الجيش كمحتكر اقتصادي: كيف يهيمن العسكر على مفاصل الاقتصاد في إريتريا؟

تقرير : شبكة رصد اريتريا الإخبارية
مدخل
منذ استقلالها عن إثيوبيا عام 1993، سلكت إريتريا مساراً سياسياً واقتصادياً فريداً من نوعه في القارة الإفريقية، حيث تحوّلت تدريجياً إلى واحدة من أكثر الدول انغلاقاً وتسلطاً في العالم. في ظل نظام أحادي يُدار بقبضة أمنية صارمة، بات الجيش الإريتري لا يقتصر دوره على حماية الحدود أو الدفاع عن السيادة، بل تحوّل إلى قوة اقتصادية ضاربة تهيمن على مفاصل الدولة الحيوية، من المناجم والمقاولات، إلى الزراعة والخدمات اللوجستية.
هذا التحول لم يكن وليد لحظة، بل نتيجة تراكمات سياسية وأمنية بدأت بفرض الخدمة الوطنية الإلزامية إلى أجل غير مسمى، ثم امتدت إلى استغلال المجندين كقوة عمل شبه مجانية في مشاريع اقتصادية ضخمة تُشرف عليها شركات تابعة للجيش أو الحزب الحاكم، مثل “Segen Construction” و”شركة التعدين الوطنية” (ENAMCO). وبمرور الوقت، بات الاقتصاد الإريتري يدور في فلك مؤسسة عسكرية واحدة، تفرض شروطها، وتُقصي القطاع الخاص، وتُحكم قبضتها على الموارد الطبيعية.
في ظل هذا الواقع، أصبحت الشركات المدنية تعاني من قيود حادة، كصعوبة الحصول على التراخيص، وحرمانها من العملات الأجنبية، والتدخل المباشر من ضباط الجيش في السوق. كما تراجعت فرص الاستثمار الخارجي، وتدهورت بيئة الأعمال، في وقت أصبح فيه الاقتصاد الوطني قائمًا على موارد محدودة، واستغلال واسع للعمالة القسرية.
هذا التقرير يحاول تحليل أبعاد هذه الهيمنة العسكرية على الاقتصاد الإريتري، من خلال تتبع أهم القطاعات التي يسيطر عليها الجيش، واستعراض الأدلة التي توثق استغلال المجندين، مع الوقوف على التداعيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لهذا النهج. كما يناقش التقرير مستقبل التنمية في بلد يحكمه منطق البندقية، ويُقصى فيه العقل المدني، ويُعاقب فيه الطموح الاقتصادي الحر.
فإلى أي مدى يمكن أن يستمر هذا النموذج؟ وهل تُبقي السيطرة العسكرية على الاقتصاد إريتريا رهينة الفقر والعزلة أم أن التغيير بات أمرًا لا مفر منه؟
السيطرة على قطاع التعدين
يُعد قطاع التعدين في إريتريا من أهم الموارد الاقتصادية للدولة، نظرًا لما تزخر به البلاد من معادن استراتيجية مثل الذهب، والنحاس، والزنك، والبوتاس. وقد شكّل هذا القطاع منذ مطلع الألفية الجديدة مصدر جذب كبير للمستثمرين الأجانب، خاصة من كندا وأستراليا والصين، بعدما منحت الحكومة الإريترية امتيازات تنقيب واسعة النطاق. لكن هذه الطفرة التعدينية لم تترجم إلى تنمية وطنية حقيقية أو تحسن في مستويات المعيشة، بل وقعت فريسة لهيمنة الجيش والنظام الحاكم، وارتبطت بشكل مباشر بانتهاكات حقوق الإنسان، وعلى رأسها العمل القسري للمجندين في الخدمة الوطنية.
أبرز مثال على ذلك هو منجم بيشا (Bisha)، الذي يُعتبر المشروع الأكبر والأشهر في البلاد، ويقع غرب العاصمة أسمرة. أُطلق هذا المنجم عام 2011 بالتعاون بين شركة “Nevesun Resources” الكندية (قبل أن تستحوذ عليها شركة “Zijin Mining” الصينية لاحقًا) والحكومة الإريترية التي تشارك عبر ذراعها الاقتصادي، شركة التعدين الوطنية الإريترية (ENAMCO). يمتلك النظام الإريتري ما لا يقل عن 40% من أسهم المشروع، ويشرف عليه مباشرة كبار المسؤولين العسكريين، إلى جانب شركة البناء التابعة للجيش “Segen Construction”.
