تقارير

الجوع في إريتريا… بين خطاب النظام وواقع المزارعين

تحقيق استقصائي : خاص – شبكة رصد اريتريا الإخبارية

البداية : “أرض الخصوبة… وسكان الجوع”

في قلب القرن الأفريقي، وعلى سفوح الجبال الممتدة من البحر الأحمر إلى الهضاب الوسطى، تقع إريتريا، بلد يُفترض أنه غني بالموارد الطبيعية، ويمتلك تربة خصبة ومناخاً زراعياً متنوعاً. المطر يهطل، والأنهار تجري، والسهول تمتد على مرمى البصر. من الناحية النظرية، لا شيء يمنع إريتريا من أن تكون سلة غذاء حقيقية، لا لشعبها فحسب، بل للمنطقة بأسرها. لكن الواقع، ككل شيء في هذا البلد المعزول، يعكس عكس الصورة المعلنة.

في الوقت الذي يروّج فيه النظام الحاكم لخطاب “الاكتفاء الذاتي” في الغذاء، ويتغنى بمشاريع الري والسدود والمزارع النموذجية التي يديرها الجنود تحت مسمى “الاعتماد على الذات”، يعيش ملايين الإريتريين على حافة الجوع. الجداول الجافة، والمخازن الفارغة، والبطون الخاوية لا تظهر في الإعلام الرسمي، لكنها الحقيقة الوحيدة التي يدركها الفلاح في ريف تسني، واللاجئ على حدود السودان، والمجند الذي يُجبَر على فلاحة الأرض لصالح الجيش.

النظام الإريتري يختطف الرواية ويحتكر الأرقام، في بلد مغلق على الإعلام، تحظر فيه المنظمات الإنسانية، ويُخضع فيه القطاع الزراعي لنظام عسكري صارم يجرّد المزارع من حريته، كما يجرّده من ثمرة جهده. تُصادر الأرض باسم الدولة، ويُجبر الجنود على فلاحتها دون مقابل، وتُباع المحاصيل في السوق السوداء أو تُخزن في مخازن الجيش، بينما لا يجد المواطن كسرة خبز أو لتراً من الزيت عندما يريد بانتظار وقت صرف التموين له اين الامن الغذائي ؟؟

الجهات الرسمية لا تذكر أن نسبة كبيرة من الأراضي الصالحة للزراعة تُترك بواراً بسبب نقص العمالة الناتج عن التجنيد الإجباري الدائم. لا تذكر أن الأطفال يُزجّ بهم في الحقول ضمن برنامج “Maetot” بدلاً من مقاعد الدراسة. لا تذكر أن المجاعة التي تضرب قرى بأكملها تُعتبر من المحرمات الإعلامية. كل ذلك يُغلف بشعارات مثل “الاكتفاء”، و”الاستقلال الغذائي”، و”الصمود في وجه الحصار”، والاحتفال بالتصدي بينما الناس في الداخل يواجهون القهر والجوع، وفي الخارج يفرّون بحثاً عن الخبز والكرامة.

هذا التحقيق يسعى إلى كشف حقيقة الزراعة في إريتريا: من يزرع؟ من يحصد؟ ومن يأكل؟ ويُظهر كيف أصبحت “أرض الخصوبة” ميداناً للجوع، لا بسبب الطبيعة، بل بفعل الإنسان وسياساته. سنعتمد على تقارير منظمات دولية، وشهادات موثقة من مزارعين ولاجئين، وتحليل دقيق لخطاب الدولة مقابل ما يحدث فعلياً في الميدان. الهدف ليس إدانة النظام فقط، بل كشف المنظومة التي جعلت من الغذاء أداة سيطرة، ومن الزراعة مشروعًا عسكريًا لا مشروعاً وطنياً .

المحور الأول: الزراعة في إريتريا – إمكانيات مهدورة

الزراعة تُعد الشريان الرئيسي لحياة الإريتريين، إذ يعتمد عليها أكثر من 75% من السكان بشكل مباشر أو غير مباشر، سواء في كسب قوتهم أو في النشاط الاقتصادي المحلي. رغم هذا الاعتماد الشعبي الواسع، إلا أن القطاع الزراعي في إريتريا يرزح تحت وطأة الإهمال وسوء الإدارة، في ظل نظام يفضل عسكرة الدولة على تطوير مواردها.

بحسب بيانات برنامج الغذاء العالمي (WFP) ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO)، فإن الأراضي الزراعية تشكل ما نسبته 26% من إجمالي مساحة البلاد (أي ما يعادل قرابة 31,000 كيلومتر مربع من أصل 117,600 كيلومتر مربع). ورغم هذه الإمكانيات، فإن أقل من 4% فقط من هذه الأراضي تتم زراعتها سنوياً، وهو رقم يعكس حجم الهدر الصارخ للموارد.

