رصد اريتريا | تقرير
في وقتٍ تبدو فيه منطقة القرن الأفريقي واقفة على حافة تحولات استراتيجية عميقة، أعادت تصريحات عسكرية وسياسية صدرت من مدينة أواسا الإثيوبية إشعال سجال سياسي حاد بين إريتريا وإثيوبيا، ليس فقط حول مضمون الخطاب العسكري، بل حول معناه الرمزي وموقعه داخل صراع أوسع يتعلق بالسيادة، والموانئ، ومستقبل البحر الأحمر.
بالنسبة لأسمرا ، ما قيل في أواسا لم يكن مجرد خطاب احتفالي عسكري، بل مؤشر على اتجاه سياسي مقلق يتجاوز حدود إثيوبيا الجغرافية. أما أديس أبابا، فتصر على أن الأمر لا يعدو كونه جزءاً من رؤية دفاعية تهدف إلى تعزيز الردع والاستقرار في منطقة تتقاطع فيها النزاعات والحسابات الدولية.
وبين هاتين الروايتين، تقدم التقارير الدولية قراءة أكثر تعقيداً: فالتوتر الحالي ليس وليد حدث واحد، بل نتاج تراكمات سياسية وأمنية بدأت منذ سنوات، وتفاقمت مع تحول البحر الأحمر إلى ساحة تنافس عالمي.
أسمرة اولاً: خطاب السيادة ورفض لغة التوسع
بدأت شرارة السجال عندما نشر وزير الإعلام الإريتري يماني قبري مسقل نصاً انتقادياً وصف فيه خطاب القيادة الإثيوبية بأنه مثال جديد على التلويح السياسي الذي قد يُفهم كمساس بسيادة دول الجوار.
الرسالة الأساسية في الخطاب الإريتري كانت واضحة:
أي حديث عن الأمن البحري خارج إطار الدول الساحلية يُنظر إليه في أسمرا باعتباره تجاوزاً رمزياً لخطوط حساسة في منطقة البحر الأحمر.
من وجهة النظر الإريترية، لا يتعلق الأمر فقط بإنشاء قوة نخبة أو تطوير قدرات عسكرية، بل باللغة المستخدمة لوصف نطاق هذه القدرات. فالربط بين وحدات عسكرية إثيوبية ومناطق تمتد حتى مصوع أو الساحل الإريتري حتى لو جاء بصيغة خطابية يُفسَّر في أسمرة كإشارة سياسية تحتاج إلى رد واضح.
وترى أوساط إريترية أن هذا الخطاب يأتي ضمن سياق أوسع بدأ منذ سنوات، حيث تكررت تصريحات إثيوبية حول الحاجة الاستراتيجية للوصول إلى البحر الأحمر. وتعتبر أسمرا أن هذه اللغة، وإن قُدمت احياناً باعتبارها اقتصادية أو تنموية، قد تحمل أبعاداً سياسية تؤثر على توازنات المنطقة.
وتؤكد القراءة الإريترية أن البحر الأحمر ليس مجرد ممر اقتصادي، بل مساحة سيادية ترتبط بأمن الدول الساحلية وهويتها الاستراتيجية، وهو ما يجعل أي حديث فضفاض حول أمنه من قبل دولة غير ساحلية موضوعاً شديد الحساسية.
أديس أبابا ترد: تحديث عسكري لا مشروع توسعي
في المقابل، تحاول الرواية الإثيوبية تفكيك هذا القلق عبر تقديم خطاب مختلف. فوفق التغطيات المحلية، جاءت فعالية أواسا ضمن احتفالية عسكرية تهدف إلى إبراز إعادة هيكلة القوات الخاصة وتحديثها، في سياق بيئة أمنية إقليمية متقلبة.
تؤكد أديس أبابا أن مفهوم الأمن البحري بالنسبة لها لا يرتبط بالسيادة على السواحل، بل بحماية خطوط التجارة التي تعتمد عليها بشكل شبه كامل. فإثيوبيا، بوصفها دولة غير ساحلية، ترى أن استقرار البحر الأحمر مسألة وجودية لاقتصادها، وأن تطوير خطاب أمني حوله يعكس هذه الحقيقة الجغرافية.
ويرى مسؤولون إثيوبيون أن الحديث عن المجال البحري يجب أن يُفهم ضمن سياق أوسع يشمل مكافحة القرصنة، وتأمين التجارة، والتعاون الإقليمي، وليس ضمن إطار المطالب الإقليمية. وتقول مصادر إعلامية إثيوبية إن بعض ردود الفعل الإريترية قد تكون نتيجة سوء تفسير لخطاب رمزي يهدف اساساً إلى تعزيز الردع الداخلي.
لكن خلف هذه الرسائل الدفاعية، لا يخفي بعض المحللين الإثيوبيين أن النقاش حول الوصول إلى البحر أصبح جزءاً من الخطاب السياسي الداخلي، حيث يُطرح كقضية تنموية مرتبطة بمستقبل الاقتصاد الإثيوبي.
القراءة الدولية: البحر الأحمر كمرآة لصراع أوسع
بعيداً عن السجال المباشر بين أسمرا وأديس أبابا، ترى تقارير دولية أن التصعيد الأخير يعكس تحولات أعمق في القرن الأفريقي.
ملف الموانئ… النقطة الأكثر حساسية
منذ توقيع مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وصوماليلاند، أصبح ملف الوصول إلى البحر الأحمر محوراً رئيسياً في النقاشات الإقليمية. وترى تحليلات دولية أن هذه الخطوة أعادت تعريف النقاش حول الموانئ من كونه مسألة اقتصادية إلى قضية سياسية ذات أبعاد سيادية.
تنافس دولي يتسع على ضفتي البحر الأحمر
تشهد المنطقة حضوراً متزايداً لقوى دولية وإقليمية، ما يجعل أي خطاب أمني مرتبط بالبحر الأحمر جزءاً من توازنات جيوسياسية أكبر. وفي هذا السياق، يمكن أن تُقرأ تصريحات هواسا ليس فقط في إطار العلاقة الثنائية، بل كرسالة داخل شبكة أوسع من التحالفات والمنافسات.
تشابكات أمنية عابرة للحدود
تحدثت تقارير إعلامية عن مزاعم تتعلق بمعسكرات تدريب مرتبطة بالصراع السوداني داخل إثيوبيا، وهو ملف لم تُحسم روايته بالكامل. غير أن مجرد وجود هذه المزاعم يعكس حجم التعقيد الأمني الذي يحيط بالمنطقة، ويؤثر على تفسير أي خطاب عسكري.
خلفية تاريخية: سلام بلا ثقة كاملة
بعد اتفاق السلام عام 2018، بدا أن العلاقة بين إريتريا وإثيوبيا دخلت مرحلة جديدة. لكن هذا التقارب لم يتحول إلى تحالف استراتيجي دائم. فمع مرور الوقت، ظهرت اختلافات في الرؤى حول ملفات إقليمية عدة، أبرزها تيغراي والتحالفات العسكرية.
ويرى محللون أن العلاقة بين البلدين تقوم اليوم على مزيج من التعاون التكتيكي والحذر العميق، ما يجعل أي خطاب سياسي حاد قادرًا على إعادة إحياء الشكوك القديمة بسرعة.
كيف يقرأ الغرب هذا التصعيد؟
في تقارير مراكز البحث الغربية، يُنظر إلى السجال الحالي باعتباره جزءاً من حرب سرديات أكثر منه مقدمة لصراع عسكري مباشر.
فالولايات المتحدة وأوروبا، وفق تحليلات سياسية، تتابعان خطاب الوصول إلى البحر الأحمر بحذر، لأن أي تغيير في معادلة الموانئ قد يؤثر على توازنات الملاحة الدولية.
وتشير بعض التحليلات إلى أن الخطاب الإثيوبي يخدم أهدافاً داخلية تتعلق بإظهار القوة، بينما يستخدم الخطاب الإريتري لغة السيادة لتعزيز موقفه السياسي الإقليمي.
تصعيد لفظي أم إعادة رسم قواعد اللعبة؟
عند مقارنة الروايتين، تظهر مفارقة واضحة:
• أسمرا ترى في خطاب الأمن البحري محاولة لتوسيع النفوذ الرمزي.
• أديس أبابا تصفه بأنه جزء من استراتيجية ردع في بيئة مضطربة.
• التقارير الدولية تعتبره انعكاساً لتحول البحر الأحمر إلى محور تنافس عالمي.
ويقول محللون إن الخطر الحقيقي لا يكمن في التصريحات نفسها، بل في كيفية تفسيرها داخل بيئة سياسية متوترة، حيث يمكن لعبارات رمزية أن تتحول بسرعة إلى أزمة دبلوماسية.
ما الذي قد يحدث لاحقاً؟
يرجح مراقبون أن يبقى التصعيد ضمن مستوى الخطاب السياسي، ما لم تتحول التصريحات إلى خطوات عملية على الأرض. لكن استمرار استخدام لغة فضفاضة حول الأمن البحري قد يدفع الأطراف الإقليمية إلى إعادة حساباتها الأمنية.
وفي منطقة مثل القرن الأفريقي، حيث تتداخل السياسة بالجغرافيا والتاريخ، قد تكون الكلمات أحيانًا أكثر تاثيراً من التحركات العسكرية نفسها.
البحر الأحمر كاختبار جديد للعلاقة بين أسمرا وأديس أبابا
تكشف السجالات الأخيرة أن العلاقة بين إريتريا وإثيوبيا ما زالت محكومة بمعادلة دقيقة تجمع بين التعاون والحذر. وبينما ترى أسمرا في خطاب أواسا تهديداً محتملاً للسيادة، تصفه أديس أبابا بأنه جزء من رؤية دفاعية أوسع.
لكن ما يبدو واضحاً هو أن البحر الأحمر أصبح ساحة اختبار جديدة لهذه العلاقة، حيث تتقاطع مصالح الدول الإقليمية مع حسابات القوى الدولية، ما يجعل أي خطاب سياسي حوله محاطاً بحساسية استثنائية.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يمثل ما جرى مجرد تصعيد إعلامي عابر، أم بداية مرحلة جديدة من إعادة التموضع الاستراتيجي في القرن الأفريقي؟