التحقيقات التي أجرتها منظمات مثل هيومن رايتس ووتش كشفت عن استخدام المجندين في الخدمة الوطنية كعمالة إجبارية لبناء البنية التحتية الخاصة بالمنجم، في ظروف غير إنسانية، دون أجر حقيقي، ولفترات طويلة دون حد زمني للخدمة. ويُجبر هؤلاء على العمل لساعات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة، في بيئة لا تراعي أدنى معايير السلامة، تحت إشراف ضباط عسكريين، مع غياب كامل لأي رقابة قضائية أو نقابية مستقلة.
لم يقتصر الأمر على “بيشا”، بل امتدت هذه الممارسات إلى مشاريع تعدين أخرى، مثل مشروع “كولولي” للبوتاس الذي تديره شركة “Danakali” بالتعاون مع ENAMCO، والذي يُتوقع أن يُصبح من أكبر مصادر إنتاج البوتاس في إفريقيا. وبحسب تقارير دولية، يُهيمن الجيش على عمليات الدعم اللوجستي، والنقل، وتأمين الموقع، ويوفر العمالة عبر قنوات الخدمة الوطنية.
هذه السيطرة العسكرية على التعدين تسببت في طرد العديد من المستثمرين الغربيين الذين واجهوا ضغوطًا قانونية في بلدانهم بسبب تورطهم في أنشطة تنتهك قوانين العمل الدولية. كما أدت إلى إدراج إريتريا في قوائم الدول التي تستخدم “العمل القسري”، وأصبحت مشاريعها عرضة للمقاطعة الدولية.
الربح من هذه الموارد لا يصل إلى المواطن الإريتري، بل يُعاد توجيهه لتعزيز قبضة النظام على السلطة، وتمويل أنشطته الأمنية والعسكرية، وشراء الولاءات الداخلية. وفي الوقت الذي يُنهب فيه الذهب من باطن الأرض، يعاني المواطن من الفقر المدقع، وغياب الخدمات الأساسية، والحرمان من فرص العمل الكريمة.
إن قطاع التعدين الإريتري يُجسد المثال الصارخ لتحول الثروة الوطنية إلى أداة في يد القمع، بدلاً من أن تكون رافعة للتنمية. فبدلًا من أن تخلق المعادن الوظائف، وتُنعش الاقتصاد المحلي، أصبحت مصدرًا آخر للهيمنة والاستغلال، ومعززًا لاستمرار النظام العسكري المسيطر .
سيطرة الجيش على قطاع المقاولات
يُعد قطاع المقاولات والبنية التحتية أحد أكثر القطاعات الحيوية التي خضع فيها الاقتصاد الإريتري لهيمنة الجيش بشكل شبه كامل، منذ ما بعد الاستقلال وحتى اليوم. ففي ظل غياب قطاع خاص مستقل، وتقييد الاستثمار الأجنبي، تحوّل هذا المجال إلى مساحة احتكار مباشر من قِبل الشركات التابعة للجيش، وعلى رأسها شركة Segen Construction Company، الذراع الهندسي الأكبر للنظام، والتي يُشرف عليها ضباط عسكريون رفيعو المستوى يتبعون لجهاز الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة (PFDJ) – الحزب الحاكم فعلياً في البلاد.
Segen ليست مجرد شركة مقاولات مدنية؛ بل مؤسسة عسكرية مقنّعة، تتولى تنفيذ أغلب مشاريع البنية التحتية في البلاد، من الطرق والجسور إلى المدارس والمرافق الحكومية والمشاريع التعدينية. وتُستخدم هذه الشركة كأداة مباشرة لاستغلال المجندين في “الخدمة الوطنية” دون أجور حقيقية، إذ يُجبر هؤلاء المجندون على العمل في مشاريع شاقة ولسنوات طويلة، تحت إشراف عسكري، وبعقود عمل غير موجودة أصلًا.