الأمر لا يتعلق فقط بالأرض، بل بالماء أيضاً. فإريتريا تمتلك شبكة من الأنهار الموسمية، مثل نهر بركة ومارب وعنسبا، إضافة إلى معدلات أمطار جيدة نسبياً في المرتفعات الوسطى. لكن الزراعة لا تزال تعتمد بشكل شبه كلي على مياه الأمطار الموسمية، ما يجعلها عرضة شديدة للتقلبات المناخية. فموسم واحد من الجفاف كفيل بإدخال آلاف العائلات في دائرة الجوع. وفقاً لتقارير البنك الدولي، فإن أقل من 10% من الأراضي المزروعة في إريتريا مزودة بأنظمة ري دائمة أو جزئية، مقارنةً بمتوسط إقليمي يبلغ أكثر من 35% في القرن الأفريقي.

تقديرات الأمم المتحدة لعام 2022 تشير إلى أن نحو 70% من سكان إريتريا يعانون من انعدام الأمن الغذائي بدرجات متفاوتة. وهذا في بلدٍ يمتلك موارد زراعية كافية لسد حاجته الداخلية بل وتحقيق فائض تصديري لو استُثمرت الموارد بشكل علمي ومدني. لكن السياسات القائمة تحرم المواطنين من ثمار أرضهم، وتُوجه طاقات الدولة إلى أولويات أمنية وعسكرية.

باختصار، إريتريا ليست بلداً فقير الموارد، بل بلد فقير الإدارة. الأرض موجودة، المياه موجودة، والناس على استعداد للعمل، لكن ما ينقص هو الإرادة السياسية لتحرير الزراعة من قبضة العسكرة، وتوظيفها في خدمة الناس لا النظام.

المحور الثاني: الأمن الغذائي – بين التصريحات والواقع

منذ سنوات، لا يتوقف الإعلام الرسمي الإريتري عن الترويج لما يسميه “الإنجاز التاريخي” بتحقيق الاكتفاء الذاتي في الغذاء، حيث تُعرض مشاهد الحقول الخضراء، وتُعلن خطط الحصاد الموسمي وكأن البلاد تقف على عتبة النهضة الزراعية. لكن الواقع الميداني والتقارير الصادرة عن منظمات الأمم المتحدة تقول شيئاً مختلفاً تماماً، بل وصادماً.

الحكومة تدعي أن الإنتاج المحلي يغطي حاجات المواطنين، لكنها لا تنشر أي بيانات مستقلة تدعم هذا الزعم. بالمقابل، يشير تقرير مشترك صدر عن برنامج الغذاء العالمي (WFP) ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO) في عام 2022 إلى أن الإنتاج المحلي من الغذاء في إريتريا لا يغطي سوى 60% إلى 70% من احتياجات السكان الفعلية، وأن الفجوة الغذائية تضطر الدولة بشكل سري أو عبر جهات ثالثة إلى استيراد المواد الأساسية أو الاعتماد على المساعدات الخارجية، رغم إنكار ذلك رسمياً لكي لا يهاجمها الإعلام العالمي بان هذه النظام الديكتاتوري يكيل بمكيالين .

وتزداد خطورة هذه الفجوة حين نعلم أن حوالي 37% من السكان يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، خاصة في المناطق الريفية النائية. وهذا يعني أن أكثر من ثلث السكان يعيشون بشكل يومي على حافة الجوع، في بلد يدعي أنه “حقق الاكتفاء الذاتي”. بينما تشير تقارير البنك الدولي إلى أن قرابة 65% من سكان الريف يصنفون تحت خط الفقر، أي أنهم غير قادرين على تلبية حاجاتهم الأساسية من الغذاء والمأوى والصحة، ناهيك عن الكرامة والحرية.

هذا التناقض الصارخ بين خطاب النظام وبيانات الواقع لا يمكن تفسيره إلا من خلال منهج التضليل الرسمي الذي يحاول تصدير صورة وهمية عن الاستقرار والاكتفاء، بينما تكشف الوقائع أن المواطن الإريتري يدفع ثمن هذه الأكاذيب من صحته وجوع أطفاله. فلا الدولة تسمح للمنظمات الإنسانية بالوصول الكامل إلى المناطق المتضررة، ولا توفر نظام دعم غذائي داخلي، ولا تضع سياسات زراعية مستدامة قائمة على البحث والتخطيط.

