رصد إريتريا | متابعة خاصة | يناير 2026
في مقابلة مطوّلة مع وسائل إعلام محلية، قدّم الرئيس الإريتري أسياس أفورقي رؤية سياسية شاملة حول التحولات الدولية، وعلاقات بلاده مع الولايات المتحدة في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، إضافة إلى ملفات إقليمية حساسة أبرزها الحرب في السودان والتوترات مع إثيوبيا، قبل أن يستعرض خطوطاً عريضة لبرامج التنمية الداخلية (2026–2030) ودور المغتربين في ما وصفه بـ”مهام بناء الأمة”.
الحديث جاء بنبرة تحليلية حادة في بعض المحاور، خصوصاً عند تناول ملف السودان ودور القوى الخارجية، في حين بدا أكثر تفصيلاً عند التطرق إلى خطط الطاقة والمياه والتعليم داخل البلاد.
“هيمنة واشنطن لم تتحقق”.. ونظام عالمي جديد مطلوب
استهل أفورقي المقابلة بتقييم سياق دولي واسع يعود إلى نهاية الحرب الباردة عام 1991، معتبراً أن مرحلة “الهيمنة الأحادية القطبية” التي سادت ثلاثة عقود لم تفضِ إلى النظام الذي بشّر به بعض مفكري الغرب.
وقال إن الولايات المتحدة لم تنجح في تحقيق “التفوّق الشامل” في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية، وإن تراجع النفوذ الأميركي أصبح واضحاً منذ سنوات.
اقتباس :
“هيمنة الولايات المتحدة وتطلعاتها للتفوق الشامل لم تتحقق… وتراجع نفوذها في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية.”
واستشهد بحجم الدين الأميركي، الذي قال إنه بلغ 36 تريليون دولار، باعتباره مؤشراً على هذا التراجع.
ترامب و”MAGA”.. أدوات القوة واستغلال الموارد
وفي حديثه عن سياسة الرئيس ترامب، اعتبر أفورقي أن شعار “لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً” (MAGA) يمثل اعترافاً ضمنياً بتراجع المكانة الأميركية، مشيراً إلى أن واشنطن تستخدم أدوات متعددة لإعادة إنتاج قوتها.
ومن بين هذه الأدوات بحسب إفادته:
• التحركات ضد فنزويلا بذريعة مكافحة المخدرات
• احتمالات إجراءات ضد كوبا وكولومبيا والمكسيك وإيران
• ملف غرينلاند
• “حروب التعريفات الجمركية”
• دعم انتقائي لقطاعات في دول معينة
• الانسحاب من منظمات دولية
• محاولة تيسير بعض النزاعات
وأوضح أن الهدف الظاهر من هذه السياسات هو استغلال الموارد الطبيعية للدول الأخرى لتعزيز القوة الاقتصادية الأميركية.
اقتباس:
“الهدف الظاهر هو استغلال الموارد الطبيعية للدول الأخرى لتعزيز القوة الاقتصادية الأمريكية وضمان نجاح سياسة MAGA.”
الصين وروسيا في قلب الاستهداف… وأوروبا “تصدر بيانات”
اعتبر أفورقي أن الصين وروسيا هما الهدفان الرئيسيان للنهج الأميركي، كما قال إن الاتحاد الأوروبي بدوره يتعرض لضغوط من خلال التعريفات وأزمة الهجرة.
وتساءل بشكل مباشر عن الدور الأوروبي في مواجهة موجة “MAGA”، معتبراً أن الحلف الأطلسي يمر بأزمة وأن الاتحاد الأوروبي “لم يلبِّ التوقعات”.
اقتباس:
“ما هي الأدوار العملية التي يمكن أن يضطلع بها الاتحاد الأوروبي لمواجهة MAGA، إلى جانب إصدار البيانات؟”
وفي السياق ذاته، لفت إلى أن منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي والخليج تتمتع بأهمية جيوسياسية خاصة، داعياً إلى استثمار هذه “الميزة” خلال السنوات الثلاث المقبلة.
التواصل مع إدارة ترامب: “حسن نية… وعراقيل من جماعات ضغط”
قال أفورقي إن استقلال إريتريا تزامن مع صعود النظام العالمي الأحادي القطبي، وإن السياسات الأميركية المتعاقبة أفضت إلى نتائج “وخيمة” على إريتريا والعالم.
وأوضح أن حكومته انتهجت منذ البداية سياسة انفتاح “بمبدأ النسيان والصفح”، لكن ذلك لم يُقابل بالمثل.
وأشار إلى أنه تم إرسال رسالة إلى ترامب خلال ولايته الأولى، وأن الرد كان إيجابياً قبل أن تتعثر المبادرة.
وأضاف أن العلاقات تدهورت خلال إدارة بايدن بفعل عقوبات وصفها بـ”غير المبررة”، ثم حاولت أسمرا إعادة تفعيل الانخراط خلال ولاية ترامب الثانية، لكن المسار تعطل بسبب ما وصفه بـ”محللين وجماعات ضغط”.
اقتباس:
“هذه أساليب بالية للتشويه والترهيب… ظاهريًا لانتزاع تنازلات غير مناسبة.”
ورغم ذلك، أكد استمرار التزام بلاده بالمشاركة البنّاءة مع واشنطن خلال الفترة المتبقية من إدارة ترامب، مع التشديد على أن هذا التواصل يتجاوز العلاقات الثنائية إلى القضايا الإقليمية.
