إريتريا على سرير التشخيص: نظام صحي بين الصمود والانهيار

تقرير : شبكة رصد اريتريا الإخبارية
مدخل : حين يصبح الوصول إلى الدواء مغامرة.. قراءة في فشل النظام الصحي الإريتري خلف شعارات الاكتفاء .
في إحدى قرى إريتريا الجبلية، تجلس امرأة مسنّة على باب كوخها الطيني، تنتظر عودة ابنها من المدينة الكبرى. ليس لأنه يحمل خبزًا أو مالًا، بل لأنه وعدها بشيء نادر ومكلف: شريط دواء للضغط. في وطنٍ لا تتجاوز فيه ميزانية الصحة حاجز البقاء، يصبح الوصول إلى حبة دواء كمن يبحث عن الماء في صحراء دنكاليا .
بعد أكثر من ثلاثة عقود على الاستقلال، ما زال النظام الصحي الإريتري يتنفس عبر أنابيب المساعدات الخارجية، ويتهاوى تحت وطأة الهجرة الجماعية للأطباء، وانهيار البنية التحتية، وانغلاق الدولة عن العالم. في بلد ترفع فيه السلطة شعار “الاكتفاء الذاتي”، يجد المواطن نفسه في معركة يومية مع المرض دون طبيب، ومع الألم دون مسكن، ومع التشخيص دون مختبر.
ما الذي يحدث داخل هذا النظام الصحي الغامض؟
كم عدد المستشفيات في البلاد؟
أين اختفى الأطباء؟
ولماذا تنعدم التخصصات الطبية الدقيقة في أغلب المناطق؟
هل فعلاً يمكن لدولة أن تحكم قبضتها الأمنية على كل مفصل من مفاصل الحياة، وتترك العناية الصحية فريسة للإهمال؟
هذا التحقيق يفتح بوابات الأرقام المظلمة، ويكشف بالأدلة والتحليلات عن واقع النظام الصحي في إريتريا كما لم يُكشف من قبل.
سنغوص في بيانات نادرة من تقارير الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية، ونقارن بين الشعار والممارسة، بين الحلم والواقع، بين ما يقال وما يُعاش.
في هذا البلد المنسي، لا يتعلق المرض بالجسد فقط، بل هو مرآة لوضع سياسي خانق، وسلطة ترى في الإنفاق على العسكر أولوية، وفي الإنفاق على الصحة ترفًا لا يستحقه المواطن .
البنية التحتية الصحية: من الإسمنت إلى الخيال
حين تنظر إلى خريطة إريتريا بعين الباحث عن العلاج، لا ترى شبكة متكاملة من المستشفيات، بل جزراً صحية متباعدة تسبح في بحر من الفراغ الطبي. فبحسب آخر البيانات المتوفرة، تمتلك البلاد نحو 272 منشأة صحية، منها فقط 22 مستشفىً تؤدي مهاماً يفترض أن تكون أساسية، لكنها غالباً ما تبدو أقرب إلى محطات إسعاف مؤقتة منهكة من كثرة الضغط وقلة الموارد. أما البقية، فهي مراكز صحية وعيادات صغيرة، كثير منها لا يتجاوز كونه مبنىً متواضعاً بجدران متشققة، وسرير صدئ، وخزانة أدوية فارغة.
تتركز هذه المستشفيات في العاصمة أسمرة وبعض المدن الكبرى، وكأن المرض يعرف طريقه فقط إلى الأماكن الحضرية. أما سكان القرى والمناطق النائية، فيعيشون على الهامش الجغرافي والإنساني، محاصرين بين وعورة التضاريس وبعد المسافات وشح الخدمات. أن تصاب بوعكة صحية في إحدى مناطق المرتفعات أو السهول الشرقية، فهذا قد يعني رحلة مؤلمة سيراً على الأقدام لعدة ساعات، أو موتاً بطيئاً داخل الجبال، بصمت لا يُسمع.
في بلد يرفع شعارات “الاعتماد على الذات”، يتهاوى الواقع الصحي أمام عجز البنية التحتية عن مواكبة أبسط معايير الحد الأدنى. كثير من هذه المنشآت تفتقر للكهرباء المنتظمة، أو المياه النظيفة، أو حتى وجود طبيب دائم. بعض القرى تعتمد على ممرض واحد لخدمة مئات الأشخاص، وبعض النساء تلدن في منازلهن لأن أقرب نقطة طبية تبعد عشرات الكيلومترات.
ليست المشكلة في الأرقام فقط، بل في الفلسفة التي تحكم توزيع تلك الأرقام: مركزية مفرطة، تخطيط غائب، وإرادة سياسية لا ترى في الصحة أولوية. والنتيجة: مواطنون يُتركون لمصيرهم، وبنية تحتية أقرب إلى الظلال منها إلى الأعمدة الحقيقية لنظام صحي فعال .
الكوادر والتخصصات الطبية: حين يتقدس الغياب ويتكاثر العجز
في قلب أي نظام صحي حيّ، تنبض الكوادر الطبية بالمعرفة والخبرة والتوزيع العادل. لكن في إريتريا، النبض ضعيف، يكاد يتوقف. فعدد الأطباء في البلاد لا يتناسب مع عدد السكان، ولا مع حجم الاحتياجات الصحية المتراكمة في بلد يعاني من أمراض مزمنة، ونقص تغذية، ومخلفات حرب لم تُدفن بعد.
تشير الإحصاءات إلى أن إريتريا تمتلك أقل من طبيب واحد لكل 10,000 مواطن، وهي نسبة متدنية حتى بمقاييس الدول الأفريقية الأقل نمواً . في بعض المناطق، يُعتبر وجود طبيب مقيم أمراً نادراً، ويُعامل كأنك التقيت بمبعوث أممي. كثير من القرى والبلدات لا ترى طبيباً مختصاً لسنوات، وتعتمد على مساعدين طبيين أو ممرضين يغطّون الاحتياجات بوسائل بدائية ومحدودية قرار.