المفارقة أن النظام لا يعترف بوجود جوع، بل يعتبر الحديث عنه “مؤامرة خارجية” أو “حرب نفسية”، حتى مع تزايد نسب سوء التغذية، وظهور حالات التقزم ونقص الوزن في الأطفال بنسب مقلقة وفقاً لتقارير “اليونيسيف”. بينما يتم توجيه الموارد الزراعية ومخزونات الحبوب لخدمة مشاريع النظام ومؤسساته الأمنية، أو تصديرها جزئياً لجلب العملة الصعبة.

في إريتريا، الجوع ليس نتيجة الجفاف أو فشل الحصاد فحسب، بل نتيجة مباشرة لسياسات متعمدة تحرم الناس من قوتهم، وتفرض رقابة صارمة على إنتاجهم وتوزيعهم ومعيشتهم. إنها دولة تُنتج الجوع سياسياً ، ثم تنفيه إعلامياً ، وتمنع توثيقه ميدانياً .

المحور الثالث: التجنيد الإجباري – استنزاف للعمالة الزراعية

واحدة من أكثر السياسات تدميراً للحياة الاقتصادية والاجتماعية في إريتريا هي سياسة التجنيد الإجباري المفتوح المدة، التي تحولت فعلياً إلى نظام عبودية حديثة يشل قدرة الدولة على النمو، ويستنزف طاقاتها البشرية بلا رحمة. وبينما تسوق الحكومة هذه السياسة تحت غطاء “الدفاع الوطني” و”بناء الوطن”، فإن الواقع يقول إن التجنيد الإجباري أصبح من أكبر المعوقات أمام الزراعة والإنتاج الغذائي في البلاد.

منذ إعلان سياسة “خدمة الوطن” في تسعينيات القرن الماضي، وخصوصاً بعد حرب 1998 مع إثيوبيا، أصبح التجنيد في إريتريا غير مرتبط بمدة زمنية محددة. فالشباب، بعد إتمام المرحلة الثانوية، يُجبرون على الالتحاق بالخدمة العسكرية أو الوطنية، ويظلون فيها إلى أجل غير مسمى. الآلاف من الشباب لا يعرفون متى سيفرج عنهم، أو إن كانوا سيخرجون أصلاً .

هذا النظام أدى إلى هجرة جماعية من القرى والمناطق الزراعية. كثير من العائلات التي كانت تعتمد على أبنائها في الزراعة فقدت هؤلاء الأبناء لصالح الثكنات العسكرية أو مواقع البناء التي يديرها الجيش أو شركات النظام. تقرير مشترك صدر عن منظمة الأغذية والزراعة (FAO) وبرنامج الغذاء العالمي (WFP) عام 2022 أكد أن “نقص العمالة الزراعية في كل مكان في إريتريا يُعزى بشكل أساسي إلى التجنيد الإجباري المفتوح”، مشيراً إلى أن هذه المشكلة باتت تهدد قدرة البلاد على الزراعة حتى في المواسم الممطرة.

الأراضي تُترك دون حراثة. المواسم تمر دون حصاد. المزارع تُهجر، والحقول تُستبدل بثكنات تدريب أو مخازن عسكرية. وبدلاً من دعم الفلاحين، تُجبر الدولة بعضهم على العمل القسري في مزارع تابعة للجيش أو كبار الضباط، دون أجر حقيقي، وتحت إشراف صارم، فيما يُعرف محلياً باسم “الزراعة تحت البندقية”.

بل إن بعض التقارير، منها ما نشرته منظمة “هيومن رايتس ووتش”، تشير إلى أن هناك مزارع حكومية ومزارع مملوكة لضباط كبار تُدار بأيدي مجندين إجباريين، يُجبرون على العمل فيها لساعات طويلة تحت ظروف قاسية، دون أجر أو حماية، ودون أي حق في اختيار مكان أو نوع العمل.

النظام لم يكتفِ بتجنيد الشباب، بل ضم حتى الكفاءات الزراعية والمهندسين والباحثين ضمن هذا النظام، مما حرم القطاع الزراعي من الكوادر المؤهلة لتطويره علمياً وتقنياً. النتيجة: قطاع معتمد على الزراعة اليدوية البدائية، بلا عمالة كافية، وبلا إدارة علمية، في بلدٍ يُفترض أنه قادر على الاكتفاء.

التجنيد الإجباري في إريتريا لا يحمي الحدود، بل يدمر الحقول. لا يبني الدولة، بل يفكك القرى. ما يدعيه النظام بأنه “خدمة وطنية” هو في حقيقته تجريف ممنهج للموارد البشرية، وتدمير لواحد من أهم مقومات الاستقرار: القدرة على إنتاج الغذاء بأيدي الشعب.