ملف السودان: “ليست حرباً أهلية… والإمارات الجهة الرئيسية المزعزعة”
في أكثر فقرات المقابلة حساسية، تحدث أفورقي عن السودان من منظور تاريخي يعود إلى 1956، معتبراً أن ما سبق الأزمة الحالية ارتبط بدور المؤتمر الوطني في تأجيج المشكلات.
وأكد أن الشعب السوداني أطاح بالنظام عبر انتفاضة، وأن الجيش تولّى إدارة انتقالية عبر المجلس السيادي الذي كان يفترض أن يسلم السلطة خلال ثلاث سنوات كحد أقصى.
وقال إن إريتريا قدّمت وثيقة في 2022 للمجلس الانتقالي لدعم الانتقال المدني، لكن التدخلات الخارجية عطلت المسار.
وفي تصريح مباشر، حمّل الإمارات مسؤولية مركزية في الأزمة.
اقتباس:
“كانت الإمارات العربية المتحدة هي الجهة الرئيسية المزعزعة للاستقرار.”
ورفض تصوير الأزمة كحرب أهلية أو تنافس بين جنرالين، داعياً إلى دعم المجلس الانتقالي باعتباره الحل الأمثل لتمهيد الطريق نحو سلام دائم وحكم مدني.
إثيوبيا وحزب الازدهار: “لا نرغب الحرب… لكن نعرف كيف ندافع”
حول سؤال بشأن إعلان “حزب الشعب” الحرب وجدول أعمال المياه، قلل أفورقي من أهمية السؤال قائلاً إنه لا يستحق إجابة.
واتهم “حزب الازدهار” بشن الحرب على مكونات داخل إثيوبيا (الأمهرا، التيغراي، الأورومو) رغم اتفاقية بريتوريا، وقال إنه أعلن الحرب على إريتريا ويتباهى بالأسلحة والطائرات المسيرة.
اقتباس:
“لا نرغب في الحرب، لكننا نعرف كيف ندافع عن وطننا.”
ووصف عقلية حزب الازدهار بأربع سمات: العجز – الإفلاس – الجبن – الجشع، داعياً إلى التركيز على الداخل الإريتري.
زيارات السعودية ومصر: “تشاور مستمر… ومقترح من 12 بنداً للبحر الأحمر”
قال أفورقي إن السياسة الإريترية منذ زمن الكفاح المسلح ترتكز على الاستقرار الإقليمي باعتباره ضرورة.
وأوضح أن التعاون مع السعودية جزء من عملية تشاور ممتدة، وأن بلاده ناقشت مع الرياض دور المملكة في أمن البحر الأحمر.
وكشف عن مقترح إريتري سابق من 12 بنداً يركز على:
• مسؤولية كل دولة عن حماية ساحلها
• تعزيز التعاون وبناء القدرات
• آليات مشتركة ضد القرصنة والتهريب والتخريب والمخدرات
• تجنب وجود عسكري خارجي أو إقليمي مهيمن في البحر الأحمر
وأضاف أن العلاقات مع السعودية ومصر “مثمرة”، وأن زيارات نهاية 2025 أتاحت بحث أولويات وإجراءات 2026.
التنمية الداخلية: طاقة ومياه وتعليم… وخارطة طريق 2026–2030
أكد أفورقي أن التنمية لا تتوقف حتى في الظروف الإقليمية الصعبة، معلناً إعداد برامج تنفيذية في الأقاليم الست، أبرزها:
• الطرق الرئيسية والفرعية
• السدود ومشاريع المياه
• إدارة مناطق تجميع المياه عبر خرائط GIS
• تحلية المياه ضمن الحلول المطروحة
وفي ملف الطاقة، تحدث عن خطة “لامركزية وهجينة” تعتمد على:
• الطاقة الحرارية
• الشمس والرياح
• الطاقة الحرارية الأرضية
• مع توقع الوصول لاحقاً إلى الطاقة النووية
وأوضح أن المرحلة الأولى تتضمن إضافة 360 ميغاواط عبر 12 شبكة صغيرة، وصولاً تدريجياً إلى 2000 ميغاواط.
كما شملت البرامج التعدين والزراعة ومصايد الأسماك والإسكان، مع تأكيد أن رأس المال البشري والتعليم حجر الأساس في الخارطة (2026–2030).
المغتربون: من الدعم السياسي إلى الاستثمار ونقل المعرفة
أشاد أفورقي بدور المغتربين خلال التحرير وما بعد الاستقلال، معلناً التوجه نحو تعزيز مشاركتهم في بناء الأمة عبر:
• الاستثمار في قطاعات التنمية
• نقل التكنولوجيا والمعرفة
• إدخال الخبرات المهنية والبحث العلمي
وأشار إلى إعداد إطار مؤسسي لذلك، بما فيه تطوير قاعدة بيانات للموارد والخبرات، مع وجود تحديات مرتبطة بالأمن السيبراني.
ما بين السطور | ماذا تقول المقابلة فعلياً؟
تعكس المقابلة ثلاث رسائل مركزية:
1. تقديم إريتريا كطرف “يقرأ العالم” من منظور التحول الدولي، ويرفض اختزال التغيرات في قرارات واشنطن وحدها.
2. تثبيت سردية إقليمية تعتبر الاستقرار مدخلاً لأي تنمية، وربط ملفات السودان والبحر الأحمر بهذه الرؤية.
3. ترحيل الجدل الداخلي إلى ملف التنمية: طاقة، مياه، تعليم، واستدعاء المغتربين كرافعة اقتصادية ومعرفية.
انتهى