التخصصات الطبية هي الأخرى حكاية نقص مزمن: لا توجد مراكز كافية للأورام، أو أمراض القلب، أو الطب النفسي. عدد أطباء العيون، وجراحة الأعصاب، والطب الباطني المتخصص لا يكاد يُذكر. وإذا ظهر اختصاصي في مكان ما، سرعان ما يتم نقله، أو يسعى للفرار خارج الحدود بحثاً عن بيئة مهنية وإنسانية أقل قسوة.
ومع أن النظام الاريتري يتفاخر أحياناً بتخريج دفعات جديدة من الأطباء، فإن الواقع يفاجئنا بتسرب مستمر للكوادر بسبب ضعف الرواتب، وتقييد الحريات، وعدم وجود أفق للتطور المهني. من بقي في الداخل، فهو إما ملتزم أخلاقياً ، أو عالق إدارياً ، أو مرغم على خدمة وطنه في ظروف لا إنسانية.
أما عن الجنسية، فالغالبية العظمى من الكوادر الطبية المحلية هم من الإريتريين، لكن ليس لأن النظام يفضّلهم، بل لأن القادمين من الخارج يرفضون العمل في بيئة تفتقر لأبسط مقومات الاستقرار المهني. وبهذا، تتحول الهوية الوطنية إلى قيد إداري بدلاً من أن تكون مصدر فخر، إذ يُجبر الطبيب الإريتري على الصمود في وجه العجز، بينما يُمنع من السفر أو الاختيار .
نظام الإحالة والطوارئ: حين تكون المسافة حياة والمركبة مصير
في إريتريا، لا يُقاس الزمن بالساعات بل بالمسافات، ولا تُقاس جودة الرعاية بعدد الأطباء بل بسرعة الوصول إليهم. نظام الإحالة، الذي يُفترض أن يكون العمود الفقري لأي بنية صحية حديثة، يعيش في إريتريا بين فوضى الواقع وبيروقراطية الدولة، محاطاً بحواجز الطبيعة، ونُدرة وسائل النقل، وبطء القرار.
تخيل مريضاً في قرية نائية، تظهر عليه علامات نوبة قلبية حادة. لا سيارة إسعاف. لا طريق ممهد. لا هاتف يُنقذ. تبدأ العائلة رحلة بدائية نحو أقرب مركز صحي، حيث يجلس ممرض شاب، عاجز عن اتخاذ قرار، غير قادر على تقديم أكثر من حبة أسبرين وقطعة من القماش المبلل. بعدها يبدأ “نظام الإحالة”: ورقة رسمية، ختمٌ حكومي، انتظار سيارة تمرّ صدفة، أو استعارة حمار، أو شاحنة بضائع. في هذا الزمن، قد يكون المريض قد مات مرتين.
الطوارئ في إريتريا ليست مجرد نقص تجهيزات. هي غياب مفهوم. فالمستشفيات الكبيرة لا تحتوي على أقسام طوارئ متقدمة بالمعنى الحقيقي. لا يوجد نظام رقمي أو آلي يربط بين الوحدات الصحية. لا غرف عناية مركزة كافية. لا طائرات إخلاء طبي. حتى سيارات الإسعاف المتاحة والتي لا تتجاوز بضع عشرات في البلاد غالباً ما تكون دون وقود، أو محجوزة لمهام أمنية، أو موقوفة بسبب أعطال ميكانيكية متكررة.
وإذا وصل المريض إلى المستشفى المركزي في أسمرة، يبدأ فصل جديد من الإحالة: إلى قسم غير موجود، إلى طبيب في إجازة، إلى علاج غير متوفر. غالباً ما يُطلب من الأسرة شراء المعدات والمستلزمات من السوق السوداء، أو الانتظار في طابور منسي حتى يفرغ السرير أو يتوفر الدواء.
“السرير الأخير: حين تحولت آهات جندية إلى مراسم دفن عسكرية”
شهادة حيّة يرويها أخو الضحية من منفاه في أوروبا
في أحد المخيمات المؤقتة للاجئين في أوروبا، جلس الشاب الإريتري أمام كاميرا هاتفه، يطالع الشاشة وكأنها نافذة على وطنٍ اختطف أخته ودفنها دون أن يعتذر.
عينا الرجل تمتلئان بوجعٍ لا تقدر المسافات على تخفيفه. يبدأ بشهيقٍ ثقيل، ثم يقول:
“كانت أختي جندية. ما كملت عشرين سنة. ما كانت تحب الحرب… بس ما عندها خيار”.
يروي أنها اشتكت مرارًا من ألم شديد أسفل بطنها، لم تستطع التبول، تتلوى على الأرض، تستنجد، تصرخ، لكن قادتها في الوحدة العسكرية لم يصدّقوها.
“قالوا لها: انتي تتدلعي… الجندية ما تئن”.
حتى سقطت مغشياً عليها.
نُقلت أخيراً إلى مستشفى أوروتا الوطني في العاصمة أسمرة.
يتذكر أخوها صوت المكالمات التي تلقاها من داخل البلاد:
“الأطباء ما عرفوا يشخصوا حالتها… شكّوا في الزائدة… فتحوا بطنها، ولقوا إنهم أخطأوا”.
أغلقوا الجرح.
وبعد يومين، ماتت.
“أنا عرفت من قريب لنا… قالوا لي إنها توفّت، والدولة قررت تدفنها كشهيدة. ما سمحوا لأحد يصلي عليها، ما خلوني أوصي حتى. أخذوها لمقبرة الشهداء وسووا لها تحية عسكرية كأنها بطلة، بينما هي ماتت من الإهمال”.
