رصد اريتريا | تقرير
في أحد شوارع الجيزة المزدحمة، كانت شابة إريترية تقف أمام مكتب صغير لتحويل الأموال، تحاول إرسال ما تبقى من مدخراتها إلى أسرتها في السودان. لم تكن تعلم أن يومها سينتهي داخل قسم شرطة بسبب انتهاء إقامتها قبل موعد التجديد الذي حصلت عليه من مصلحة الجوازات بأشهر. قصتها ليست استثناءً؛ بل تعكس واقعاً مركباً يعيشه آلاف اللاجئين الإريتريين في مصر، حيث تتقاطع البيروقراطية مع السياسة الدولية ومع أزمة تمويل عالمية تضغط على منظومة الحماية بأكملها.
تاريخ طويل من الاستضافة… وبداية التحولات
منذ سنوات النضال الإريتري، شكّلت مصر مساحة سياسية وثقافية للإريتريين، سواء عبر الأزهر الشريف أو الجامعات المصرية أو الحضور الإعلامي والسياسي في القاهرة. ومع استقلال إريتريا عام 1993 واستمرار نظام الخدمة العسكرية المفتوحة والقيود السياسية، تحولت مصر إلى محطة لجوء أساسية، ليس فقط كبلد عبور نحو أوروبا وأمريكا الشمالية، بل كموطن مؤقت لآلاف العائلات.
في تلك المرحلة، اعتمدت منظومة الحماية إلى حد كبير على دور المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، التي كانت تمنح وثائق الحماية وتدير ملفات إعادة التوطين في دول مثل كندا وأستراليا وأوروبا والولايات المتحدة. لكن هذا التوازن بدأ يتغير تدريجياً مع تقلص الموارد الدولية.
من الاحتواء إلى الاحتكاك
مع تزايد أعداد اللاجئين في السنوات الأخيرة، ظهرت فجوة واضحة بين الرأي العام المصري وبعض النخب الثقافية التي كانت أكثر اطلاعاً على السياق الإريتري. كثير من المصريين لا يعرفون موقع إريتريا أو طبيعة نظامها السياسي، ما ساهم في انتشار خطاب سلبي تجاه اللاجئين الأفارقة عموماً. هذا التحول الاجتماعي تزامن مع ضغوط اقتصادية داخلية، ما جعل ملف اللاجئين أكثر حساسية سياسياً وأمنياً.
بيان “تنبيه حماية عاجل”… لحظة مفصلية
في فبراير 2026، أصدرت منظمة “هيومن رايتس كونسيرن إريتريا” بياناً حمل عنوان “تنبيه حماية عاجل”، تحدث عن اعتقالات جماعية ومزاعم تعذيب وعنف جنسي ومخاطر ترحيل، إضافة إلى تقديرات تشير إلى احتجاز أكثر من 3000 لاجئ إريتري منذ يناير من العام نفسه. كما أشار البيان إلى حالات وفاة أطفال بعد اعتقال والدتهم، وإلى نقل بعض المحتجزين إلى السفارة الإريترية لمعالجة وثائق السفر.
البيان لم يكن مجرد وثيقة حقوقية؛ بل شكّل نقطة تحول في النقاش الدولي حول وضع الإريتريين في مصر، إذ أعاد تسليط الضوء على سؤال أكبر: لماذا تتكرر هذه الأزمات رغم وجود منظومة حماية دولية؟
لماذا يحدث هذا الآن؟ تراجع دور المفوضية وتمويل الحماية
لفهم ما يحدث، لا بد من النظر إلى السياق الدولي الأوسع. خلال السنوات الأخيرة، واجهت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أزمة تمويل حادة نتيجة انخفاض المساهمات الدولية، خاصة بعد تقليص الدعم الأمريكي وانسحاب واشنطن من بعض برامج إعادة التوطين أو تقليص حصصها السنوية. هذا التراجع لم يؤثر فقط على الخدمات المباشرة، بل ضرب أيضاً قدرة المفوضية على متابعة ملفات الحماية القانونية بشكل فعال داخل الدول المضيفة.
نتيجة لذلك، تقلصت برامج إعادة التوطين بشكل ملحوظ، وتباطأت عمليات تحويل اللاجئين إلى دول طرف ثالث مثل كندا وأستراليا وأوروبا والولايات المتحدة. بالنسبة للاجئين الإريتريين في مصر، يعني ذلك بقاءهم لفترات أطول في وضع قانوني هش، ما يزيد احتمالات الاحتكاك مع الإجراءات الأمنية أو الوقوع في فراغ إداري بين انتهاء الإقامة وموعد التجديد.
هذه الخلفية التمويلية والسياسية تفسر جزئياً لماذا ظهرت أزمات الاعتقال والترحيل في توقيت متزامن مع انخفاض فرص إعادة التوطين.
العقدة الإدارية… حين يتحول التأخير إلى أزمة
أحد أكثر التحديات التي يواجهها اللاجئون يتمثل في الفجوة الزمنية بين انتهاء الإقامة وموعد التجديد الذي تحدده مصلحة الجوازات. خلال هذه الفترة، قد يُعامل اللاجئ باعتباره مخالفاً رغم امتلاكه وثائق حماية صادرة عن المفوضية. هذا الخلل الإداري يضع آلاف الأشخاص في مواجهة مباشرة مع لجان التفتيش، ويحوّل الإجراءات الروتينية إلى أزمة قانونية حقيقية.
الاحتجاز والانتهاكات المزعومة
تحدثت تقارير حقوقية عن مزاعم ابتزاز مالي، وحرمان من العلاج الطبي، وعنف جنسي داخل بعض أماكن الاحتجاز. ورغم أن هذه الاتهامات تحتاج إلى تحقيقات مستقلة، فإن تكرارها في تقارير متعددة يعكس مستوى القلق الدولي المتزايد حول ظروف الاحتجاز.
كما أشار محامون وحقوقيون إلى صعوبة الوصول إلى بعض المحتجزين، ما يعقّد متابعة ملفاتهم ويزيد من مخاوف الاختفاء القسري أو الترحيل دون مراجعة قانونية كافية.
بين الاستضافة التاريخية وضغوط الواقع
في المقابل، تشير تقارير دولية إلى أن مصر تستضيف أعداداً كبيرة من اللاجئين في ظل تحديات اقتصادية وأمنية معقدة، ما يجعل إدارة الملف أكثر حساسية. هذا التوازن بين الاعتبارات السيادية والالتزامات الدولية يخلق مشهداً مركباً؛ فالدولة تحاول ضبط الهجرة، بينما يسعى اللاجئون إلى البقاء ضمن إطار قانوني يحميهم من الإعادة القسرية.
مستقبل مفتوح على الاحتمالات
مع استمرار أزمة التمويل الدولي وتباطؤ برامج إعادة التوطين، يبدو أن ملف اللاجئين الإريتريين في مصر سيظل اختباراً حقيقياً لقدرة المجتمع الدولي على الحفاظ على منظومة الحماية. فبدون دعم مالي وسياسي أكبر للمفوضية، قد تتكرر حالات الاحتجاز أو الترحيل، ليس فقط في مصر بل في دول عبور أخرى.
في النهاية، يبقى السؤال الذي يطرحه كثير من الإريتريين اليوم: هل يمكن إعادة التوازن بين دور مصر التاريخي كحاضنة إقليمية وبين ضرورة إصلاح الاختلالات الإدارية وضمان عدم ترك اللاجئين عالقين في منطقة رمادية بين القانون والسياسة؟