المحور الرابع: الأطفال في الحقول – عمالة قسرية تحت غطاء “الوطنية”

بينما تدعي الحكومة الإريترية أنها توفر التعليم الإلزامي وتحارب الفقر، فإن الآلاف من الأطفال الإريتريين يُجبرون على ترك مقاعد الدراسة والالتحاق بأعمال زراعية مرهقة في سن مبكرة، ضمن ما يسمى بـبرنامج “Maetot” – وهو برنامج حكومي يُنفذ بين الصفوف الدراسية التاسع إلى الحادي عشر، ويُقدَّم باعتباره “مشاركة وطنية” أو “خدمة مجتمعية”، لكنه في الواقع لا يختلف كثيرًا عن العمل القسري المنهجي.

في المناطق الريفية على وجه الخصوص، يُجبر الطلاب على العمل في حقول الزراعة التابعة للدولة أو الجيش، غالباً في ظروف قاسية، ولفترات طويلة تمتد خلال العام الدراسي. الأطفال الذين يُفترض أن يكونوا في الصفوف الدراسية الأساسية يُستغلون في حراثة الأرض، حصد المحاصيل، وجمع الأخشاب، دون أجر، وبدون أي تدابير صحية أو تعليمية مرافقة.

وزارة العمل الأمريكية (U.S. Department of Labor) نشرت في تقريرها السنوي لعام 2023، والمعنون “Findings on the Worst Forms of Child Labor”، فصلاً خاصاً عن إريتريا، وأكدت فيه:

“Children in Eritrea are subjected to the worst forms of child labor, including forced labor in agriculture as part of national service or development programs, such as the Maetot program. Students in grades 9 to 11 are regularly mobilized to perform agricultural labor, often in harsh conditions, which interferes with their schooling and poses serious risks to their health.”

(المصدر: U.S. Department of Labor, 2023 Report – Eritrea Section)

أي أن الوزارة الأميركية تُصنف برنامج Maetot ضمن أسوأ أشكال عمالة الأطفال، وهو ما يضع إريتريا في قائمة الدول التي تنتهك اتفاقيات حقوق الطفل وحقوق العمل.

الأطفال الذين يعملون في الزراعة ضمن هذا البرنامج يفقدون فرصهم في التعليم، كما أن تعرضهم المبكر لأعمال شاقة يؤدي إلى مضاعفات صحية ونفسية دائمة. كثير منهم يضطر لترك المدرسة نهائياً بعد هذه التجربة، أو يلتحق مبكراً بالخدمة الوطنية، لتبدأ دورة الاستغلال من جديد.

الحكومة من جهتها لا تعترف بأن هذا “عمل قسري”، وتُصر على أنه “إعداد وطني”، لكن لا توجد أي معايير أو رقابة أو برامج متابعة نفسية أو صحية لهؤلاء الأطفال. الأسوأ أن كثيراً من هذه الأعمال تتم تحت إشراف مسؤولين محليين، وفي بعض الحالات بالتعاون مع وحدات من الجيش، ما يُحول العملية إلى تجنيد مبكر مُقنّع.

في بلدٍ يُفترض أنه يحرص على تنمية موارده البشرية، تُستنزف الطفولة في الحقول، لا في المدارس. وتُزرع الأرض بآهات صغار السن، لا بثمار التنمية. الزراعة بالإجبار لا تبني وطناً، بل تهدم أجيالًا.

المحور الخامس: الفساد والاحتكار – كيف يُخنق المزارعون في إريتريا؟

في بلد يُفترض أن يكون الزراعة فيه شرياناً للحياة، تُعامل الأرض والمزارع في إريتريا كأدوات خاضعة بالكامل لإرادة الدولة، لا كركائز لتنمية وطنية أو اكتفاء غذائي. المزارع الإريتري اليوم لا يملك قراره، ولا ثمرة جهده، بل يعيش في ظل منظومة احتكار حكومي مركزي، وفساد منظم، يقتل أي حافز للإنتاج، ويخنق من تبقى من الفلاحين في القرى والحقول.

المزارعون في إريتريا يُجبرون بحكم الأمر الواقع على بيع محاصيلهم إلى شركات أو مؤسسات تابعة للدولة أو الجيش بأسعار تُحدد مسبقاً ، ودون تفاوض، وغالباً ما تكون هذه الأسعار أقل بكثير من تكلفة الإنتاج أو من الأسعار الحقيقية في السوق. لا توجد سوق حرة. لا يوجد عرض وطلب. بل توجد سلطة واحدة، هي من تشتري، وتحدد السعر، وتعيد توزيع الغذاء وفق أولوياتها السياسية والعسكرية.