بسبب هذا التحكم المطلق، يتمّ إقصاء أي شركة خاصة أو مدنية من التنافس على العقود العامة، حيث لا توجد مناقصات شفافة، ولا يتم الإعلان عن تفاصيل الميزانيات أو المشاريع. وتُمنح المشاريع تلقائيًا لـ Segen وغيرها من الشركات العسكرية أو شبه العسكرية، في عملية تُقصي أي نشاط اقتصادي مستقل. وفي كثير من الحالات، يُفرض على السكان المحليين شراء الخدمات أو المواد من خلال القنوات التي يسيطر عليها الجيش، ما يُعزز من دائرة الاحتكار.
أحد أبرز الجوانب الكاشفة في هذا السياق هو مشاركة شركة Segen في بناء منشآت التعدين مثل منجم “بيشا”، حيث أن معظم الطرق المؤدية إلى الموقع، والبنية التحتية المحيطة، بُنيت على يد مجندين تحت إدارة هذه الشركة. وكذلك في مشاريع إسكان حكومية داخل أسمرة ومدن أخرى، حيث يُكلّف المجندون بالبناء دون أي تعويض مادي فعلي، وتُستخدم عوائد هذه المشاريع لتمويل الجيش، لا لصالح التنمية.
وقد وردت شهادات موثقة من عمال سابقين ومجندين فارين تفيد بأن ظروف العمل في مشاريع Segen قاسية جداً، تشمل ساعات عمل طويلة، نقص الطعام، ظروف سكن غير آدمية، ومنع التواصل مع العالم الخارجي. كما تحدثت تقارير منظمات دولية – منها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش – عن انتهاكات جسيمة لحقوق العمال داخل هذه المشاريع، وغياب أي جهة محايدة تراقب ظروف العمل أو توفر الحماية القانونية.
سيطرة الجيش على المقاولات لها نتائج كارثية على الاقتصاد الكلي:
•غياب المنافسة يعني تدني الجودة وارتفاع التكاليف.
•الاستغلال الممنهج للمجندين يكرّس ثقافة العمل القسري.
•انعدام الشفافية يُعزز الفساد وتبديد المال العام.
•إقصاء القطاع الخاص يُفقد الدولة فرص التنمية والاستثمار.
في ظل هذه السيطرة، لا يمكن تصور وجود اقتصاد مدني منتج أو قطاع إنشائي يحفّز الابتكار. فالجيش لا يبني فقط الطرق والمباني، بل يبني نظامًا اقتصاديًا قائمًا على الاستغلال والولاء، لا على الكفاءة أو العدالة .
ثالثًا: تدخل الجيش في قطاع الزراعة
يُعد قطاع الزراعة في إريتريا من أهم القطاعات الاقتصادية التقليدية، إذ يعتمد عليه جزء كبير من السكان في معيشتهم، سواء عبر الزراعة المطرية أو تربية المواشي. ورغم ما تمتلكه البلاد من إمكانيات زراعية في المرتفعات الخصبة وبعض مناطق الغرب، إلا أن هذا القطاع لم يشهد تنمية حقيقية بسبب السياسات الاقتصادية المغلقة، وهيمنة الجيش على مقدراته، وتحويله من مصدر للعيش والتنمية إلى أداة للسيطرة والتحكم المجتمعي.
منذ بداية التسعينيات، اتجهت الدولة الإريترية إلى عسكرة الزراعة، تحت شعار “الاكتفاء الذاتي الوطني”، فأنشأت مزارع ضخمة تديرها وحدات من الجيش، وفرضت على المجندين في الخدمة الوطنية العمل فيها. هذه المزارع الحكومية أو “المزارع العسكرية” (مثل مشاريع غِيشِن وتِسِنِي وغولُوج) تمثل نموذجًا واضحًا لاستغلال العمل الإجباري، حيث يُجبر آلاف الشباب والرجال والنساء على العمل في الحقول، دون تدريب زراعي، وفي ظروف شاقة، وبدون أجر.