صوته يتهدّج:
“سألتهم… من أحاسب؟ وين الجهات الرقابية؟ وين الطبيب اللي فتح بطنها بالغلط؟ قالوا لي: الموضوع مغلق”.
كان بإمكان القصة أن تنتهي هناك، لكنها لم تنتهِ.
أخوها، اللاجئ اليوم، لا يزال يروي القصة في كل محفل، يرسلها إلى المنظمات الحقوقية، يكتبها في استمارات اللجوء، ويقول:
“أختي ماتت بصمت… وأنا أصرخ باسمها من المنفى”.
في بلادٍ تتحكم في كل شبر، من السلاح إلى الملبس، كيف تُترك أرواح شبابها فريسة للصدفة الطبية؟
من يفتح ملفات الأخطاء؟
من يعترف؟
ومن يعوّض هذا الأخ عن صوته المبحوح منذ دفنها؟
هذه ليست مبالغة، بل وصف دقيق لما وثّقته تقارير منظمات مستقلة مثل منظمة “أطباء من أجل حقوق الإنسان” و”هيومن رايتس ووتش”، والتي أكدت أن نظام الطوارئ في إريتريا يعاني من هشاشة شديدة في الاستجابة، وغياب التنسيق، مما يتسبب في وفيات كان يمكن تجنبها .
التمويل الصحي والدواء: بين الوعود والواقع القاسي
في نظام صحي حيث تُعدّ الموارد المالية المتاحة شبه معدومة، يصبح الحديث عن توفير الأدوية والرعاية الصحية المجانية مجرد حلم بعيد. إريتريا، مثل العديد من الدول الإفريقية، تواجه تحديات هائلة في تمويل نظامها الصحي بشكل مستدام، مما يساهم في تفاقم الأزمة الصحية في البلاد.
على الورق، هناك حديث مستمر عن توفير الرعاية الصحية للجميع؛ فالدستور الإريتري المجمد يضمن حق المواطنين في الرعاية الصحية المجانية. ولكن، إذا نظرت إلى الواقع، ستجد أن هذه الوعود تواجه العديد من العقبات. الميزانية الحكومية المخصصة للصحة لا تتجاوز 3% من إجمالي الإنفاق الحكومي، وهي نسبة منخفضة للغاية بالنظر إلى الاحتياجات الكبيرة للمواطنين. هذه النسبة تعني أن الحكومة لا تستطيع تغطية سوى جزء ضئيل من النفقات الأساسية في القطاع الصحي.
في هذا السياق، يُعتبر القطاع الصحي في إريتريا معتمداً بشكل كبير على المنظمات الدولية والمساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاته. هذا الوضع يعكس واقعاً مريراً : المستشفيات تعتمد على الهبات الخارجية لتوفير الأدوية الأساسية. إلا أن هذه المساعدات تظل غير كافية لتغطية كافة احتياجات البلاد من الأدوية المتقدمة أو المعدات الطبية الحديثة.
بالإضافة إلى ذلك، يواجه المواطن الإريتري أزمات حقيقية في الحصول على الأدوية. فحتى الأدوية الأساسية مثل المضادات الحيوية وأدوية الضغط والسكر تصبح في كثير من الأحيان مفقودة أو غير متوفرة. وفي حالة توفرها، تكون الأسعار مرتفعة بشكل يفوق قدرة المواطن العادي على تحمّلها. وبالتالي، يصبح الحصول على الدواء مسألة تتعلق بالقدرة المادية، مما يحرم الكثير من المرضى من الحصول على العلاجات الضرورية.
شهادة حيّة: خالتي ماتت لأن الدواء لم يصل
كنت صغيرة، بالكاد أفهم معنى الموت، لكنني أذكر اليوم الذي ماتت فيه خالتي جيداً . كانت تسكن في إحدى القرى القريبة من كرن، امرأة خمسينية، تحب الضحك، وتخاف على من حولها أكثر مما تخاف على نفسها.
خالتي كانت مريضة بارتفاع ضغط الدم، وكانت تعرف أنها بحاجة إلى دوائها يومياً ، لكن في التسعينات لم يكن من السهل أبداً أن تجد الدواء في المناطق الريفية، ولا حتى في المدن أحياناً .
في الأيام الأخيرة من حياتها، انقطع الدواء تماماً من المراكز الصحية. لا صيدليات، لا بدائل، لا مسؤول يرد. تدهورت حالتها فجأة. شعرنا بالخطر، لكن لم يكن هناك طبيب قريب ولا سيارة إسعاف. بقينا نراقبها وهي تعاني من صداع عنيف، وضيق تنفّس، وارتباك شديد، حتى أغمي عليها.
حملوها على الأكتاف إلى أقرب نقطة طبية، لكنها كانت قد فارقت الحياة.
لم تمت خالتي بسبب المرض فقط، بل ماتت لأن النظام الصحي تركها وحدها في قرية بلا دواء، بلا طبيب، بلا خطة.
اليوم، وأنا لاجئة في المنفى، أستعيد القصة كثيراً . ليس لأنني أريد الحزن، بل لأنني أريد أن يعرف العالم أن في إريتريا، الموت لا يأتي فقط من الحرب أو السجون، بل من الإهمال اليومي الذي لا يُحاسَب عليه أحد.
أكثر من ذلك، تجد أن ما يعانيه المواطن في إريتريا يتجاوز غياب الأدوية. فعلى الرغم من توفير بعض العلاجات الأساسية في المستشفيات الحكومية، يبقى الحصول على علاج تخصصي أو جراحة معقدة مسألة شبه مستحيلة. المستشفيات لا تملك المعدات اللازمة لإجراء عمليات جراحية معقدة أو لمعالجة الحالات الطارئة، مما يضطر المرضى إلى السفر إلى الخارج، خاصة إلى دول مثل إثيوبيا والسودان، وهو ما يتطلب موارد مالية لا يمتلكها الغالبية العظمى من الشعب.
تقرير “منظمة الصحة العالمية” حول إريتريا يشير إلى أن 90% من الأدوية الضرورية تأتي عبر المساعدات الدولية، وهو ما يزيد من ضعف النظام الصحي المحلي ويجعله عرضة للتقلبات الاقتصادية والسياسية العالمية. كما أن الحكومة لا تستطيع توفير الأدوية بشكل منتظم، مما يؤدي إلى تأخيرات طويلة في توزيع الأدوية في المراكز الصحية.
كل هذه العوامل تؤدي إلى تفاقم الوضع الصحي في إريتريا بشكل خطير. هناك شكاوى متزايدة من المواطنين الذين يعجزون عن الحصول على العلاج المناسب في الوقت المناسب، مما يسبب لهم المزيد من الألم والمعاناة. ببساطة، إن غياب التمويل الكافي والعجز في توفير الأدوية الأساسية والمعدات الطبية يجعل من الرعاية الصحية في إريتريا نظامًا غير قابل للاستدامة، يعاني في كل لحظة من تقلبات غير متوقعة.
التدريب والتعليم الطبي: بين الحاجة الملحة والفرص المحدودة
في قلب أي نظام صحي ناجح، يكمن الكادر الطبي المدرب والمجهز بالمهارات اللازمة لمواجهة التحديات الصحية. ولكن في إريتريا، تواجه عملية تدريب وتطوير الكوادر الطبية تحديات كبيرة، ما ينعكس سلباً على تقديم الرعاية الصحية للمواطنين.
عند الحديث عن تدريب الأطباء والممارسين الصحيين في إريتريا، نواجه واقعاً محبطاً . ففي الوقت الذي يحتاج فيه القطاع الصحي إلى المزيد من المهنيين المدربين، تظل الفرص المحدودة والتدريب غير كافٍ لضمان تحسين الجودة في الرعاية الصحية.
إريتريا، التي تعتبر من الدول النامية، تفتقر إلى مراكز تدريب طبية متطورة مقارنةً بالعديد من البلدان الأخرى في المنطقة. على الرغم من وجود بعض الجامعات والمؤسسات التعليمية التي توفر برامج دراسات طبية، إلا أن معظمها لا يستطيع تلبية الحاجة المتزايدة من المهنيين المدربين في المجال الطبي. احد الكليات الطبية التابعه للقطاع العسكري ، التي تُعتبر واحدة من أبرز الكليات في البلاد، توفر برامج طبية، لكنها تقتصر على عدد محدود من الطلاب كل عام، مما يجعل الوصول إلى فرص التدريب في المجال الطبي أمرًا صعبًا. وبالرغم من ذلك، فإن الخريجين من هذه الكليات يعانون من قلة التدريب العملي ونقص المعدات الحديثة التي يحتاجون إليها لتطوير مهاراتهم.
التدريب في إريتريا لا يقتصر على الأطباء فحسب، بل يشمل جميع المهن الصحية مثل الممرضين والفنيين الصحيين. ولكن، هناك نقص كبير في عدد المراكز التي تقدم تدريباً متقدماً للممارسين الصحيين، مما يؤدي إلى وجود فقر في التخصصات الدقيقة في القطاع الصحي. على سبيل المثال، هناك قلة من أطباء التخدير وأطباء جراحة الأعصاب، إضافة إلى نقص في أطباء الأمراض السرطانية. هذا النقص لا يعكس فقط التحديات التي تواجه النظام الصحي، بل يعكس أيضًا الواقع الصعب في توفير التعليم والتدريب الطبي المتخصص.
إريتريا تعتمد بشكل كبير على المساعدات الخارجية في تدريب المهنيين الطبيين، حيث تجلب العديد من المنظمات الدولية خبراء وطواقم تدريبية للمساهمة في رفع مستوى الكفاءات الصحية. ورغم هذه الجهود، لا يزال هناك تأخر ملحوظ في تحديث المناهج الدراسية وفي تحسين مستويات التدريب.
أما في ما يتعلق بالفرص للطلاب الإريتريين في الخارج، فتظل محدودة للغاية بسبب القيود المالية، إضافة إلى تراجع الدعم الحكومي لهذه البرامج. فمن الصعب على الطلاب التوجه إلى الخارج للحصول على تعليم طبي متقدم بسبب التكلفة المرتفعة التي يصعب على معظم الأسر الإريترية تحملها.
كل هذه العوامل تؤدي إلى تدني مستوى الكفاءة بين الكوادر الطبية في إريتريا، ما يعوق تقديم خدمات طبية متطورة ويضع ضغوطًا إضافية على المرضى الذين يحتاجون إلى رعاية تخصصية. وعندما ينقص الأطباء المهرة أو يفتقرون إلى التدريب المتقدم، تتعثر محاولات النظام الصحي لتوفير الرعاية الكافية لجميع المواطنين، مما يزيد من معاناة السكان.
الواقع الذي تواجهه إريتريا في هذا المجال يتطلب حلولاً جذرية ومستدامة، بدءاً من تحسين الفرص التعليمية والتدريبية، وصولاً إلى بناء شراكات مع الدول والمنظمات الصحية الدولية لدعم هذا القطاع. ولكن، يظل التحدي الأكبر هو توفير التمويل الكافي لاستثمار هذه الحلول وتطبيقها بشكل فعال.
البرامج الصحية الحكومية والتحديات السياسية:
إن النظام الصحي في إريتريا لا يقتصر فقط على البنية التحتية والمعدات الطبية، بل يتأثر بشكل كبير بالبرامج الصحية التي تُنفذ على مستوى الحكومة، بالإضافة إلى التحديات السياسية التي تعترض طريق تطوير هذه البرامج وتحقيق العدالة في توزيع الرعاية الصحية. في ظل الوضع الاقتصادي والسياسي القائم، تظهر العديد من القضايا التي تحد من فعالية هذه البرامج وقدرتها على تلبية احتياجات المواطنين.
1. البرامج الصحية الحكومية:
النظام الإريتري يعمل على توفير خدمات صحية أساسية عبر برامج مختلفة تستهدف الفئات الفقيرة والمناطق النائية. أبرز هذه البرامج هو برنامج الرعاية الصحية الأولية، الذي يهدف إلى تقديم الخدمات الصحية في المناطق الريفية والنائية عبر مراكز صحية صغيرة تديرها فرق طبية محلية. هذا البرنامج يحاول القضاء على التفاوت الكبير بين المناطق الحضرية والريفية في الوصول إلى الرعاية الصحية، ولكنه يواجه العديد من التحديات في التنفيذ بسبب نقص الموارد وارتفاع تكاليف العمليات.
إضافة إلى ذلك، هناك العديد من المبادرات الحكومية التي تهدف إلى مكافحة الأمراض المعدية مثل الملاريا والسل وفيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز). بعض هذه المبادرات تتعاون مع منظمات دولية، لكن التمويل المحدود غالباً ما يكون عائقًا أمام تحقيق النتائج المستدامة.
من البرامج الصحية البارزة أيضًا حملة “صحة الأم والطفل” التي تهدف إلى تقليل معدل وفيات الأمهات والأطفال حديثي الولادة. ومع ذلك، تواجه هذه الحملة تحديات كبيرة، مثل نقص الكوادر المؤهلة في المناطق الريفية، مما يجعل الوصول إلى الرعاية الصحية الجيدة محدوداً.
2. التحديات السياسية وتأثيرها على النظام الصحي:
إريتريا هي واحدة من الدول التي تشهد استقراراً سياسياً من حيث الحكم المركزي القوي، لكن هذه الاستقرار يقابله أيضاً تحديات سياسية كبيرة تؤثر سلباً على القطاع الصحي. إريتريا تشهد قلة في الانفتاح السياسي والاقتصادي، وهو ما ينعكس على السياسات الصحية وسبل تطويرها.
من أبرز التحديات السياسية هو القيود المفروضة على المنظمات الإنسانية والدولية التي قد ترغب في توفير الدعم المالي والفني للقطاع الصحي. فإريتريا تُواجه صعوبة في جذب الاستثمارات الدولية بسبب السياسات التي تحكم العلاقة مع المؤسسات الدولية والمنظمات غير الحكومية، ما يؤثر بشكل كبير على مستوى التمويل الموجه للقطاع الصحي.
على الرغم من المساعدات التي تقدمها بعض المنظمات الإنسانية، إلا أن هذه المساعدات لا تُغطّي كافة الاحتياجات في القطاع الصحي، مما يترك الحكومة في حالة من العجز عن تلبية الاحتياجات الصحية الأساسية لجميع المواطنين. هذا التحدي يعقد من إمكانية تحقيق برامج صحية شاملة وفعالة تتسم بالجودة العالية في كافة أنحاء البلاد.
إضافة إلى ذلك، هناك تحديات تتعلق بالشفافية والفساد في بعض الهيئات الحكومية، مما يؤدي إلى هدر الموارد التي يمكن أن تُستثمر في تطوير النظام الصحي. تداخل المصالح السياسية في بعض الأحيان مع تقديم الرعاية الصحية قد يؤدي إلى عدم كفاءة توزيع الموارد ويعرقل التقدم المطلوب في هذا القطاع.
3. القيود الاقتصادية وتأثيرها على تطوير القطاع الصحي:
إريتريا لا تملك الموارد الاقتصادية الكافية لتوفير نظام صحي شامل على مستوى كافة المناطق. فالموازنة الصحية السنوية لا تكفي لتغطية احتياجات البنية التحتية أو التدريب الكافي للكوادر الطبية، بالإضافة إلى صعوبة الحصول على الأدوية والمعدات الحديثة بسبب الحصار الاقتصادي الذي يواجهه البلد.
النقص الكبير في التمويل يُضعف قدرة الحكومة على توفير الأدوية الأساسية للمواطنين، كما يُفاقم من معاناة الفئات الأكثر فقراً الذين يعتمدون بشكل أساسي على الرعاية الصحية الحكومية.
مستقبل النظام الصحي في إريتريا وآفاق التطوير:
إن مستقبل النظام الصحي في إريتريا يحمل في طياته العديد من التحديات والفرص في آن واحد. على الرغم من الصعوبات التي يواجهها القطاع الصحي، إلا أن هناك بعض المسارات التي يمكن أن تسهم في تطويره وتحقيق تحسينات ملموسة في الرعاية الصحية للمواطنين. هذه الفرص تتطلب اتخاذ خطوات مدروسة ومدعومة بالاستثمار في البنية التحتية والتدريب وتوسيع التعاون مع المنظمات الدولية. سنناقش في هذه الفقرة التوجهات المستقبلية للنظام الصحي في إريتريا وآفاق التطوير المتاحة.
1. تعزيز الشراكات مع المنظمات الدولية:
من أبرز الفرص التي يمكن أن تسهم في تطوير النظام الصحي في إريتريا هي تعزيز الشراكات مع المنظمات الدولية مثل منظمة الصحة العالمية (WHO)، صندوق الأمم المتحدة للأطفال (اليونيسف)، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP). هذه الشراكات يمكن أن تسهم في توفير التمويل والتكنولوجيا الحديثة اللازمة لتطوير النظام الصحي في إريتريا، بالإضافة إلى دعم التدريب وتطوير القدرات البشرية في القطاع الطبي.
التعاون مع المنظمات غير الحكومية (NGOs) قد يكون له أيضاً دور كبير في تلبية الاحتياجات الصحية التي تتزايد في المناطق الريفية والبعيدة عن مراكز الخدمات الطبية. هذا التعاون يمكن أن يوفر خدمات صحية أساسية، مثل التطعيمات ضد الأمراض المعدية، وتوزيع الأدوية والمعدات الطبية الضرورية.
2. التحول الرقمي في القطاع الصحي:
التحول الرقمي يمثل أحد أبرز العوامل التي يمكن أن تحسن النظام الصحي في إريتريا بشكل كبير. إن اعتماد تقنيات حديثة مثل السجلات الطبية الإلكترونية، والطب عن بُعد (Telemedicine)، وتطبيقات الصحة الرقمية يمكن أن يسهم في تحسين الوصول إلى الرعاية الصحية وتوفيرها بشكل أكثر كفاءة. في ظل تحديات البنية التحتية المحدودة، قد تكون هذه الحلول الرقمية وسيلة فعالة للوصول إلى المرضى في المناطق النائية وتقديم الاستشارات الطبية دون الحاجة للسفر.
من خلال تكامل هذه التقنيات في مراكز الرعاية الصحية، يمكن تقليل الوقت والجهد المبذول في تقديم الرعاية الصحية، وزيادة فعالية التشخيص والعلاج، ما يجعل الرعاية الصحية أكثر دقة وكفاءة.
3. تحسين التدريب وبناء القدرات البشرية:
في ظل نقص الكوادر الطبية المؤهلة في إريتريا، تعد خطوة تحسين تدريب الأطباء والممرضين والفنيين الصحيين أحد العوامل الأساسية لتطوير النظام الصحي. من الممكن أن يكون هناك تعاون مع الجامعات والمستشفيات الدولية لتقديم برامج تدريبية متخصصة للأطباء والعاملين في القطاع الصحي.
استثمار الحكومة في تعليم وتدريب الأطباء والممارسين الصحيين يمكن أن يؤدي إلى تحسين جودة الرعاية الصحية وتقليل الاعتماد على الأطباء الأجانب، الذين قد يكونون محدودين في عددهم. كما أن برامج التعليم المستمر للممارسين الصحيين ستساعد على رفع مستوى الخدمة الطبية المقدمة للأفراد في جميع أنحاء إريتريا.
4. تطوير البنية التحتية وتوسيع المرافق الصحية:
أحد أكبر التحديات التي يواجهها النظام الصحي في إريتريا هو البنية التحتية المحدودة. بالنظر إلى أن العديد من المناطق الريفية لا توجد فيها مستشفيات أو مراكز صحية متكاملة، فإن تعزيز البنية التحتية يعد من الأولويات لتحسين النظام الصحي. يمكن أن يتضمن ذلك بناء مستشفيات جديدة في المناطق النائية وتوسيع مرافق الرعاية الصحية في المدن الكبرى.
من الممكن أيضًا الاستثمار في تحسين الخدمات الصحية في المستشفيات القائمة، وتحديث المعدات الطبية، وتوفير بيئة أفضل للعاملين في القطاع الصحي من خلال تحسين الظروف في المستشفيات والمراكز الصحية. كما أن توسيع شبكة المواصلات في المناطق الريفية سيساعد المرضى في الوصول إلى هذه المرافق بشكل أسهل وأسرع.
5. تعزيز الوعي الصحي بين المواطنين:
تطوير النظام الصحي في إريتريا لا يقتصر فقط على تحسين الخدمات الطبية، بل يتطلب أيضاً زيادة الوعي الصحي بين المواطنين. إن تعزيز برامج التثقيف الصحي التي تتناول موضوعات مثل الوقاية من الأمراض المعدية، التغذية السليمة، وأهمية الرعاية الصحية الوقائية يمكن أن تساهم في تقليل عدد الحالات المرضية والحد من العبء على النظام الصحي.
يمكن أن يتم هذا من خلال الاعلام ، بالإضافة إلى حملات توعية مجتمعية في المدارس والقرى والمناطق النائية. عندما يتمكن المواطنون من الوصول إلى المعلومات الصحية الأساسية ويتبعون أسلوب حياة صحي، فإن ذلك سيقلل من الحاجة إلى علاج الأمراض المتقدمة التي قد تؤدي إلى مضاعفات صحية.
عنوان المقاطعــة: “شعب النظام.. وشعب الدولة: حين يصبح المرض مسألة امتياز سياسي”
في أحد أزقة أسمرا الخلفية، كانت الجدة “مريم” تصارع نوبة ضغط حادة. بحث أحفادها عن دواء في كل الصيدليات المحيطة، لكن الدواء اختفى. ليس من السوق فقط، بل من أولويات الدولة. تُوفيت الجدة في البيت، بين أيدي أحفادها، دون أن تَقرع أجراس الطوارئ، لأن لا أحد هناك ليستجيب. يقول أحد الشهود: “حتى جهاز الضغط في المركز الصحي كان مكسوراً، وكانت الممرضة تستخدم إصبعها لتقدير حالتها”.
وفي الجهة الأخرى من العاصمة، خلف بوابات حديدية عالية وأسوار مسلّحة، يقع جناحٌ طبي سري، لا توجد لافتة على بابه. قلة فقط من يعرفون وجوده. مخصص لأفراد محددين: أبناء القيادات، رفاق الرئيس، المتنفذون من ضباط الأمن والجيش. يقول موظف سابق فيه – فضّل عدم ذكر اسمه -: “هذه العيادة مجهزة بأجهزة مستوردة، وأدوية لا تجدها في أي مكان آخر. إنها دولة صحية داخل دولة مريضة.”
الرئيس أسياس نفسه، الذي يُفترض به أن يؤمن بالصمود المحلي، لا يثق بالمستشفيات الوطنية. تؤكد مصادر مطلعة أنه في كل مرة يعاني من وعكة، يسافر فوراً إلى الخارج؛ غالباً إلى أبوظبي أو الدوحة. وأحياناً جنوب إفريقيا، حيث يُستقبل على أعلى المستويات. لم يره أحد في مستشفى أوروتا، أو في عيادات العامة.
