إريتريا تحت وطأة الجمود السياسي: الأحزاب المعارضة بين الضعف والفشل

تقرير : شبكة رصد اريتريا الإخبارية

مدخل

منذ أكثر من ثلاثة عقود، يعيش الشعب الإريتري تحت وطأة نظام قمعي أحرق أحلامه وأغلق أمامه كل أفق للحياة الحرة الكريمة.
بينما كانت أنظار الإريتريين تتطلع نحو أحزابهم السياسية كي تكون صوتهم، وممثلاً لطموحاتهم، وقائداً لمعركتهم نحو الحرية، اصطدموا بواقع أكثر مرارة:
أحزاب تدّعي تمثيلهم، لكنها في حقيقة الأمر، أصبحت عبئاً إضافياً على قضيتهم الوطنية.

رغم المآسي التي يمر بها الإريتريون يومياً،
ورغم الدماء المسفوكة في السجون،
ورغم الشتات الذي قسم العائلات وشرد الأجيال،
لا تزال هذه الأحزاب غارقة في سباتها، تلوك الشعارات القديمة، وتعيد تكرار أخطاء مدمرة بحجم وطن.

يعيش الشعب الإريتري بين مطرقة نظام مستبد لا يعرف الرحمة، وسندان معارضة مشلولة تفتقد إلى الرؤية والجرأة والقدرة على الفعل.
وفي الوقت الذي كان يجب أن تكون فيه الأحزاب قوة قائدة نحو التغيير، أصبحت مجرد كيانات خاوية تتحرك بدون روح، تتصارع فيما بينها على أوهام الزعامة، فيما الوطن يتآكل كل يوم أمام أعينهم.

المجتمع الدولي، الذي كان يمكن أن يكون سنداً وداعماً للحق الإريتري، لم يجد في هذه الأحزاب شريكاً موثوقاً.
فغابت القضية الإريترية عن أجندة المحافل الكبرى، وتراجع الاهتمام الإقليمي والدولي بها، لأن من يفترض بهم أن يحركوا الملفات اكتفوا بالبيانات الخجولة والاجتماعات العبثية.

اليوم، وبعد سنوات طويلة من الخيبات والتراجع، يحق لنا أن نوجه سؤالاً صارخاً إلى هذه الأحزاب:
لماذا فشلتم؟
لماذا لم تستطيعوا إسقاط نظام معزول يفتقر لأي قاعدة شعبية؟
أليس من العار أن يستمر نظام استبدادي بهذا الضعف لعقود طويلة، بينما أنتم تتناحرون داخل قاعاتكم المغلقة؟

إن معركة تحرير إريتريا الثانية معركة الحرية من النظام الديكتاتوري تحتاج رجالاً ونساءً بقامة الوطن، لا هواة سياسة ولا تجار نضال.

هذا التقرير النقدي محاولة لوضع النقاط على الحروف.
لتحمل هذه الأحزاب مسؤوليتها الكاملة.
ولتسأل: إن لم تكونوا قادرين على الفعل اليوم، فمتى؟

فشل الأحزاب السياسية الإريترية في بناء مشروع وطني موحد

منذ أن استولى النظام الإريتري على السلطة بعد الاستقلال، ظل الشعب الإريتري يحلم بظهور قوى سياسية قادرة على أن تقدم بديلاً وطنياً ناضجاً ومسؤولاً.
ولكن، للأسف، جاءت الأحزاب السياسية لتخيب الآمال مرة تلو الأخرى.

بدلاً من أن توحد الصفوف حول مشروع وطني جامع يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، انشغلت الأحزاب بمعارك صغيرة عبثية.
تحولت القضية الوطنية من معركة حرية وشرف إلى سوق مفتوح للمزايدات الطائفية والعرقية والحسابات الشخصية.
كل حزب يزعم أنه الممثل الشرعي للشعب، بينما هو في الواقع لا يمثل إلا بقايا تنظيمات متشرذمة تبحث عن مكاسب آنية.

