إريتريا بين شعار الديمقراطية وحقيقة الشيوعية: خداع الاسم وسلطة الواقع

تقرير : شبكة رصد اريتريا الإخبارية

مدخل : بين الشعارات والممارسات.. إريتريا في مفترق الطرق

منذ استقلالها الرسمي عن إثيوبيا عام 1993، تبنّت إريتريا خطاباً سياسياً يقوم على شعارات التحرر، العدالة، والمشاركة الشعبية. وكان العنوان الأبرز لهذا التوجه هو “الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة” (PFDJ)، التي خلفت “الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا” بعد التحرير. وقدّمت الدولة نفسها للعالم على أنها نموذج لدولة ناشئة تسعى لترسيخ مبادئ السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية الشعبية، كركائز تقوم عليها مرحلة ما بعد الاستعمار.

لكن بعد أكثر من ثلاثة عقود من الاستقلال، يتضح أن هذه الشعارات لم تجد طريقها إلى التطبيق العملي، بل أصبحت مجرد أدوات خطابية لتبرير سلطة مطلقة تتركز في يد شخص واحد هو زعيم النظام أسياس أفورقي، وفي حزب واحد هو الجبهة الشعبية. لا توجد في إريتريا انتخابات حرة، ولا تعددية حزبية، ولا إعلام مستقل، ولا قضاء مستقل، ولا فصل حقيقي بين السلطات. والبرلمان الذي يفترض به أن يمثل الشعب معطّل منذ سنوات، والدستور الذي تمت المصادقة عليه عام 1997 لم يُفعَّل قط.

وعلى الرغم من تسميتها بـ”الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة”، فإن النظام القائم في إريتريا يبتعد بشكل كبير عن أي تصور ديمقراطي حقيقي. بل تتقاطع بنيته الفكرية والتنظيمية مع السمات المعروفة للأنظمة الشيوعية السلطوية، مثل الحزب الواحد، الاقتصاد الموجّه، القمع السياسي، والتعبئة الأيديولوجية. ويظهر هذا التشابه في ممارسات النظام اليومية، من فرض الخدمة الوطنية غير المحدودة، إلى هيمنة الجيش والأجهزة الأمنية على مفاصل الدولة والمجتمع، واستخدام خطاب مقاوم للغرب والتعددية السياسية باعتبارها تهديداً “للوحدة الوطنية”.

هذا التقرير يسلّط الضوء على طبيعة هذا النظام، ويقارن بين ما تدّعيه الدولة من ديمقراطية وعدالة، وبين الواقع الذي يشير بوضوح إلى نموذج سلطوي مغلق، يُذكّر بتجارب أنظمة شيوعية كلاسيكية ككوريا الشمالية وكوبا في القرن العشرين. كما يناقش التقرير الأسباب التي دفعت النظام الإريتري لرفض تطبيق النموذج الديمقراطي رغم ادعائه تبنّيه، ويوضح المفارقة بين التسمية والممارسة .

مفهوم الديمقراطية مقابل الشيوعية: بين وعد المشاركة وواقع السيطرة

حين نتأمل في جوهر الديمقراطية، نجد أنها ليست مجرد آلية انتخابية، بل منظومة متكاملة تُبنى على أساس احترام التعددية، وتمكين المواطنين من المشاركة في صناعة القرار. في النظم الديمقراطية الحقيقية، تتعدد الأحزاب وتتنافس في مناخ حر، تُحترم فيه حرية التعبير، وتُكفل فيه الحقوق المدنية والسياسية لكل فرد. السلطة في الديمقراطية ليست غاية بل وسيلة لخدمة الشعب، وهي سلطة محدودة بقوانين، وتخضع لرقابة مؤسسات مستقلة، مثل القضاء الحر، والبرلمان المنتخب، والإعلام غير المُقيّد.

في المقابل، تحمل الشيوعية السلطوية تصوراً مغايراً تماماً، فهي تضع الحزب لا الشعب في قلب الدولة. الحزب الواحد يحتكر القرار، ويوجّه الاقتصاد، ويتحكم في الإعلام، ويقمع الأصوات المعارضة تحت ذريعة “مصلحة الدولة العليا”. في هذا النموذج، لا وجود فعلي لمعارضة سياسية، ولا تداول حقيقي للسلطة، بل تتحول الدولة إلى أداة لقمع الاختلاف، ويُجبر الناس على التماهي مع أيديولوجية رسمية لا تقبل النقاش.

الديمقراطية تُبنى على الثقة في المواطن، أما الشيوعية السلطوية فتنطلق من الشك فيه. الديمقراطية تعني حكم الشعب بالشعب ولأجل الشعب، أما الشيوعية السلطوية فتنتهي بحكم الحزب للحزب ولصالح قيادته. من هنا، يصبح الفارق بين المفهومين جوهرياً ، لا في النظرية فقط، بل في الممارسة اليومية لحياة الشعوب، وفي المساحة التي يملكونها لقول “لا” دون خوف.

ما يحدث في إريتريا اليوم، حين ترفع شعارات الديمقراطية بينما تمارس نموذجاً أقرب للشيوعية القمعية، يكشف هذا التناقض بوضوح. فهل من المنطقي أن تكون هناك “جبهة شعبية للديمقراطية” بلا انتخابات حرة، و”عدالة” بلا قضاء مستقل، و”حرية” في ظل اختفاء الإعلام المستقل؟ تلك هي الأسئلة التي لا بد أن تُطرح إذا أردنا فهم طبيعة النظام الحقيقي.

ملامح الشيوعية في النظام الإريتري

•حزب واحد مهيمن: الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة (PFDJ) هي الحزب الوحيد، ولا يُسمح بأي أحزاب أو حركات سياسية مستقلة.

•تأليه السلطة: شخصية الرئيس أسياس أفورقي تحكم دون تفويض شعبي منذ الاستقلال، دون انتخابات أو رقابة، وهذا يتماشى مع الزعامات الشيوعية.

•تجميد الدستور: رغم إقرار دستور 1997، لم يتم تطبيقه، ما يمنح القيادة التنفيذية سلطات مطلقة.

•سيطرة الدولة على الموارد: معظم قطاعات الاقتصاد تحت سيطرة الحكومة أو الجيش، وتُستخدم العمالة القسرية (من خلال الخدمة الوطنية) لتشغيل المشاريع العامة.

•التعبئة الجماهيرية: استخدام التعليم، الإعلام، والمنظمات الجماهيرية لفرض ولاء أيديولوجي يشبه النموذج الكوبي أو الكوري الشمالي .

أين الديمقراطية؟ تساؤل مشروع في ظل واقع استبدادي خانق

حين تتأمل الشعارات التي ترفعها الدولة الإريترية مثل “الديمقراطية” و”العدالة الشعبية”، قد تظن للوهلة الأولى أنك أمام تجربة سياسية فريدة تسعى إلى تمكين المواطن وتحقيق العدالة الاجتماعية. لكن ما أن تقترب من الواقع، حتى تتبخر تلك الأوهام سريعًا، ويتضح أن ما يُمارس فعليًا هو نقيض ما يُعلَن. السؤال الجوهري الذي يطرحه المواطن الإريتري – في الداخل والخارج هو ببساطة: أين الديمقراطية؟

1.غياب الانتخابات تمامًا منذ الاستقلال

إريتريا نالت استقلالها رسميًا عام 1993، ومنذ ذلك الحين لم تُجرَ أي انتخابات رئاسية أو برلمانية. ورغم أن الدستور الإريتري تمت صياغته في عام 1997، إلا أنه لم يُفعّل أبدًا. لا يُسمح للمواطنين باختيار ممثليهم، ولا توجد دورة انتخابية منتظمة، ولا وجود لمفوضية مستقلة للانتخابات. الحكم يتم بالتعيين المباشر من قِبل رأس الدولة، أي الرئيس أسياس أفورقي، الذي يحكم البلاد دون أي تفويض شعبي أو شرعية انتخابية منذ أكثر من ثلاثة عقود.