التحكم العسكري في الزراعة يتجاوز العمل الميداني ليشمل امتلاك وسائل الإنتاج نفسها:
•الأرض تُدار من قبل وحدات عسكرية.
•الآلات الزراعية تُوزّع عن طريق الجيش.
•توزيع الحصص والبذور والأسمدة يخضع لأوامر من الضباط.
•حتى بيع المحاصيل وتحديد أسعارها يتم بقرار من مؤسسات تابعة للدولة.
وتُصادَر غالبية المنتجات الزراعية لتُوجه إلى الجيش نفسه، أو تُباع عبر قنوات حكومية لا تعود أرباحها على المزارعين. أما المواطن العادي، سواء كان مجنداً أو فلاحاً تقليدياً، فيُحرم من الاستفادة من الأرض، أو يُجبر على المشاركة القسرية فيما يُسمى بـ”أيام العمل الوطني”، التي تشمل العمل في الحقول، وتنظيف قنوات الري، وبناء الحواجز، تحت إشراف مباشر من مسؤولين عسكريين أو حزبيين.
وتُستخدم هذه الأنشطة الزراعية من قبل النظام كأداة لإدامة السيطرة الاجتماعية والسياسية، عبر توزيع الغذاء كمكرمة أو مكافأة للولاء، أو حرمان المجتمعات من الحصص في حال الاشتباه في “عدم الولاء”، خصوصًا في المناطق النائية.
المجندون الذين يُنقلون من معسكرات الخدمة إلى المزارع، غالباً ما يُتركون لسنوات دون تحديد مدة الخدمة، وهو ما يؤدي إلى انهيار الروابط الأسرية، وتدمير حياة آلاف الشباب، الذين يجدون أنفسهم محرومين من التعليم أو فرص التوظيف الحقيقية. ونتيجة لذلك، اختار كثيرون الهرب من البلاد، رغم المخاطر، على البقاء في حياة أقرب إلى العبودية الحديثة.
المؤسسات الدولية كـ هيومن رايتس ووتش ولجنة التحقيق الخاصة بالأمم المتحدة بشأن حقوق الإنسان في إريتريا، وثّقت شهادات عديدة عن الانتهاكات في هذه المزارع، بما في ذلك العمل القسري، التهديدات، ظروف المعيشة القاسية، ومنع الاتصال بالعائلة، وحرمان العمال من العلاج في حال المرض.
النتيجة النهائية لهذا التدخل:
•لم يتحقق الاكتفاء الذاتي الغذائي.
•انهار الإنتاج الزراعي الخاص.
•أصبح الريف الإريتري أكثر فقرًا وهجرة.
•تدهورت البيئة الزراعية بفعل غياب التخطيط.
وبدلاً من أن يكون قطاع الزراعة وسيلة للنهضة الاقتصادية، أصبح مجالاً آخر لتعزيز هيمنة النظام والجيش، واستمرار نمط الدولة الأمنية التي تتغذى على العمل القسري والحرمان، بدلًا من أن تبني اقتصادًا حرًا ومنتجًا يخدم شعبها.
غياب القطاع الخاص المستقل
غياب القطاع الخاص المستقل في إريتريا ليس حالة عرضية أو نتيجة فقر الموارد، بل هو نتيجة مباشرة لسياسات ممنهجة اتبعها النظام منذ الاستقلال عام 1993، بهدف إبقاء السيطرة الكاملة على مفاصل الاقتصاد بيد الجيش والحزب الحاكم. لم يكتفِ النظام بفرض قوانين مشددة تُقيد حركة المستثمرين، بل عمد إلى تجفيف أي بيئة طبيعية يمكن أن ينمو فيها قطاع خاص حيوي، مستقل، ومبادِر.
أول معالم هذا الغياب يتجلى في الهيمنة المطلقة للمؤسسات الاقتصادية التابعة للجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة (PFDJ)، وعلى رأسها شركات مثل Red Sea Corporation وHimbol Financial Services، التي تعمل كأذرع مالية وتجارية للحزب، وتتمتع بإعفاءات ضريبية وامتيازات لا يحصل عليها أي فاعل اقتصادي مستقل. هذه الشركات، وبالتحالف مع وحدات الجيش، تسيطر على قطاعات واسعة من الاقتصاد: التعدين، الاستيراد والتصدير، النقل، المقاولات، الزراعة، وحتى التوزيع الغذائي.
