قصة قصيرة ..إبراهيم حالي
كنت أسير في تلك المدينة كما يُساق النائم في حلم لا يد له فيه.
كل الطرق تؤدي الي ألا مكان ولا احد ، الأزقة الكئيبة تطردني كما يطرد الايمان ارواحاً غريبة وشريرة .
كنت أجرّ قدميَّ الوحيدتين كمن يجرُّ بقاياه بثقل ، مقاومًا الانحناء في أرضٍ لا تُعير الراكعين التفاتة.
ثم حدَثَ ما يشبه المعجزة.
لمحْتُها،
تتقدّم من بين الضباب، كأنها لا تزال تعيش في تلك الزاوية من الزمن التي تركتُها فيها.
كأن الغياب لم يحدث، كأن المسافات كذبة، والعمر توقف هناك .
وجهُها ذاته.
صوتُها نفس النغمة الأولى التي علّقت قلبي قبل عقود،
كما لو أن الربيع اختزل كل أنغامه في نبرة واحدة، وأهداها لها.
نظرتُ إليها،
فأبصرتُ نفسي في مرايا عينيها،
طفلًا بلا درع،
ولا زمن.
كانت تضحك.
ضحكة تشبه شروقًا جديدًا لأرضٍ لا تعرف سوى الفصول الباردة.
كانت بريئة، نقية، كموجةٍ نسيها البحر في صدري.
احتضنتني حدّ الذوبان،
فذابت داخلي السنوات اليابسة،
وتفتحت في داخلي حدائق من دهشةٍ وارتباك.
دعَتني لفنجان قهوة.
جلسنا في مقهى يشبه الذاكرة،
رائحة البن تختلط بأنفاس الماضي،
وأنا أراقبها تهمس للأشياء من حولها وكأنها تُعيد خلقها.
تسحب خيوطاً من أشعة الغروب وتنثرها علي الطاولة بيننا ثم تضحك .
كان قلبها كتابًا مفتوحًا لا يحتاج إلى كلمات.
وكانت عيناها ترقصان وكأنهما تعزفان الحان حميمة اللقيا.
لم تكبر،
كبرت فقط الملامح قليلاً،
أما الروح فظلت هناك،
حيث كنا..
نضحك، ونحلم، ولا نخاف الغياب.
في كل حركة منها،
كنت أرى انعكاسًا لطفولتنا المشتركة،
كنت أرى الوضوح في غموضها،
وأسمع المعنى في صمتها.
لكن..
ما إن أشرقت اللحظة على قلبي، حتى دبّ فيه الظل.
تسرّبت رعشة خفية إلى أعماقي ،
رغبة غامضة في الهروب،
كما لو أن الجمال فخ،
وأن الحنين كمين لا ينجو منه العائدون.
قمتُ فجأة.
يدُها التقطت يدي،
رجاءٌ صامت في عينيها،
دمعةٌ لم تطلب الإذن كي تُولد.
لكنني كنت أهرب،
منها؟
لا.
من قلبي؟
ربما.
من كل شيءٍ يشبه النقاء؟ بالتأكيد.
سحبت يدي ببطء،
كمن يفصل روحه عن جسده،
وغادرت. بلا كلمة.
كمن يمحو بأطراف أصابعه الهزيلة آخر ملامح الفردوس.
في الطريق،
كان كل شيء حولي صامتًا،
عدا صوتها الذي لم يغادر.
كل خطوة كانت خيانة.
كل تنهيدة كانت استغاثة.
وحين التفتُّ خلفي،
رأيت صورتها تبهت خلف زجاج الذكرى.
دمعُها ينزل،
يمتزج بفنجان القهوة،
فتُرتشفني كما أُرتشف
قهوةً مرّة،
من فنجانٍ لم نكمله،
ومن لقاءٍ اختفي مع مع آخر أشعة للغروب
قبل ان يكتمل.