لاجئ في أوروبا عندما كان مزارعاً من منطقة قندع، تحدث لشبكة “رصد إريتريا” الإخبارية (طلب عدم كشف هويته)، قال:
“نبيع الذرة بأسعار تحددها الجهات الرسمية، لا تكفينا حتى لشراء السماد للموسم القادم. وإذا حاولت تخزين بعض الإنتاج لعائلتك، تُتّهم باحتكار الغذاء وقد تُعاقب.”

هذا الاحتكار لا يتوقف عند التسويق. حتى المدخلات الزراعية من بذور وأسمدة ومعدات تخضع لرقابة صارمة، ولا تُوزع إلا عبر قنوات رسمية خاضعة لأجهزة الدولة أو شركات عسكرية. والأسوأ: عدم توفرها بشكل منتظم، أو ارتفاع أسعارها خارج متناول المزارعين الفقراء. وهنا تظهر ملامح الفساد جلية؛ فهناك تقارير متكررة عن مسؤولين محليين يحتكرون بيع الأسمدة أو الوقود الزراعي في السوق السوداء، أو يبيعونها لدوائرهم الخاصة بينما تُحرم الأغلبية من الوصول إليها.

الفساد الإداري يضرب في جذور البنية التحتية. الري نادر، والسدود القليلة تعاني من ضعف الصيانة. الطرق الزراعية متهالكة أو غير موجودة، مما يعزل القرى عن الأسواق. والمساعدات الدولية التي كانت تستهدف تحسين الزراعة حينما كانت تصل غالباً ما يتم تحويل وجهتها أو استغلالها لأغراض سياسية.

الأدهى أن أي محاولة للمزارعين لتنظيم أنفسهم في تعاونيات مستقلة أو جمعيات زراعية حرة تُقابل بالرفض أو القمع. النظام يعتبر أي تجمع خارج السيطرة تهديداً ، حتى لو كان هدفه تحسين الإنتاج الزراعي. كل شيء يجب أن يكون تحت عباءة “حزب الجبهة الشعبية” أو الجيش.

والنتيجة؟ المزارع الإريتري اليوم مُحاصر من كل الجهات:
• لا يملك حريته في الإنتاج أو التسويق
• لا يحصل على دعم حقيقي أو تسهيلات
• لا يُكافأ على جهده
• بل يُعامل كمجرد مُنفذ لتوجيهات الدولة

في ظل هذه البيئة الخانقة، يختار كثيرون الهجرة أو الهروب، أو ببساطة يتركون الزراعة بالكامل ويبحثون عن أي عمل آخر يضمن لقمة العيش، حتى وإن كانت تحت المخاطرة أو الذل.

نظام يُسيطر على القمح من البذرة إلى الرغيف، ثم يدعي أنه “حقق الاكتفاء الغذائي”. لكن الحقيقة أن الاكتفاء لا يتحقق بالقوة، بل بالحرية. والمزارع لا يُنتج وهو مُهدد أو مُستنزف أو مكسور، بل حين يُعامل كشريك في بناء الوطن.

المحور السادس : المبادرات الدولية – دعم محدود وتأثير ضعيف في ظل رقابة السلطة

رغم أن المجتمع الدولي لم يُغفل إريتريا من خارطة البرامج التنموية، فإن تأثير المبادرات الدولية على الزراعة والأمن الغذائي في البلاد ظل ضعيفاً وهامشياً ، لا لضعف التمويل، بل بسبب عراقيل يفرضها النظام الإريتري نفسه. منظمات مثل منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، والصندوق الدولي للتنمية الزراعية (IFAD)، وبرنامج الأغذية العالمي (WFP)، حاولت بدرجات متفاوتة تنفيذ برامج لتحسين الإنتاج الزراعي، تطوير تقنيات الري، دعم المزارعين، وتحسين التغذية، خصوصاً في المناطق الريفية. لكن نتائج هذه المشاريع ظلت محدودة وغير مستدامة.

أرقام تكشف هشاشة الأمن الغذائي
• 65% من سكان الريف في إريتريا يعيشون تحت خط الفقر، حسب تقرير IFAD لعام 2020.
• 37% من السكان يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي وفقاً لنفس التقرير.
• تقرير مشترك بين FAO وWFP لعام 2022 أشار إلى أن ما بين 1.3 إلى 1.5 مليون شخص في إريتريا معرضون لخطر الجوع وسوء التغذية.
• في تصنيف مؤشر الجوع العالمي (Global Hunger Index) لعام 2023، جاءت إريتريا ضمن الدول المصنفة في خانة “مقلقة للغاية”، لكنها لم تظهر بتصنيف دقيق بسبب نقص الشفافية الحكومية وغياب البيانات الرسمية.