في هذا المناخ، تم تقييد إنشاء الشركات الخاصة من خلال قوانين الاستثمار، التي تتطلب موافقات أمنية معقدة، وتخضع لأي نشاط اقتصادي لرقابة أمنية مباشرة. كما أن معظم التصاريح التجارية تُمنح بشروط تعجيزية، ما يجعلها فعلياً حكراً على من يتمتع بعلاقات وثيقة مع الحزب أو الأجهزة الأمنية.
ومن النتائج المباشرة لذلك:
•لا توجد طبقة رجال أعمال حقيقية أو رواد أعمال مستقلون.
•السوق يخلو من البنوك الخاصة أو شركات التأمين أو الاستثمارات الخارجية المستقلة.
•قطاع التجارة الداخلية يُدار عبر شبكة من التراخيص المقيدة، تُمنح لمن تثق بهم الدولة فقط.
حتى من يغامر من التجار الصغار في الداخل، يواجه حواجز صارمة في التمويل، والتوزيع، والتوسع، ويقع تحت رحمة الضرائب التعسفية والابتزاز البيروقراطي. أما من ينجح نسبيًا، فيتم إقصاؤه تدريجيًا إذا لم يظهر ولاءً سياسيًا واضحًا أو لم يشارك في نشاطات الحزب.
ويُمارس نوع من “القتل الاقتصادي البطيء” ضد المبادرات التجارية الفردية:
إذا افتتح شخص محلا ناجحاً أو ورشة أو مشروعاً صغيراً، فقد يواجه بعد فترة تضييقاً مفاجئاً عبر الضرائب، أو سحب الترخيص، أو مقاطعة الموردين، أو تدخلاً مباشراً من أجهزة الأمن. وكثير من هؤلاء فضّل إغلاق نشاطه والهجرة.
الأدهى أن المغتربين الإريتريين، الذين يشكلون نسبة كبيرة من الدخل القومي عبر التحويلات المالية، يُحبطون عند محاولة الاستثمار في بلدهم. فالإجراءات معقدة، والضمانات غائبة، والمخاطر الأمنية عالية، مما جعل تدفق رأس المال الخارجي في أدنى مستوياته رغم وجود جالية كبيرة في أوروبا والشرق الأوسط.
النتائج الاقتصادية لهذا الغياب كارثية:
•غياب المنافسة يعني تراجع الجودة واحتكار الخدمات.
•انكماش السوق الداخلي أدى إلى ضعف الإنتاج وزيادة الاعتماد على الاستيراد.
•هروب الكفاءات بسبب انسداد الأفق الاستثماري والمهني.
•تضخم الاقتصاد الرمادي وانتشار السوق السوداء.
غياب القطاع الخاص لا يعني فقط غياب النشاط التجاري؛ بل يعني غياب التوازن، والمساءلة، والتنمية. إذ في كل دولة، يُعد القطاع الخاص المستقل شريكًا في خلق الوظائف، وتوليد الضرائب، وتحفيز الابتكار. أما في إريتريا، فقد تحوّل الاقتصاد إلى ما يشبه النظام الاشتراكي العسكري المغلق، حيث كل شيء يخضع للرقابة، ولا مكان فيه للمبادرة أو الحرية الاقتصادية.
هذا الواقع خلق بيئة طاردة للاستثمار، ومحبطة لأي مواطن يسعى لبناء حياة اقتصادية كريمة خارج إطار الخدمة الوطنية أو الولاء السياسي.
تداعيات السيطرة العسكرية على الاقتصاد
إن هيمنة الجيش الإريتري على مختلف القطاعات الاقتصادية تركت آثارًا عميقة وممتدة، ليس فقط على مؤشرات الاقتصاد الكلي، بل على النسيج الاجتماعي، والحراك الشبابي، وحتى العلاقات الخارجية. هذه السيطرة لم تكن فقط توسعًا مؤقتاً في ظل الحرب أو الأزمات، بل تحولت إلى نموذج حكم اقتصادي بديل، أقرب إلى “عسكرة الاقتصاد” أو تحويله إلى ذراع ميداني لاستمرار السلطة.