في حالات الطوارئ الكبرى، تفتح الدولة طائراتها الخاصة لبعض الضباط، لنقلهم للعلاج في الخارج. في حين أن المواطنين لا يجدون سيارة إسعاف لنقل مريض نزيف حاد إلى المستشفى. يقول لاجئ إريتري في أوروبا: “أخي نزف حتى الموت. لم يكن هناك من يقله. سائقو الإسعاف يريدون تصاريح أمنية للتحرك، والمستشفى لا يستقبل حالة طارئة بعد العاشرة مساءً.”
لا يتساوى الجميع في الموت كما لا يتساوون في الحياة. في إريتريا، المرض يُصنّف سياسياً قبل أن يكون طبياً. من يحق له أن يتألم؟ من يُعالج؟ من يُدفن كشهيد؟ ومن يُدفن كرقم لا يُحصى؟
هكذا صارت الصحة العامة في البلاد لا تُقاس بمستوى الخدمات، بل تُقاس بمدى قربك من السلطة .
الإيجابيات والسلبيات في النظام الصحي الإريتري حسب التقارير الدولية
الإيجابيات:
1.تحسن معدلات الرعاية الصحية الأساسية:
•وفقًا لتقرير منظمة الصحة العالمية (WHO)، فإن إريتريا قد حققت تقدمًا في تحسين معدلات التطعيم والعلاج من الأمراض المعدية. ففي عام 2020، كانت معدلات التطعيم ضد الحصبة في إريتريا قد وصلت إلى 91%، وهي نسبة مرتفعة مقارنةً بالعديد من الدول الأفريقية الأخرى.
•التغطية الصحية في إريتريا شهدت تحسنًا مع زيادة عدد الأطفال الذين يحصلون على اللقاحات الأساسية.
2.تقديم الرعاية الصحية الأساسية في المناطق الريفية:
•قامت إريتريا بتنفيذ عدة برامج للرعاية الصحية الأولية تستهدف المناطق الريفية. حيث تشير التقارير إلى أن حوالي 60% من السكان في المناطق الريفية لديهم وصول إلى خدمات صحية أولية، على الرغم من التحديات الكبيرة في البنية التحتية.
3.الاستثمار في صحة الأم والطفل:
•تعتبر معدلات وفيات الأمهات في إريتريا منخفضة نسبيًا مقارنةً بدول أخرى في المنطقة. في عام 2018، أظهرت التقارير أن معدل وفيات الأمهات انخفض إلى 397 حالة وفاة لكل 100,000 ولادة مقارنة بـ 672 حالة وفاة لكل 100,000 ولادة في عام 2000.
4.مكافحة الأمراض المعدية:
•برنامج مكافحة الملاريا في إريتريا حقق نتائج إيجابية، حيث تم تقليص عدد الإصابات والوفيات بشكل كبير، كما أن حالات السل انخفضت بنسبة أكثر من 30% في السنوات الأخيرة.
5.تحسين التدريب والتطوير المهني للكوادر الطبية:
•تم إرساء برامج تدريبية للكوادر الطبية المحلية، حيث تلقى العديد من الأطباء والممرضين تدريبات متقدمة، وذلك لتحسين مهاراتهم في التخصصات المختلفة، مما يساهم في تحسين مستوى الرعاية الصحية.
السلبيات:
1.النقص الكبير في عدد المستشفيات:
•إريتريا تعاني من نقص حاد في المستشفيات. بحسب تقرير منظمة الصحة العالمية (WHO) لعام 2020، يبلغ عدد المستشفيات في إريتريا 22 مستشفى فقط. بالمقارنة مع عدد السكان الذي يقدر بحوالي 6 مليون نسمة، فإن هذا يعد عدداً قليلاً جداً.
•المراكز الصحية موزعة بشكل غير متساوٍ، حيث تتركز الغالبية العظمى في العاصمة أسمرة والمناطق الحضرية، بينما توجد فجوة كبيرة في الوصول إلى الخدمات في المناطق الريفية.
2.نقص الكوادر الطبية المؤهلة:
•تشير التقارير الدولية إلى أن إريتريا تواجه نقصًا كبيرًا في الكوادر الطبية، حيث أن عدد الأطباء في البلاد قليل جدًا مقارنة بعدد السكان. وفقًا لـ منظمة الصحة العالمية (WHO)، يوجد في إريتريا أقل من 1 طبيب لكل 10,000 نسمة. في حين أن المعدل المثالي وفقًا للمعايير العالمية يجب أن يكون حوالي 1.5 إلى 2 طبيب لكل 10,000 نسمة.
3.الاعتماد الكبير على الأطباء الأجانب:
•يشير تقرير المنظمة الدولية للهجرة (IOM) إلى أن إريتريا تعتمد على الأطباء الأجانب لتغطية النقص في الكوادر الطبية الوطنية، خاصة في التخصصات الطبية المتقدمة مثل الجراحة والأورام. هذا يخلق تحديات في استدامة النظام الصحي المحلي.
4.البنية التحتية المحدودة:
•البنية التحتية الصحية في إريتريا تعاني من نقص حاد في التجهيزات والمعدات الطبية الحديثة. العديد من المستشفيات والمراكز الصحية لا تحتوي على معدات طبية متقدمة، ما يؤدي إلى تقليل فعالية التشخيص والعلاج.
•تشير تقارير الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (IFAD) إلى أن أكثر من 30% من المعدات الطبية في إريتريا في حالة غير صالحة للاستخدام، مما يهدد جودة الرعاية الصحية المقدمة.
5.التهديدات المستمرة للأمراض المعدية:
•على الرغم من الجهود المبذولة في مكافحة الأمراض المعدية، إلا أن إريتريا لا تزال تواجه تحديات كبيرة في التعامل مع الأمراض مثل الملاريا والسل، وهي أمراض تحتاج إلى استثمارات مستمرة في الوقاية والعلاج.