النظام: من يراقب المساعدات يتحكم في مصيرها

النظام الإريتري يتعامل مع المبادرات الدولية كأداة دعائية لا كشراكة تنموية. المساعدات تخضع لمراقبة شديدة من أجهزة الدولة، ويتم توجيهها عبر قنوات رسمية تخدم أولويات السلطة، وليس دائمًا الأولويات الفعلية للسكان.

في حالات عديدة، اشترطت الحكومة أن تُنفذ البرامج عبر كوادرها أو تحت إشراف مباشر من الحزب الحاكم أو الجيش. هذا أدى إلى:
• تأخر تنفيذ المشاريع .
• الفشل في الوصول للمستفيدين الحقيقيين .
• انسحاب بعض المنظمات بالكامل بسبب ضعف القدرة على العمل باستقلالية.

برنامج دعم الريف الذي أطلقه IFAD بالتعاون مع الحكومة في السنوات الماضية، واجه عقبات بيروقراطية وميدانية، منها:
• صعوبة التنقل للمراقبين الدوليين داخل البلاد
• منع زيارات التقييم الميداني للقرى والمزارع
• رفض نشر بيانات شفافة حول أثر البرنامج

لماذا يرفض النظام الانفتاح على الدعم الخارجي؟

لأن الرقابة تعني المساءلة، والمساءلة تعني كشف الفشل.
النظام الإريتري يبني خطابه الرسمي على أنه مكتفٍ ذاتياً ولا يحتاج إلى أحد. قبول المساعدات، بنظر القيادة، يُضعف رواية “الصمود” و”الاعتماد على النفس”. والأسوأ بالنسبة لهم: أي تدخل دولي مستقل قد يكشف عمق الأزمة الحقيقية، ويضعف قبضة الدولة على الموارد، وعلى سكان الأرياف تحديداً الذين يُعتبرون خزّان النظام في العمالة القسرية والزراعة الموجهة.

كما أن الشفافية تتعارض جذرياً مع بنية النظام الأمنية. المنظمات الدولية تُطالب ببيانات، وتُجري مقابلات، وتوثق الأوضاع، وهذا يتعارض مع عقلية الحكم السرية التي لا تقبل التدخل أو المساءلة، حتى لو كان لصالح تحسين حياة المواطنين.

ما تقدمه المنظمات الدولية في إريتريا يظل كقطرة في صحراء، تحاول أن تنقذ، لكنها تُكبّل بقيود النظام. لا يمكن فصل فشل المبادرات عن سياق سياسي قمعي، يرى التنمية تهديدًا للسيطرة، لا فرصة للتحسين.

الطريق الوحيد لتأثير حقيقي لهذه البرامج، هو وجود بيئة شفافة، متعاونة، تضع المواطن في الأولوية لا السلطة. وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل الدعم الدولي “محدوداً ”، وتأثيره “ضعيفاً ”، مهما كانت النوايا صادقة والميزانيات مرصودة.

المحور السابع : شهادات حية – معاناة المزارعين من فم الأرض

في ظل شحّ البيانات الرسمية وسيطرة الدولة على الإعلام، لا تبقى سوى أصوات الناس العاديين المزارعون واللاجئون، أولئك الذين عاشوا القهر اليومي لسياسات النظام، وهم أصدق من يُعبّر عن حقيقة الواقع الزراعي في إريتريا. شهاداتهم تكشف ما لا تقوله التقارير، وتفضح الكارثة من تحت التراب: جوع مفروض، استغلال ممنهج، وخوف لا يُفصح عنه إلا في المنفى.

“نزرع ونتعب… لكن لا نجني شيئًا”

أ.م. (52 عاماً )، مزارع من منطقة قندع، يقول في حديث خاص عبر وسطاء من اللاجئين في شرق السودان:

“نزرع ونتعب، نعمل في الأرض بالشهور، ثم تأتي شاحنات الحكومة وتجمع المحاصيل، تقول لنا هذه أوامر عليا. يدفعون لنا ثمنًا بخساً أقل من نصف سعر السوق. وإذا احتججنا، يُقال إن الزراعة في إريتريا مشروع وطني، والربح للدولة، مش للأفراد.”

يتحدث أ.م عن افتقار تام لأبسط مقومات الدعم:

“لا سماد، لا جرارات، لا قنوات ري. كل شيء نعتمد فيه على المطر. وإذا جاء الجفاف، ما حد يسأل فينا. وإذا جاء المطر، المحصول تسرقه الحكومة.”