أول التداعيات تتجلى في شلل حركة السوق وفقدان الديناميكية الطبيعية لأي اقتصاد يقوم على المنافسة والعرض والطلب. حين تكون كل المشاريع الكبرى في يد الجيش، من التعدين إلى النقل إلى الزراعة، فلا مجال لتطور قطاع خاص، ولا حوافز للمبادرة الفردية، ولا حتى فرصة للتفكير خارج المسارات المرسومة سلفًا من قبل الدولة. وهذا يقود إلى الركود الاقتصادي، حيث لا تنشأ شركات جديدة، ولا تتحرك الأموال بحرية، ولا تنمو مهارات بشرية حقيقية.
ثانياً، أدت عسكرة الاقتصاد إلى انفجار ظاهرة العمل القسري، خاصة من خلال برنامج “الخدمة الوطنية” الإجباري، الذي أصبح في كثير من الأحيان وسيلة للحصول على عمالة مجانية أو شبه مجانية في المشاريع العسكرية والاقتصادية. الجنود والمجندون السابقون يعملون لسنوات دون أجور مجزية أو حقوق، ضمن مشاريع تتبع مباشرة للجيش أو للحزب الحاكم. هذا الشكل من “العبودية الحديثة” لا يدمر حياة الأفراد فقط، بل يقوض كفاءة الاقتصاد نفسه، لأن العامل المقهور لا ينتج بجودة، ولا يبتكر، ولا ينتمي لما يبنيه.
ثالثاً، تسببت السيطرة العسكرية في غياب الشفافية المالية، إذ لا توجد مساءلة عامة أو تقارير مالية عن أرباح الشركات التابعة للجيش أو عن كيفية التصرف بعائدات الدولة، وخاصة من القطاعات المربحة كالتعدين. يُدار الاقتصاد بطريقة مركزية أمنية، ويُغيب دور وزارة المالية أو البنوك أو الأجهزة الرقابية. ما يعني أن نسبة كبيرة من الثروات الوطنية تُدار خارج الموازنة العامة، ما يفتح الباب واسعًا أمام الفساد، والنهب غير المُعلن.
رابعاً، أثر ذلك على البيئة الاجتماعية، حيث خلقت عسكرة الاقتصاد طبقة صغيرة من المستفيدين المقربين من المؤسسة العسكرية، مقابل حرمان واسع لفئات الشباب، النساء، والمغتربين من أي فرصة اقتصادية عادلة. وبرزت حالة من الإحباط الجماعي، حيث يرى المواطن العادي أن العمل، والجد، والتعليم، لا تقود إلى أي مردود اقتصادي حقيقي ما دام الجيش هو صاحب القرار الفعلي في البلاد.
خامساً، ساهم هذا النموذج في تعطيل العلاقات الاقتصادية الخارجية، حيث ترفض المؤسسات الدولية (مثل البنك الدولي أو صندوق النقد) التعامل مع اقتصاد غير شفاف، لا يخضع للحوكمة، ويستخدم العمل القسري. كما أن المستثمرين الأجانب، خاصة من الدول الغربية، لا يغامرون بالاستثمار في بيئة يسيطر عليها العسكر، ولا تضمن فيها العقود، أو حقوق الملكية، أو حرية تحويل الأرباح.
سادساً، أدى ذلك إلى هجرة العقول ورؤوس الأموال. الآلاف من الشباب الإريتري المتعلم فضّل الهروب من البلاد بحثاً عن فرصة خارجية، ما أدى إلى استنزاف الموارد البشرية. وحتى رجال الأعمال الإريتريين في الخارج توقفوا عن إرسال استثماراتهم إلى الداخل، بسبب غياب الأمان القانوني، وسيطرة الأجهزة العسكرية على العقود والأسواق .
سابعاً، خلقت عسكرة الاقتصاد تعقيدات سياسية إضافية. فالنظام أصبح يعتمد على المؤسسة العسكرية ليس فقط في الدفاع، بل في تمويل نفسه وإدارة الدولة. ما يعني أن أي محاولة إصلاح اقتصادي ستواجه مقاومة شرسة من قبل الجيش نفسه، لأنه الطرف المستفيد من الوضع القائم، ولن يتخلى بسهولة عن سلطاته الاقتصادية.
