النظام تعامل مع هذه الثروة بعقلية “المخزون” لا بعقلية المستقبل. جعل الإنسان مادة تشغيل بلا نهاية، ثم تساءل بصوت غير مباشر لماذا يهرب الناس. من الطبيعي أن يهربوا: لأن الذي لا يملك وقتَه لا يملك وطنه.
أسياس أعلن أيضاً أن العالم يحتاج إلى نظام جديد، وتحدث عن أدوار الصين وروسيا والهند واليابان والاتحاد الأوروبي. وفي لحظة حاول فيها أن يبدو واقعياً، سأل ساخراً: ما الذي يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يفعله غير إصدار البيانات؟ سؤال جيد… لكنه يعود كالصدى إلى أسمرا: ما الذي استطاعت إريتريا أن تفعله غير إصدار الخطب؟ الخطابات عند أسياس ليست مجرد كلام؛ إنها سياسة بديلة عن السياسة. بدل أن يرى الناس إصلاحاً اقتصادياً، يرون محاضرة. بدل أن يروا مساحة حرية، يرون تحليلاً جيوسياسياً. بدل أن يروا دولة مؤسسات، يرون رئيساً يمارس دور الدولة وحده، ثم يستغرب لماذا تذبل الدولة.
وعندما انتقل للحديث عن السودان، بدا أكثر حدة. قال إن الأزمة ليست حرباً أهلية ولا تنافس جنرالين، واتهم الإمارات بأنها الجهة الرئيسية المزعزعة للاستقرار. قد يكون في كلامه جانبٌ من الحقيقة، فالمنطقة كلها تعرف حجم التدخلات. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا يعتقد أسياس أن المشكلة دائماً في “الآخر”؟ لماذا يتعامل مع السياسة كأنها لوحة واحدة بالألوان نفسها: قوى خارجية شريرة، وبلادٌ ضحية، ونظامٌ بريء؟ هذا المنطق ليس تحليلاً، بل دفاع عن الذات. لأن من اعتاد أن يحكم دون مساءلة، يرى العالم كله مؤامرة، ويعتبر الحقيقة عدواً.
ثم جاء الملف الإثيوبي، وهنا انكشف الطابع الحقيقي للخطاب. لم يناقش أسياس المصالح، بل ناقش العداوة. وصف حزب الازدهار بالعجز والإفلاس والجبن والجشع، واتهمه بشن حرب على شعوبه وعلى إريتريا، ثم قال عبارته المكررة: لا نرغب في الحرب، لكننا نعرف كيف ندافع عن وطننا. المشكلة ليست في الدفاع. المشكلة في أن الدولة التي لا تملك مشروع سلام داخلي لا تستطيع أن تملك سلاماً خارجياً. الدولة التي تخاف من صحيفة داخلية، ستخاف من معادلات الإقليم مهما ادعت القوة. والبلد الذي يربط وجوده بالتماسك الأمني لا بالتعاقد السياسي، يصبح مشدوداً دائماً إلى حافة الانفجار.
وفي ملف البحر الأحمر، عرض أسياس تصوراً عن تعاون دولي يحمي الممر البحري ويجنب وجود القوى العسكرية الخارجية. كلام مهم، لكنه يصطدم بحقيقة مرّة: البحر الأحمر اليوم لا ينتظر رغبات أسمرا ولا بياناتها. المنطقة تتحول إلى ساحة نفوذ كبرى، والاستثمار والموانئ والتجارة والتحالفات تتحرك بسرعة هائلة. بينما نحن، في الداخل الإريتري، ما زلنا نناقش كهرباء تتعثر، وسيولة تتبخر، وقطاعاً مصرفياً خائفاً من الحياة، ومجتمعاً مدنياً غير موجود أصلاً. كيف يمكن لبلد يعجز عن خلق مساحة للمبادرة الفردية أن يقنع العالم بأنه قادر على قيادة مقاربة إقليمية متقدمة؟
الجزء الأكثر إثارة للضحك كان حين تحدث أسياس عن التنمية. قدم صورة براقة: سدود، طرق، تحلية مياه، طاقة هجينة، طاقة متجددة، ثم لمّح إلى الطاقة النووية، ووعد برفع الإنتاج من مئات الميغاواط إلى آلاف. القارئ الإريتري هنا لا يحتاج إلى تحليل اقتصادي؛ يكفيه أن يبتسم. ليس لأن الطموح خطأ، بل لأن الطموح بلا مؤسسات يشبه قصرًا يُبنى فوق رمل. التنمية ليست أرقاماً تُقال في مقابلة. التنمية قانون وقضاء وشفافية وثقة ومصارف فاعلة وبيئة أعمال. التنمية لا تُدار بخطبة. التنمية تتطلب دولة لا تخاف من الناس.
ثم يختم أسياس بدور المغتربين، ويدعوهم إلى الاستثمار وإدخال التكنولوجيا والخبرات. جميل أيضاً. لكن المشكلة أن النظام يريد من المغترب أن يكون ماكينة تحويلات مالية، لا مواطناً كاملاً. يريده أن يدفع ويستثمر ويدعم، لكن لا يريده أن يسأل عن الدستور، ولا عن الانتخابات، ولا عن الصحافة الحرة، ولا عن الخدمة المفتوحة. باختصار: يريد المغترب كجيب… لا كشريك.
هذه المقابلة لا تكشف لنا أسياس بقدر ما تكشف لنا مأساة إريتريا: رئيسٌ يريد أن يبدو “عقل العالم”، لكنه فشل أن يكون عقل الدولة. يتحدث عن نظام عالمي عادل بينما بلده محروم من أبسط أشكال العدالة. يهاجم الهيمنة بينما يمارس الهيمنة المطلقة داخل وطنه. يشرح للأفارقة لماذا هم مهمشون، بينما هو همّش شعبه بيديه ثم طلب منه أن يصفق.
إريتريا لا تحتاج إلى “نظام عالمي جديد” كي تنجو. إريتريا تحتاج فقط إلى أن تتوقف عن كونها رهينة رجل واحد. لأن أخطر عقوبة على الشعوب ليست الفقر، بل أن تُجبر على سماع خطب طويلة عن المستقبل… بينما حاضرها مسروق.