•وفقًا لتقرير منظمة الصحة العالمية (WHO)، لا تزال الملاريا تُسجل إصابات سنويًا بالملايين، خاصة في المناطق الريفية التي لا تصل إليها الرعاية الصحية بفعالية.
6.العوامل الاقتصادية والسياسية:
•الأزمة الاقتصادية والسياسية في إريتريا تؤثر بشكل كبير على التمويل الصحي. التقارير الدولية تشير إلى أن الميزانية الصحية في إريتريا تُعتبر من بين الأدنى في أفريقيا، حيث لا تتجاوز 5% من إجمالي الإنفاق الحكومي، مما يحد من قدرة النظام الصحي على مواجهة تحدياته.
7.الوصول المحدود إلى الأدوية والخدمات الصحية:
•لا يزال الكثير من المواطنين في المناطق الريفية يواجهون صعوبة في الوصول إلى الأدوية الأساسية والخدمات الصحية. وفقًا لتقرير الصندوق العالمي للتمويل الصحي (Global Fund)، حوالي 40% من السكان في المناطق الريفية لا يتمكنون من الحصول على الأدوية الأساسية أو الخدمات الصحية.
مخرج : إريتريا على مفترق طرق: مستقبل النظام الصحي بين التحديات والطموحات .
في النهاية، نجد أن النظام الصحي في إريتريا يتأرجح بين الآمال والتحديات، بين الإنجازات الصغيرة والتحديات الكبيرة. وعلى الرغم من الجهود المبذولة لتحسين معدلات التطعيم، وتقليل وفيات الأمهات، ومكافحة الأمراض المعدية، إلا أن الطريق ما زال طويلاً للوصول إلى مستوى الرعاية الصحية المثلى التي يستحقها الشعب الإريتري. يبقى النقص الكبير في عدد المستشفيات والمراكز الصحية في المناطق الريفية، وقلة الكوادر الطبية المدربة، ومحدودية البنية التحتية من أبرز العقبات التي تحتاج إلى معالجة جادة وعاجلة.
ورغم هذه التحديات، فإن إريتريا تملك إمكانيات هائلة يمكن استثمارها للنهوض بالقطاع الصحي. من خلال تحسين تدريب الكوادر الصحية، تعزيز التعاون مع المنظمات الدولية، وتوسيع نطاق الرعاية الصحية في المناطق النائية، قد تتحول هذه التحديات إلى فرص حقيقية لابتكار حلول عملية ومستدامة. إريتريا بحاجة إلى المزيد من الاستثمارات في هذا القطاع الحيوي، ولعل المستقبل يحمل في طياته أملاً أكبر لجميع المواطنين، حيث يمكن أن تصبح الرعاية الصحية جزءاً من رؤية شاملة تساهم في رفاهية الشعب الإريتري وازدهار البلد ككل.
إذا كانت الصحة أساس المجتمع، فإن إريتريا أمام فرصة تاريخية لتضع قدمها على الطريق الصحيح نحو تحول حقيقي في هذا المجال. لكن هذا يتطلب إرادة سياسية قوية، واستثماراً حقيقياً في تطوير البنية التحتية، وتحسين الوصول إلى الرعاية الصحية بكل مستوياتها. إذا توحدت الجهود، وركّز الجميع على تقديم الأفضل لمستقبل الأجيال القادمة، فقد تشهد إريتريا نظاماً صحياً قوياً يسهم في استدامة التقدم الاجتماعي والاقتصادي.
مستقبل النظام الصحي في إريتريا يعتمد بشكل كبير على القدرة على التغيير والقدرة على تحويل الصعاب إلى فرص. فهل ستنجح إريتريا في مواجهة تحدياتها؟ ذلك ما ستكشفه السنوات القادمة، ولكن يبقى الأمل مشرقاً، والطموحات لا حدود لها.
هل ستتمكن إريتريا من جعل الرعاية الصحية حقاً أساسياً لكل مواطن؟ هذا هو السؤال الذي لا بد من الإجابة عليه، والخطوات التالية ستكتب قصة هذا التحدي وكيفية تجاوزه في المستقبل القريب.
المصادر والمراجع
World Health Organization (WHO)
1. WHO Country Cooperation Strategy – Eritrea
Overview of the national health profile, system priorities, and WHO interventions.
WHO Eritrea Country Profile
2. WHO Biennium Report: Eritrea 2020–2021
Details WHO’s support to Eritrea’s health sector during the COVID-19 pandemic and beyond.
WHO Eritrea Biennium Report 2020-2021
3. Global Health Observatory Data: Eritrea
Offers key national health indicators such as life expectancy, mortality rates, and infrastructure data.
WHO GHO Data – Eritrea
World Bank
4. The Health Sector in Eritrea: World Bank Analysis
In-depth report on Eritrea’s health services, infrastructure gaps, and human resource issues.
The Health Sector in Eritrea – World Bank
Global Health Security Index (GHSI)
5. Eritrea GHS Index Report
Evaluates Eritrea’s ability to prevent, detect, and respond to public health threats.
Eritrea – GHS Index
Academic and Scientific Publications
6. Mental Health in Eritrea: A Brief Overview
Published in International Psychiatry, highlights the underdevelopment of mental health services.
Mental Health in Eritrea – PMC
7. Non-Communicable Diseases in Eritrea: A Review
Provides statistics and risk factor analysis for chronic illnesses.
Springer – Non-Communicable Diseases in Eritrea
Geopolitical & Aid Reports
8. The Country That Kicked Out USAID – Financial Times
Report on Eritrea’s expulsion of international aid agencies and implications for public health.
FT Article
9. Bertelsmann Stiftung BTI 2024 – Eritrea Report
Comprehensive country assessment covering governance, social policy, and healthcare access.
BTI 2024 – Eritrea Country Report