هذا النموذج يُنتج في النهاية دولة بلا قطاع خاص، بلا سوق عمل حر، وبلا طبقة وسطى مستقلة. وهي وصفة مضمونة للفقر، والاضطراب، والتدهور طويل الأمد. فالدولة التي يسيطر فيها السلاح على رأس المال، لا تنتج اقتصادًا حقيقياً، بل مجرد ماكينة تدور حول السلطة، وتستهلك ثروات البلاد لصالح قلة قليلة، على حساب المستقبل كله .
مخرج
لقد كشفت التجربة الإريترية خلال العقود الماضية عن واحدة من أكثر النماذج الاقتصادية استثنائية في القارة الإفريقية، حيث تتشابك السلطة السياسية بالهيمنة العسكرية على مفاصل الدولة، وصولًا إلى التحكم شبه الكامل في الدورة الاقتصادية. هذا النموذج لا يعتمد فقط على أدوات القمع والسيطرة الأمنية، بل يتغلغل في التفاصيل اليومية للحياة الاقتصادية، من استخراج الذهب إلى إنشاء الطرق، ومن الزراعة إلى قطاع الخدمات، وحتى التحويلات المالية القادمة من المغتربين.
إن ما يميز الحالة الإريترية ليس فقط حجم تدخل الجيش، بل طبيعة هذا التدخل، الذي لا يفسح أي مجال لنمو طبقة تجارية وطنية مستقلة، ولا يشجع على الابتكار، ولا يسمح للمبادرة الفردية أن تتحول إلى استثمار منتج. لقد تحولت الدولة إلى كيان مركزي متضخم، يعمل فيه الشباب بالإجبار ضمن الخدمة الوطنية المفتوحة، في ظل غياب قوانين العمل العادلة، وانعدام الشفافية المالية، والرقابة المؤسسية.
الأخطر من ذلك أن عسكرة الاقتصاد في إريتريا لا تُنتج تنمية، بل تُعيد إنتاج الهشاشة، وتُفاقم الهروب الجماعي للشباب، وتُعمّق العزلة عن الأسواق الدولية، وتُفشل أي محاولة لبناء اقتصاد تنافسي حديث. كما تؤدي إلى تآكل الثقة الداخلية في مؤسسات الدولة، وتخلق بيئة تسود فيها المحسوبية بدل الكفاءة، والخضوع بدل الاجتهاد، والتبعية بدل الابتكار.
رغم الإمكانات الطبيعية التي تمتلكها البلاد، من موقع جغرافي استراتيجي وثروات معدنية وزراعية، ورغم قوة الجاليات الإريترية في المهجر، فإن هذه الفرص تُهدر تحت ثقل السيطرة العسكرية والعزلة السياسية. في المقابل، تبرز نماذج لدول إفريقية استطاعت الخروج من الحروب والنزاعات وبناء اقتصادات صاعدة، فقط حين فصلت بين الجيش والسوق، وبين السلطة والمصالح الاقتصادية.
إن التنمية الاقتصادية المستدامة لا تنمو في ظل الخوف، ولا تتطور في بيئة يغيب فيها القانون والمحاسبة، ولا تزدهر إذا كانت الموارد تُدار لمصلحة الأجهزة لا المجتمعات.
وهنا يُطرح السؤال الجوهري:
هل يمكن لإريتريا تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة في ظل هيمنة الجيش على الاقتصاد وغياب القطاع الخاص ؟
المراجع و المصادر
• Human Rights Watch: Hear No Evil: Forced Labor and Corporate Responsibility in Eritrea’s Mining Sector
• The Guardian: Eritrea mining investors risk violating human rights, warns report
• Asmarino: Forced Labour in Eritrea: in Light of the HRW Report on Mining Companies
• bne IntelliNews: Can Eritrea’s mining sector flourish under autocratic rule?
• Foreign Affairs Forum: What is Eritrea Socio-economic and political landscape