“هروب من الجوع والخدمة”

س.ح.، لاجئة إريترية تبلغ من العمر 29 عاماً ، فرت إلى السودان عام 2022 من منطقة حلحل قرب كرن، وهي اليوم تعيش في مخيم الشجراب شرقي السودان. تقول:

“أنا كنت أشتغل بالأرض مع أمي، لكن لما كبرت شوي دخلت الخدمة الوطنية. كنا نُجبر نروح نشتغل في مزارع الدولة. لا نُعطى راتب، فقط أكل وسكن مثل العسكر. بعد سنة هربت. لا في أمل هناك، لا في حرية، ولا أكل حتى.”

تروي كيف أن المزارعين لا يملكون حريّة تقرير مصير محصولهم:

“حتى لو عندك حقل خاص، لا تقدر تبيعه في السوق إلا عبر الدولة. وإذا احتجيت، تتهمك أنك ضد الثورة. الثورة؟ الناس جعانة، والثورة سرقونا باسمها.”

“الجنود في الحقول… لا الفلاحين”

لاجئ آخر، اسمه ت.ف.، كان يعيش في عدي خالا قبل أن يهرب إلى أثيوبيا، يتحدث عن نموذج مزرعة شبه عسكرية في منطقته:

“المزارع الكبيرة تابعة للجيش أو الحزب. الجنود يشتغلوا هناك كأنهم عبيد. لا يقدروا يخرجوا، ولا يتقاضوا رواتب. يشتغلوا في الشمس والوحل، والضباط يبيعوا المحاصيل باسم التنمية.”

“نظام جوع لا نظام إنتاج”

حتى المزارعين الذين بقوا في القرى الصغيرة، يشكون من تسلط المجالس المحلية المحسوبة على الجبهة الشعبية:

“ما في جمعية فلاحين حقيقية. في لجان تراقبك، وتبلغ عنك لو شكّوا أنك ما سلّمت نصيب الدولة من القمح أو الذرة. حتى الثروة الحيوانية عليها رقابة. وكل شيء لازم يمشي عبر المنظمات التابعة للحزب.”

شهادة أخرى من مزارع اسمه ي.أ. في منطقة ساوا، حيث توجد معسكرات التدريب الإجباري، يقول:

“أخذوا أولادي للجيش، وظللت وحدي أزرع. لما جاء الجراد، لا أحد ساعدني. لما اشتكيت، قالوا لي: ‘لا تتذمر، في غيرك ما عنده أرض أصلاً . بدل ما يساعدونا، يلومونا!”

هذه الأصوات توضح الحقيقة ببساطة: الزراعة في إريتريا ليست مصدر رزق، بل فخ من فخوخ الدولة. المزارع يعمل، والسلطة تحصد. الجوع ليس نتيجة فشل زراعي فقط، بل نتيجة نهج سياسي يجرّم الإنتاج المستقل، ويحوّل الأرض إلى أداة سيطرة، والمزارع إلى رهينة.

ينتهي المحور بين نهايات بين الواقع والأمل – نداء من أرض الجوع المقنع

في إريتريا، حيث تشرق الشمس على أرض يمكن أن تُطعم شعباً بأكمله، لا يزال الجوع سيد الموقف. ورغم خُطب النظام عن “الاكتفاء الذاتي” و”الثورة الزراعية”، لا تزال الصحون فارغة في بيوت الفلاحين، ولا يزال الأطفال يُساقون إلى الحقول بدلاً من المدارس، ولا تزال الدولة تبتلع المحصول وتُجبر المواطن على الجوع باسم الوطنية.

لكن وسط هذا الواقع الموجع، هناك أمل لا يموت. أمل يسكن في صدور المزارعين الذين رغم القهر يزرعون، وفي أصوات اللاجئين الذين يروون الحقيقة، وفي كل شاب رفض أن يُستعبد في مزرعة عسكرية باسم الخدمة الوطنية. الأمل موجود حين نعترف بالحقيقة: أن الأمن الغذائي ليس مجرد شعارات، بل منظومة تتطلب إرادة سياسية، حرية اقتصادية، وعدالة اجتماعية.

نخاطب هنا الشعب الإريتري: لا تسمحوا للجوع أن يُجردكم من كرامتكم، ولا تصدقوا رواية السلطة عن إنجازات لم تعيشوها بأنفسكم. أنتم تعرفون الواقع أكثر من أي تقرير. أنتم تعرفون أن الأرض خصبة، لكن السياسات عقيمة. أنتم تعرفون أن المحصول يُسرق، والتعب يُستغل، وأن من يحكم لا يزرع، بل يُجبر الآخرين على الزراعة له.