2.قمع الحريات السياسية والمعارضة

المعارضة السياسية محظورة تمامًا. لم تُسمح بتعدد الأحزاب أبدًا، وكل محاولات تشكيل معارضة – حتى من داخل الحزب الحاكم نفسه تم قمعها بعنف. أبرز مثال على ذلك اعتقال أعضاء مجموعة “G-15”، وهم قادة من الجبهة الشعبية طالبوا بإصلاحات داخلية وتنفيذ الدستور. تم اختفاؤهم منذ عام 2001 دون محاكمة أو أي معلومات عن مصيرهم، في انتهاك صارخ لأبسط المبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان.

3.إعلام خاضع بالكامل للسلطة

لا وجود لأي صحيفة أو قناة تلفزيونية أو إذاعة مستقلة داخل إريتريا. كل وسائل الإعلام مملوكة للدولة، وتخضع لرقابة صارمة. يُمنع أي انتقاد علني للحكومة، ويُلاحق الصحفيون والمدوّنون حتى لو كتبوا مقالات في الخارج. الصحافة في إريتريا تُستخدم كأداة دعائية للنظام، لا كوسيلة لنقل الحقيقة أو تمثيل صوت الشعب. وقد وُصفت البلاد بأنها واحدة من أسوأ الدول في العالم من حيث حرية الصحافة، وفق تقارير منظمات دولية مثل “مراسلون بلا حدود”.
4.لا فصل بين السلطات: القضاء والتشريع تحت السيطرة

النظام الإريتري لا يعترف فعليًا بمبدأ الفصل بين السلطات. القضاء خاضع للسلطة التنفيذية، ولا يتمتع باستقلالية. القرارات القضائية، خاصة في القضايا السياسية، تُدار بأوامر مباشرة من جهات أمنية. أما السلطة التشريعية (البرلمان)، فهي غير فاعلة، ولم تُعقد أي جلسات رسمية له منذ سنوات طويلة. لا يُعرف من هم أعضاؤه، ولا يصدر عنه أي قوانين، ما يعني أن كل السلطة الفعلية مركّزة بيد الرئيس ومكتبه.

إذا كانت هذه هي معايير الحكم، فأين تقع الديمقراطية؟

من الواضح أن النظام السياسي في إريتريا لا يتقاطع مع المفهوم الديمقراطي إلا على مستوى الاسم فقط. لا مشاركة شعبية، لا تداول سلطة، لا حريات سياسية أو إعلامية، ولا مؤسسات مستقلة. الديمقراطية، في معناها الحقيقي، غائبة بالكامل عن المشهد. إنها مجرد شعار بلا مضمون، يُستخدم لتجميل صورة حكم فردي صارم أقرب إلى الديكتاتورية الشيوعية.

هذه الحقائق لا يمكن إخفاؤها بشعارات رنّانة، فالتجربة الإريترية تطرح اليوم تساؤلات وجودية على شعبها: هل نحن فعلاً نعيش في دولة ديمقراطية؟ أم أننا أسرى نظام سلطوي باسم التحرير والمقاومة؟

التناقض في التسمية: ديمقراطية العنوان.. وشمولية المضمون

يحمل اسم الحزب الحاكم في إريتريا “الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة” وقعاً يوحي بالحرية، المشاركة، والتوزيع العادل للسلطة والثروة. لكنه في الواقع لا يعكس سوى قشرة لغوية براقة تخفي وراءها نظامًا أحاديًا صارمًا، لا يمت للديمقراطية أو العدالة بصلة.