لم تبنِ هذه الأحزاب برنامجاً عملياً لإسقاط النظام،
ولا وضعت تصوراً واضحاً لإدارة المرحلة الانتقالية،
ولا استطاعت صياغة رؤية مستقبلية لإريتريا ما بعد الدكتاتورية.

غياب العمل المؤسسي جعلها رهينة للأشخاص لا للمبادئ.
القيادات تتمسك بالكراسي أكثر مما تتمسك بالقضية.
الانقسامات مستمرة منذ سنوات دون أفق للحل.

أسوأ ما في المشهد أن هذه الأحزاب، رغم معرفتها بحجم الخطر الذي يهدد وطنها، لم تخرج بمشروع وطني موحد.
لم تجتمع على كلمة سواء.
لم تعلن عن ميثاق وطني جاد تلتزم به أمام شعبها وأمام العالم.

التاريخ مليء بالأمثلة على شعوب تحررت لأنها امتلكت قوى معارضة حقيقية منظمة وموحدة.
أما الحالة الإريترية، فهي درس في كيف تفشل المعارضة حين تضيع الأولويات، ويتحول الصراع إلى حروب صغيرة لا تخدم إلا النظام القائم.

حتى اللحظة، لم نرَ من هذه الأحزاب سوى:
• بيانات خجولة لا تحرك ساكناً.
• مؤتمرات عقيمة تكرر نفس الخطابات الباهتة.
• تحالفات هشة تنهار عند أول خلاف بسيط.

إن فشلهم لم يعد مجرد عثرة سياسية بل أصبح خيانة معنوية لحلم الشهداء الذين قدموا أرواحهم من أجل حرية وكرامة هذا الشعب.

الشعب الإريتري اليوم لا ينتظر تنظيرات فارغة ولا خطابات تحفيزية جوفاء.
هو ينتظر عملاً حقيقياً، تحالفاً صادقاً، ورؤية وطنية تعيد الأمل إليه.

ولكن، ومع هذا الأداء البائس، يبقى السؤال معلقًا:
هل هذه الأحزاب قادرة أصلاً على أن تنهض بمشروع وطني أم أن صلاحيتها انتهت، ويجب أن تفسح المجال لقوى جديدة تصنع التغيير ؟

علاقتهم الضعيفة مع المجتمع الدولي

رغم مرور أكثر من عقدين على نشأة العديد من الأحزاب السياسية الإريترية المعارضة،
لم تستطع هذه الأحزاب أن تبني علاقات جدية أو استراتيجية مع المجتمع الدولي.

المعارضة الإريترية ظلت حبيسة عقلية الانعزال والانكفاء على الذات.
بدلاً من أن تتحرك بذكاء لإقناع العالم بعدالة قضيتها، بقيت متقوقعة في خطاب عاطفي محلي لا يفهمه أو يهتم به أحد خارج الحدود.

لم تنجح الأحزاب في تأسيس لوبيات ضغط في العواصم المؤثرة.
لم توظف المنظمات الحقوقية، ولا الإعلام الدولي، ولا مراكز صنع القرار لصالح مشروعها الوطني.
كانت وما زالت، صوتاً ضعيفاً بالكاد يُسمع، وإن سُمع، فلا أثر له.

في الوقت الذي كانت فيه قضايا أخرى حول العالم تجد دعماً دولياً واسعا بسبب حسن التنظيم والتحرك الذكي،
ظلت الأحزاب الإريترية تتعامل مع المجتمع الدولي بنظرة سطحية بدائية.
لا يوجد مكتب إعلامي محترف.
لا توجد ملفات موثقة تفضح جرائم النظام بطريقة قانونية تصلح للتداول الدولي.
لا يوجد تنسيق مع برلمانات العالم أو مع المؤسسات الأممية.

حتى عندما منحت بعض الأحداث الدولية فرصة نادرة للمعارضة كي تبرز (مثل تقارير حقوق الإنسان الأممية التي أدانت النظام الإريتري)،
لم تستطع الأحزاب أن تترجم هذه الفرص إلى مكاسب سياسية حقيقية.
كانت تتلقى الأخبار كما يتلقاها المواطن العادي، دون أن تكون طرفًا فاعلًا أو حتى معلقًا ذا وزن.