ونخاطب الإريتريين في الشتات: لا تتركوا وطنكم رهينة لرواية السلطة. ادعموا أهلكم، أوصلوا صوتهم، واستمروا في فضح المنظومة التي حوّلت حقول الذرة إلى ساحات تجنيد، والمزارعين إلى موظفين بلا راتب. استخدموا حريتكم في الخارج للدفاع عن من لا صوت لهم في الداخل.

ونخاطب المنظمات الدولية منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، برنامج الأغذية العالمي (WFP)، الصليب الأحمر، والاتحاد الأوروبي: كونوا أكثر جرأة في مواجهة نظام يقنن التجويع. تقاريركم ضرورية، لكن غير كافية. الدعم المشروط لا يكفي. يجب أن تُربط المساعدات الزراعية بوقف التجنيد الإجباري، واحترام حرية المزارعين، وضمان وصول المساعدات دون وساطة الدولة.

ونخاطب أيضاً الدول المانحة وصانعي السياسات الدولية: إريتريا ليست مجرد دولة فقيرة. إنها دولة تُدير الجوع كسلاح سياسي. أي تمويل لا يراقَب بدقة، يتحوّل إلى وقود لنظام يُغرق مواطنيه في الفقر المُمنهج.

إريتريا لا تحتاج صدقة. تحتاج عدالة. تحتاج إلى تحرير الأرض من قبضة العسكر، وتحرير الفلاح من طوابير التجنيد. تحتاج إلى دولة تُخطط لزراعة القمح، لا لتوزيع الطوابير والبطاقات التموينية.

الطريق طويل، والظروف قاسية. لكن التغيير يبدأ حين نُسمي الأشياء بأسمائها:

هذا ليس “عجزاً زراعياً ”، بل قمعٌ اقتصادي.

ليس “فقراً ريفياً ”، بل نظام إفقار متعمد.

ليس “خدمة وطنية”، بل عبودية حديثة باسم الوطنية.

إريتريا تستحق أن تأكل من أرضها، لا أن تُجَوَّع باسم أمنها.

والمستقبل يبدأ عندما نقرر ألا نصمت.

المصادر و المراجع :

1. منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)

الصفحة القطرية لإريتريا (Country Profile – Eritrea):
‏https://www.fao.org/countryprofiles/index/en/?iso3=ERI

تقرير موجز عن الأمن الغذائي في إريتريا (GIEWS Country Brief – Eritrea):
‏https://www.fao.org/giews/countrybrief/country.jsp?code=ERI

2. الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (IFAD)

الصفحة الرسمية لمشاريع إريتريا في IFAD:
‏https://www.ifad.org/en/web/operations/w/country/eritrea

تقرير إشرافي لمشروع التنمية الزراعية المتكاملة (Integrated Agriculture Development Project – Supervision Report, July 2023):
‏https://www.ifad.org/documents/48415603/49455874/Eritrea%2B2000002081%2BIADP%2BSupervision%2BReport%2BJuly%2B2023.pdf/3da45d2d-67d7-a50f-e17b-d6861c5defe3

3. برنامج الأغذية العالمي (WFP)

معلومات عن عمليات برنامج الأغذية العالمي المتعلقة باللاجئين الإريتريين:
‏https://www.wfp.org/operations/200700-food-assistance-eritrean-south-sudanese-sudanese-and-somali-refugees

4. منظمة العفو الدولية (Amnesty International)

تقرير “You have no right to ask” – Military conscription in Eritrea (2014):
‏https://www.amnesty.org/en/wp-content/uploads/2021/07/afr640012014en.pdf

5. هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch)

تقرير 2019: “They Are Making Us into Slaves, Not Educating Us” – How Indefinite Conscription Restricts Young People’s Rights, Access to Education in Eritrea:
‏https://www.hrw.org/report/2019/08/09/they-are-making-us-slaves-not-educating-us/how-indefinite-conscription-restricts

6. وزارة العمل الأمريكية (U.S. Department of Labor – ILAB)

تقرير أسوأ أشكال عمل الأطفال في إريتريا لعام 2022 (2022 TDA Report – Eritrea):
‏https://www.dol.gov/sites/dolgov/files/ILAB/child_labor_reports/tda2022/Eritrea.pdf

7. مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)

الصفحة الرسمية لإريتريا – مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية:
‏https://www.unocha.org/eritrea

حقوق النشر والحقوق الأدبية محفوظة لصالح شبكة رصد إريتريا الإخبارية.
يحظر التعديل دون إذن خطي مسبق من إدارة الشبكة.
تحتفظ الشبكة بحق اتخاذ الإجراءات القانونية ضد أي انتهاك يعرض العمل للتشويه أو الاستخدام غير المشروع .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى