رصد اريتريا | الكاتب : إبراهيم حالي
باغتها زمنٌ غطّته غيوم سوداء، عاشت أسيرة وجعٍ لا يشبه جمالها ولا نقاء روحها.
سوادٌ ينهش أيامها ببطء، كما تنهش السيول حواف الوديان.
كانت تضحك كأنّها تحاكي أمواج البحر، وتتمايل كالأغصان، تخطو كغزال، كحديقةٍ تتفتح زهورها لأول مرة.
لكن قبل أن تُقطف منها قبلة أو عطر فرح، وكأن الأقدار كانت تراقب نبضات السعادة في قلبها، فقررت وأدها.
رحل من أحبته، تاركًا وراءه قلبًا مثقوبًا ورحمًا يحمل بذرة غامضة لم تعرف كنهها بعد.
خانتْها الدنيا مرتين، ثم ثلاثًا. كل يدٍ امتدت لتدفئتها زرعت في ظهرها خنجرًا جديدًا، حتى صارت جراحها شبكةً معقدة من الألم والخذلان.
سنوات طويلة خاضتها وحيدة، مثل ريشة تقاوم العواصف. تخيط جروحها بخيوط واهية، تبتسم وهي منكسرة، ابتسامتها باهتة كأنها شبحٌ من ضحكتها القديمة.
العتمة ابتلعت الألوان، والوجوه مسختها الأقنعة، حتى صارت الأحلام مجرد هلامٍ بلا طعم.
لكن..وسط هذا الخراب، بقي ضوء صغير يتشبث بروحها.
أملٌ عنيد يرفض الانطفاء، يشبه عنادها القديم. ومع الوقت، نما الضوء حتى صار فجرًا يفتح نوافذها المغلقة.
ثم حدثت المعجزة.
الحياة، تلك التي ضاقت بها، فتحت ذراعيها فجأة. منحتها وردًا ينبت فوق شوك حياتها، وأنفاسًا نقية لا تشوبها غبرة الخذلان.
عندها التقت به..كان هو، بملامحه القديمة ووجناته وسنّه المكسورة شعره المجعد وكأنه امانة حفظت في صندوق او كأن الزمن توقّف هناك ليعيدها إلى ذات الأزقة البسيطة ودفء الأيام النقية، وكأنها خرجت من أول منعطف بعد فراق قصير، لا من ماضٍ بعيد.
تجاوزت المفاجأة، بحثت عنه، فوجدته مخبّأً في شغاف قلبها، ثم عانقت ذاتها التائهة.
مسح دفؤه سنوات عجاف من الجفاف، واخضر قلبها كواحةٍ منسية .
مشت بخطوات ثابتة، متطهّرة من الحقد، متعالية على الجراح، حاملةً في صدرها سلامًا جديدًا.
لم تعد أسيرة الماضي، بل شاهدة على ميلاد جديد بعد موت طويل.
نهضت من رمادها، كما ينهض طائر العنقاء، أقوى وأبهى لتقول للحياة:
“أنا لا أموت، كلما احرقت في النار ابعث من رمادي من جديد، .”