فوق هذا كله، تظهر المعارضة بمظهر المشتت والمنقسم،
مما يجعل المجتمع الدولي يتردد أو يرفض التعامل معها.
العالم يريد شريكاً موثوقاً ومنظماً، لا مجموعة متصارعة لا تملك مشروعاً واضحاً ولا قيادة موحدة.

الدول الكبرى لا تتحرك بدافع العواطف.
هي تتحرك بناءً على حسابات مصالح دقيقة.
وللأسف، لم تقدم الأحزاب الإريترية نفسها يوما كخيار معقول أو مربح لدول المركز.

غياب خطة دبلوماسية فعالة، غياب رموز سياسية دولية ناطقة باسم المعارضة، غياب عمل حقوقي محترف…
كلها أسباب جعلت المجتمع الدولي يتعامل مع القضية الإريترية كقضية منسية على الهامش.

لقد أهدرت الأحزاب الإريترية سنوات طويلة كان يمكن أن تستغلها لفتح الأبواب الدولية،
ولكنها فضّلت البقاء في دوائر مغلقة، تخاطب نفسها بنفسها، وتنتظر معجزة لا تأتي.

اليوم، مع تصاعد الأزمات الإقليمية والدولية، أصبح ملف إريتريا أكثر تهميشًا من أي وقت مضى،
ولم يعد أحد ينتظر شيئاً من هذه المعارضة الضعيفة سوى المزيد من البيانات الباردة واللقاءات التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

السؤال الملحّ الآن:
هل تدرك الأحزاب خطورة تجاهل المجتمع الدولي لقضيتهم؟
وهل تملك الجرأة لإعادة بناء علاقاتها الدولية على أسس مهنية واقعية بدلًا من الشعارات الفارغة ؟

غياب التأثير الحقيقي على دول المركز

في عالم السياسة الدولية، من لا يملك التأثير يموت بصمت.
وهذا هو حال الأحزاب السياسية الإريترية.

رغم أن النظام الإريتري معزول دوليًا ومتهم بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان،
إلا أن المعارضة فشلت في أن تستثمر هذا الوضع لصالحها.
لم تنجح في أن تكون بديلاً مقنعاً في نظر العواصم الكبرى.
بقيت مجرد حالة صوتية هامشية، بلا وزن، بلا حضور، بلا أي تأثير على حسابات دول المركز.

دول المركز (مثل الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا…)
تتحرك وفق مزيج معقد من المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية.
لا تتحرك لأن معارضة ما تصرخ أو تعلن بيانات نارية.
تتحرك عندما ترى كياناً ناضجاً يمكن الاعتماد عليه، كياناً يملك مشروعاً واضحاً وقادراً على تنفيذ وعوده.

لكن ماذا قدمت الأحزاب الإريترية؟
انقسامات لا تنتهي، مؤتمرات بلا نتيجة، بيانات إنشائية، وشخصيات قيادية لا تملك الرؤية ولا القدرة على الإقناع.

لم تخلق هذه الأحزاب مراكز أبحاث أو مجموعات ضغط سياسي (Think Tanks وLobbyists) يمكنها أن تؤثر على صناعة القرار في الغرب.
لم تستثمر في بناء كوادر قادرة على التحدث بلغة المصالح الدولية.
لم تطرح حلولا إبداعية تجعل سقوط النظام الإريتري مصلحة دولية قبل أن يكون مطلبًا محليًا.

غياب هذا الفهم جعل الدول الكبرى تتجاهل المعارضة،
ليس بسبب تحالفها مع النظام القمعي، بل لأنها لا ترى بديلاً جادًا أو مقنعًا.
المعادلة بسيطة:
“إذا لم تستطع أن تكون جزءاً من الحل، فأنت لست جزءا من حساباتنا.”

في الملفات الدولية، يتم التعامل مع الأطراف بحسب قوتها وقدرتها على التأثير.
وحين تكون ضعيفا وممزقاً وغير قادر حتى على التوحد حول مشروع سياسي موحد،
فإن العالم يتجاوزك وكأنك غير موجود.

كان بإمكان المعارضة الإريترية أن تسوّق لإريتريا المستقبل كدولة مستقرة،
تحترم حقوق الإنسان، تحمي الملاحة الدولية، وتساهم في استقرار القرن الأفريقي.
كان بإمكانها أن تقدم خريطة طريق واضحة لما بعد النظام.
كان بإمكانها أن تقنع المجتمع الدولي أن دعمها مصلحة استراتيجية.

لكنها بدلاً من ذلك، غرقت في خلافات عبثية، وأهدرت عقوداً كاملة في معارك داخلية لا قيمة لها.

اليوم، لا أحد في واشنطن أو بروكسل أو لندن يناقش جدية المعارضة الإريترية.
بل بالكاد يذكرونها، وكأنها كائن هامشي بلا أهمية.

إنه فشل ذريع في أبسط قواعد العمل السياسي الحديث:
التأثير، التحالفات، تبادل المصالح، صناعة الصورة الذهنية، كسب الرأي العام الدولي.

مادامت هذه الأحزاب عاجزة عن صناعة نفوذ سياسي حقيقي في دول المركز،
فلن تستطيع تغيير المعادلة في الداخل الإريتري،
ولن تحظى حتى بفرصة الجلوس على طاولة التفاوض لو سقط النظام غدًا.

السؤال الذي يجب أن يُطرح بقوة اليوم:
هل المعارضة مستعدة للاعتراف بفشلها،
وتبني مشروع حقيقي لإعادة بناء حضورها الدولي قبل فوات الأوان؟
أم ستواصل الدوران في الحلقة المفرغة حتى تذوب تماما من ذاكرة العالم؟

طبعًا، سأكتب لك المحور “هل تستطيع الأحزاب إسقاط النظام الإريتري؟” بطريقة مفصلة وطويلة.

هل تستطيع الأحزاب إسقاط النظام الإريتري؟

هذا السؤال يمثل جوهر الأزمة السياسية في إريتريا، ويتناول واحدًا من أكبر التحديات التي تواجه المعارضة الإريترية. من الناحية النظرية، قد يبدو إسقاط النظام الإريتري أمراً ممكناً إذا كانت المعارضة متحدة ولديها مشروع سياسي واضح، ولكن الواقع يفرض أسئلة أكبر: هل تمتلك الأحزاب الإريترية القوة والقدرة على التغيير؟ هل تملك الرؤية التي تجعل من إسقاط النظام هدفًا قابلًا للتحقيق؟ وهل هناك بيئة داخلية وخارجية تدعم هذا التغيير؟

الجواب الواضح، وبناء على واقع الحال، هو أن الأحزاب الإريترية، في حالتها الحالية، غير قادرة على إسقاط النظام الإريتري.

أولاً: غياب التنسيق والاتحاد بين الأحزاب

الحالة الأولى التي تحول دون إسقاط النظام هي الانقسامات العميقة بين الأحزاب السياسية الإريترية. فحتى مع وجود عدد كبير من الأحزاب، نجد أن هذه الأحزاب لا تستطيع التوحد على مشروع واحد أو هدف مشترك. هناك خلافات أيديولوجية وحزبية تتراوح بين الصراعات على القيادة والسيطرة، إلى خلافات حول رؤى السياسة المستقبلية لإريتريا.

لا يمكن للأحزاب أن تتحد على هدف إسقاط النظام بينما هي في حالة من الانقسام المستمر حول كيفية التعامل مع بعض القضايا الجوهرية مثل الديمقراطية، حقوق الإنسان، وتحقيق السلام الداخلي. هذه الخلافات تجعل أي حركة جماهيرية موحدة أمراً صعباً، وبالتالي تصعب إمكانية تنسيق أي حملات كبيرة تهدف إلى إسقاط النظام.

ثانياً: ضعف القاعدة الشعبية

حتى لو تم التغلب على الخلافات بين الأحزاب السياسية، فإن معظم هذه الأحزاب تفتقر إلى قاعدة شعبية كبيرة داخل إريتريا. في ظل القمع المستمر والتضييق الذي يفرضه النظام، صارت المعارضة تحت الأرض إلى حد كبير، وتعمل في سرية تامة خوفاً من الملاحقة والاعتقال.

الأحزاب السياسية الإريترية لم تستطع بناء شبكة واسعة من الدعم الشعبي أو جماهيرية بين المواطنين. هذا يجعلها غير قادرة على حشد التأييد في الشارع الإريتري، وهو أمر حاسم في أي عملية إسقاط للنظام.

من جهة أخرى، لا تملك هذه الأحزاب القدرة على التأثير في الفئات المهمشة في المجتمع الإريتري، مثل الشباب الذين يواجهون استغلالًا في العمل العسكري والعمل القسري، أو النساء اللواتي يعانين من تهميش في جميع نواحي الحياة الاجتماعية والسياسية. بناء قاعدة شعبية من هؤلاء الفئات يتطلب برنامجًا اجتماعياً عميقاً وتحركات ميدانية فعالة.

ثالثاً: الدعم الدولي غير الكافي

إريتريا هي واحدة من أكثر الدول عزلة في العالم، والنظام فيها يتمتع بعلاقات قوية مع بعض القوى الدولية، مثل الصين وروسيا، التي لا تأبه كثيرًا بحقوق الإنسان أو الديمقراطية في هذا البلد. بينما تعتبر بعض الدول الغربية، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، النظام الإريتري قمعياً، إلا أن هذه الدول لم تقدم دعماً فعلياً كبيراً للأحزاب السياسية الإريترية.

غالبًا ما تتعامل القوى الكبرى مع الملفات السياسية الإريترية في سياق أوسع، أي ضمن التحديات الإقليمية في القرن الأفريقي، مثل النزاعات الحدودية مع إثيوبيا والأمن الإقليمي. وبالتالي، فحتى إذا كانت بعض الدول الغربية متعاطفة مع المعارضة، إلا أن هذا لا يترجم إلى دعم فعلي أو ملموس في إسقاط النظام.

إذاً، ليس لدى الأحزاب الإريترية هذا الدعم الدولي الكافي، سواء من الحكومات أو المنظمات الدولية، مما يعزز صعوبة المهمة.

رابعاً: قوة النظام العسكرية والأمنية

يجب أن نتذكر أن النظام الإريتري لا يعتمد فقط على قمع الحريات السياسية، بل هو مدعوم بجهاز أمني وعسكري ضخم، وموارد كبيرة تمكنه من البقاء مستقراً على الرغم من المعارضة الداخلية والخارجية.

إن الجيش الإريتري ليس مجرد جهاز عسكري تقليدي، بل هو جهاز مدرب ومجهز بشكل جيد، وله تأثير كبير في السياسة الداخلية. النظام استثمر بشكل كبير في الأمن الداخلي واستخدام قواته للضغط على المواطنين، مما يعزز استقرار النظام داخليًا.

في حال حدوث أي تحركات للإطاحة بالنظام، فإن القوة العسكرية للنظام ستكون قادرة على سحق أي معارضة قبل أن تتمكن من تحقيق أي انتصار. هذا يجعل أي محاولة إسقاط للنظام أمراً معقداً للغاية رغم محاولة إسقاط النظام عبر عملية فورتو الشهيرة عبر قائدها الذي حاول إسقاط النظام ودي علي و لكن تضل الخيانات والاختراقات سارية حتى الاختناق .

خامساً: غياب الدعم الشعبي الدولي الفاعل

حتى لو كانت هناك بعض الضغوط الدولية على النظام الإريتري بسبب ممارساته القمعية، فإن الدعم الدولي المطلوب لإسقاط النظام – مثل فرض عقوبات اقتصادية حقيقية أو دعم مالي مباشر للمعارضة – لا يبدو قريبًا.

دول المركز، مثل الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، قد تصدر بيانات شجب عن الانتهاكات في إريتريا، ولكنها نادرًا ما تذهب إلى أبعد من ذلك. على الرغم من أن إريتريا تتمتع بموقع جغرافي استراتيجي في القرن الأفريقي، إلا أن القوى الكبرى تتعامل معها بشكل محدود للغاية من حيث التدخل السياسي المباشر.

سادساً: ضعف الرؤية الاستراتيجية لدى المعارضة

أحد أكبر العوائق أمام الأحزاب السياسية الإريترية هو غياب الرؤية الاستراتيجية التي قد تجعل من إسقاط النظام أمرًا عمليًا. لا توجد رؤية واضحة لما بعد النظام، ولا توجد خطة لتشكيل حكومة انتقالية أو لمصالحة وطنية قد تضمن استقرار البلاد بعد سقوط النظام.

إن إسقاط أي نظام سياسي يجب أن يتبعه مشروع دولة جديد قائم على مؤسسات ديمقراطية، عدالة اجتماعية، وحقوق الإنسان. هذا هو التحدي الكبير الذي يواجه المعارضة، حيث تفتقر الأحزاب الإريترية إلى خطة شاملة أو استراتيجية مدروسة لنقل البلاد من حالة الديكتاتورية إلى حالة ديمقراطية حقيقية.

إسقاط النظام الإريتري في الوقت الراهن لا يبدو أمراً واقعياً أو قريبًا. الأحزاب السياسية الإريترية تفتقر إلى وحدة الصف، دعم شعبي داخلي، دعم دولي فاعل، وقدرة على التأثير في التوازنات الإقليمية والدولية. بدون وجود هذه العوامل الحاسمة، تظل المعارضة عالقة في دائرة من الإخفاقات، ومع كل محاولة جديدة، يزداد اليأس ويتسع الفجوة بين الطموحات والواقع.

نداء أخير… أو إعلان شهادة وفاة سياسية

لقد وصلنا إلى نقطة مفصلية في تاريخ الأحزاب السياسية الإريترية، نقطة يحق لنا فيها أن نتساءل: هل لا يزال هناك أمل في أن يكون لهذه الأحزاب دور فعال في التغيير؟ هل لا تزال هذه الأحزاب قادرة على إحداث أي تأثير حقيقي في السياسة الإريترية؟ أم أننا نشهد، وبكل أسف، شهادة وفاة سياسية لهذه الأحزاب التي كنا نأمل أن تكون رافعة للتغيير في البلاد؟ في الحقيقة، وكما يشير الواقع اليوم، فإن الإجابة على هذه الأسئلة مريرة ومؤلمة: الأحزاب السياسية الإريترية قد تجاوزت مرحلة الفشل إلى مرحلة الموات السياسي، وأصبح صوتها غير مسموع حتى في وطنها، ناهيك عن الخارج.

إننا أمام مشهد سياسي شاحب، يتسم بالانقسام التام والتباعد الواضح بين الأحزاب، لا يربطها سوى خطاب لا يتجاوز جدران غرف الاجتماعات المغلقة. لا قدرة على الحشد ولا على التأثير، ولا رؤية واضحة للمستقبل، حتى أصبح من غير الممكن أن نطلق عليها “أحزابًا سياسية” بالمعنى المتعارف عليه. هل هذه هي أحزاب الحرية والعدالة؟ هل هذه هي الأحزاب التي كان يُفترض بها أن تكون صخرة صلبة لتحطم جدران القمع التي أنشأها النظام الإريتري؟ بالطبع لا. لقد تبين أن هذه الأحزاب مجرد ظلال خاوية من المحتوى.

إن واقعنا السياسي اليوم يثبت أن هذه الأحزاب قد اختارت إما العزلة في صمت القبور، أو السقوط في فخ الصراعات الداخلية التي لا تنتهي، مما جعلها عاجزة عن بناء أية قاعدة شعبية أو التأثير في مجريات الأحداث. نسمع وعودًا من هنا وهناك، وبيانات تصدر بين الحين والآخر، ولكن لا شيء على الأرض. لا يوجد تحرك ملموس، لا احتجاجات، لا حملات توعية، لا استراتيجيات واضحة لنزع الشرعية عن هذا النظام. يبدو أن الجميع قد ركنوا إلى القبول بالواقع، أو حتى إلى “سلام داخلي” مشروط بخضوعهم للسلطة الحاكمة، مما يجعل من هذه الأحزاب مجرد ملحقات سياسية هامشية، لا تملك من أمرها شيئًا.

لماذا، إذن، ما زال هذا الجمود يسيطر على هذه الأحزاب؟ أليس هناك ضمير يتألم؟ أليس هناك روح مناضلة تتوق للتغيير؟ إن غياب التنظيم الحقيقي والمشروع الوطني الواضح هو السبب الرئيسي الذي أدى إلى هذه الفوضى والضياع. إنها أشبه بمجموعة من المجموعات التي تشهر شعارات لا تعني شيئًا على أرض الواقع، وتفشل في تجميع الإرادة الشعبية أو حشدها نحو هدف واحد واضح: إسقاط النظام وإعادة بناء إريتريا.

وما يزيد الطين بلة هو علاقتهم الباردة مع المجتمع الدولي. فبدلاً من بناء تحالفات مع قوى الإقليم والعالم، نجدهم عالقين في نزاعاتهم الداخلية ولا يستطيعون تحويل هذه النزاعات إلى مكاسب سياسية. أين هو الدعم الدولي الذي طالما حظيت به قوى المعارضة في دول أخرى؟ لماذا تظل الأحزاب الإريترية معزولة على المستوى الدولي؟ الإجابة تكمن في ضعف التخطيط، وضياع الفرص، وغياب القدرة على تقديم مشروع سياسي مقنع للمجتمع الدولي، ليظلوا في دائرة من الفشل المستمر.

إننا اليوم، ونحن نرى هذا الواقع المرير، نصل إلى قناعة أن هذه الأحزاب، على الرغم من تاريخها النضالي، قد فشلت في الوصول إلى مبتغاها. إنها أشبه بشهادة وفاة سياسية، مع الأسف، وكل ذلك بسبب غياب القيادة الواعية والرؤية الواضحة التي يمكن أن تأخذ بيد البلاد نحو المستقبل. لقد أهدروا فرصًا ثمينة في السعي وراء الأهداف الضيقة والنزاعات التي لا طائل من ورائها، تاركين شعبهم عرضة للظلم والاضطهاد من قبل نظام غاشم لا يرحم.

فهل من استيقاظ ضمير؟ هل من لحظة صحوة؟ لقد حان الوقت لكي يراجع كل حزب وكل منتميه موقفهم من الواقع. حان الوقت لكي يتوحدوا، أن يرموا خلافاتهم جانبًا، وأن يتفقوا على خارطة طريق واحدة، تجمعهم جميعًا على هدف واحد: إسقاط النظام وتحرير الشعب الإريتري من قبضة هذا الحكم الاستبدادي. فالوقت لم يعد في صالحهم، ومع كل يوم يمر، يزداد النظام قوةً، وتزداد المعارضة ضعفًا.

إذا كانت الأحزاب السياسية في إريتريا غير قادرة على إحداث تغيير حقيقي، وإذا كانت عاجزة عن التحرك ولو خطوة واحدة نحو الأمام، فإنه يجب أن نعلنها صراحة: هذه الأحزاب قد ماتت سياسيًا. فمتى ستستفيقون، أيها القادة السياسيون، من هذا السبات؟ وهل هناك وقت كافٍ لإعادة إحياء هذه الأحزاب، أم أننا سنضطر إلى الاعتراف بأنها قد تجاوزت مرحلة الحياة السياسية الفاعلة؟

الأحزاب السياسية في إريتريا أمام مفترق طرق حاسم: إما أن تتحرك اليوم وتعيد إحياء نفسها على أسس جديدة تتفق مع تطلعات الشعب، أو نعلن جميعًا “شهادة وفاة سياسية” لهذا المشهد البائس.

Exit mobile version