هذا الاستخدام الانتقائي لمصطلحات مثل “الشعب”، “الديمقراطية”، و”العدالة” ليس جديداً، بل هو جزء من تقليد سياسي معروف في الأنظمة الشمولية التي تُلبس الاستبداد ثياب التحرر. فتسميات مثل:

• “الجمهورية الديمقراطية الشعبية الكورية” (كوريا الشمالية)
• “جمهورية الصين الشعبية”
• و”جمهورية إثيوبيا الديمقراطية الشعبية” في عهد منغستو

كلها تشترك في نقطة واحدة: الأسماء المبهرة، والممارسة القمعية.

في إريتريا، لا يُنتخب القادة، ولا توجد أحزاب، ولا يُسمح للمعارضين بالتعبير، ولا تُحترم الصحافة أو استقلال القضاء. فكيف يمكن لحزب يحمل اسم “الديمقراطية والعدالة” أن يُبرر حكمًا مطلقًا امتد لعقود بلا انتخابات ولا دستور مفعّل؟

الجواب: لأن الاسم أداة تجميل سياسي، وليس وصفاً حقيقياً للمضمون.
إنه تناقض فجّ بين ما يُكتب على اللافتة، وما يُمارَس خلف الجدران.

مخرج : بين الشعارات والواقع.. شعب ينتظر حريته

رغم الشعارات الرنانة التي ترفعها “الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة”، يظل الواقع الإريتري محكوماً بنظام أقرب إلى الشيوعية السلطوية منه إلى أي شكل من أشكال الديمقراطية. لا تداول للسلطة، لا إعلام حر، لا قضاء مستقل، ولا صوت للشعب في تقرير مصيره.

هذا التناقض الصارخ بين الاسم والممارسة لا يمكن أن يستمر بلا ثمن. فالشعوب قد تصمت تحت القمع، لكنها لا تنسى، ولا تفقد حلمها بالحرية. والإريتريون، رغم كل الحواجز، ما زالوا يحتفظون بذلك الحلم العميق: أن يكون لهم وطن لا يُدار بالشعارات، بل تُبنى فيه المؤسسات، وتُحترم فيه الإرادة الشعبية.

السؤال الذي لا يمكن تجاهله: متى تتحول الشعارات إلى أفعال، وتُمنح إريتريا حقها الطبيعي في الديمقراطية الحقيقية ؟

المصادر و المراجع

1. تقرير وزارة الخارجية الأمريكية حول ممارسات حقوق الإنسان في إريتريا لعام 2023
هذا التقرير يسلط الضوء على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في إريتريا، بما في ذلك القمع السياسي وغياب الانتخابات.
2. تقرير منظمة فريدوم هاوس: إريتريا
يصنف هذا التقرير إريتريا كدولة غير حرة، ويشير إلى غياب الانتخابات منذ الاستقلال وهيمنة الحزب الواحد.
3. تقرير هيومن رايتس ووتش العالمي لعام 2025: إريتريا
يوثق هذا التقرير استمرار القمع وانتهاكات حقوق الإنسان في إريتريا، بما في ذلك الخدمة العسكرية الإلزامية غير المحددة.
4. تقرير منظمة العفو الدولية: حقوق الإنسان في إريتريا
يركز هذا التقرير على الخدمة العسكرية الإلزامية والانتهاكات المرتبطة بها، بالإضافة إلى قمع الحريات الأساسية.
5. تقرير الأمم المتحدة حول حالة حقوق الإنسان في إريتريا
يقدم هذا التقرير تقييمًا لحالة حقوق الإنسان في إريتريا، مع التركيز على التحديات والقيود المفروضة على الحريات الأساسية.
6. تقرير مشروع BTI لعام 2024: إريتريا
يصف هذا التقرير إريتريا كدولة ديكتاتورية، مع غياب المشاركة السياسية وحقوق الإنسان الأساسية.
7. مقالة من صحيفة الغارديان: “كان من المريح تقريبًا عندما مات شخص ما”: سجناء سابقون عن التعذيب والرعب في سجون إريتريا السرية
تتناول هذه المقالة شهادات سجناء سابقين حول التعذيب والانتهاكات في السجون الإريترية

Exit mobile version