
حال إريتريا ما بعد أسياس… إرث الأسكاري والانقسامات العرقية
في مقالٍ عميق عن إريتريا، طرح الصحفي مارتن بلوت تساؤلات هامة حول مستقبل البلاد بعد نهاية حكم الرئيس أسياس أفورقي. في قلب هذا التحليل يكمن التساؤل: كيف ستواجه إريتريا التحديات الداخلية التي قد تطرأ بمجرد زوال النظام، خاصة فيما يتعلق بالصراعات الإثنية والدينية؟ كما يسلط بلوت الضوء على دور الإسكاري كمفهوم يوحد الإريتريين رغم التنوع العرقي والديني بينهم.
الصراعات الإثنية والدينية:
تاريخ إريتريا يعكس صراعات عميقة بين الجماعات الإثنية المختلفة، التي تم تأجيجها في مراحل مختلفة من الاستعمار، سواء خلال الاحتلال الإيطالي أو البريطاني. في الأربعينيات، أظهرت هذه الصراعات نفسها بشكل علني في النقاشات حول الوحدة مع إثيوبيا. وفي الستينيات والسبعينيات، ظهرت هذه الخلافات بشكل أكثر وضوحاً مع انقسام جبهة التحرير الإريتري (ELF) وجبهة التحرير الشعبية الإريترية (EPLF) بسبب التوترات الدينية.
لكن، كما يشير بلوت، فإن الآثار المترتبة على هذه الصراعات قد تكون مبالغاً فيها. فقد أدى التعايش الاجتماعي والاقتصادي الطويل بين الجماعات المختلفة إلى تهدئة هذه الخلافات في العديد من الحالات، وأصبح من الصعب التمييز بين الاختلافات العرقية والدينية.
الإسكاري: الإرث الذي قد يُحافظ على وحدة إريتريا:
ومع ذلك، يرى بلوت أن الإرث العسكري للإسكاري قد يكون أحد القوى التي قد تساعد إريتريا في الحفاظ على وحدتها في المستقبل. فالإسكاري، وهم الجنود الإريتريون الذين خدموا في الجيش الإيطالي، تميزوا بالقدرة على التغلب على الانقسامات الإثنية والدينية. كانوا يقاتلون جنباً إلى جنب في الحروب الاستعمارية، بغض النظر عن خلفياتهم العرقية والدينية، مما شكل نموذجًا للوحدة.
تُظهر تجربة الإسكاري أنه رغم التوترات، يمكن أن تتجاوز المجتمعات الإريترية اختلافاتها إذا كانت هناك قوة موحدة، سواء كان ذلك في الجيش أو في السياقات الأخرى. هذا الإرث قد يشكل أحد الأسس التي يمكن أن تُبنى عليها الجيش الوطني في المستقبل بعد نهاية الحكم الحالي، بحيث يتم تجميع الشعب الإريتري حول فكرة الولاء للوطن بعيدًا عن الانقسامات التقليدية.
هل ستنجح إريتريا في الحفاظ على وحدتها؟
لكن بلوت يشير إلى أن الوضع في إريتريا قد لا يكون سهلاً . فهو يتذكر الصراعات التي عصفت يوغسلافيا قبل انهيارها في التسعينيات، حين كانت هناك توترات عرقية ودينية بين الجماعات المختلفة، لكن هذه التوترات تفاقمت بعد وفاة الزعيم تيتو، مما أدى إلى نشوب حرب عنيفة. يعتقد بلوت أن إريتريا قد تواجه مصيراً مشابهاً إذا لم يتم الحفاظ على وحدة الشعب في ظل الظروف المتغيرة.
كما يشير إلى أن هناك أملاً في أن تُبنى البلاد على أسس من الوحدة الوطنية، مستندة إلى الإرث المشترك للإسكاري، رغم أن هناك تحديات كبيرة قد تعترض الطريق. يجب أن يكون الجيش هو القوة المنظمة التي تساهم في بناء إريتريا موحدة، ولا يمكن للانقسامات الإثنية والدينية أن تعرقل هذا الهدف.
النهاية :
في النهاية تبقى إريتريا في مفترق طرق. بعد أن تُختتم حقبة أسياس أفورقي، سيكون على الشعب الإريتري البحث عن الطريق الأمثل للحفاظ على وحدته. يبقى الأمل أن تكون الدروس المستفادة من إرث الإسكاري هي الأساس لبناء مجتمع موحد ومتضامن، يتجاوز صراعات الماضي ويواجه التحديات المستقبلية بمرونة وقوة.
تعريف مصطلح الإسكاري:
الإسكاري هو مصطلح يُستخدم للإشارة إلى الجنود الإريتريين الذين خدموا في الجيش الإيطالي خلال الاستعمار الإيطالي لإريتريا. وقد لعب هؤلاء الجنود دوراً مهماً في الحروب الاستعمارية الإيطالية في إثيوبيا وليبيا وفي الحروب ضد البريطانيين، وقد كان لهم تأثير كبير في الوحدة الوطنية الإريترية رغم التنوع الإثني والديني بينهم .



