رصد اريتريا | الكاتب : إبراهيم حالي
التجرید من اللغة ھو تجرید من الإنسانیة
في المقال السابق، جرى تناول كیفیة توظیف اللغة بوصفھا أداةً لتأسیس الاستبداد وضبط خطاب التنظیم المركزي، كما تخیّلھا جورج أورویل في روایتھ الشھیرة 1984.
في ھذا المقال ننتقل خطوةً أبعد، لنسائل الدور الذي لعبتھ اللغة في تعمیق غربة أغلب الإرتریین داخل وطنھم بعد التحریر، وكیف أُعید تشكیل الھویة والمواطنة على أساس القرب أو البعد من لغة السلطة.
اللغة ھنا لا تُفھم كوسیلة تواصل فحسب، بل كحقل سلطة، وكمخزون رمزي یحّدد من ینتمي ومن یُقصى، ومن یُعترف بھ مواطنًا كامل الأھلیة، ومن یُدفع إلى ھوامش الوجود السیاسي والاجتماعي والحقوقي، وقبل ذلك الإنساني.
تھجین اللغة ونزعھا من معانیھا الاجتماعیة
كما تطرقت في المقال السابق، فإن أحد أخطر أشكال العنف الرمزي الذي مارستھ السلطة تمثّل في تھجین لغة التجرینیة داخل التنظیم، عبر تفریغھا من معانیھا ومحمولاتھا الموروثة اجتماعیًا وثقافیًا، وإعادة تحمیلھا بدلالات تنظیمیة صارمة.
تح ّولت اللغة من وعاء للخبرة الجمعیة والذاكرة والتن ّوع، إلى لغة جافة لا تصلح إلا للانضباط العسكري والطاعة.
غیر أن ھذا كان اخف ضر ًرا مقارنةً بما حدث للمكّونات الأخرى ولغاتھا؛ إذ إن ما جرى كان بمثابة انتزا ٍع لألسنتھم، وتحویلھم إلى كائنات صامتة، وھو ما أفقدھم حقھم الإنساني قبل الھویة وبقیة الحقوق.
ثم جاءت محاولة إعادة إنتاجھم ٍ بلغة أخرى، لا كمواطنین، بل ككائنات بلا ذاكرة أو محمول ثقافي.
لم یكتِف التنظیم بذلك، بل ذھب أبعد؛ إذ منع عودة اللاجئین من المھاجر والمنافي، وكان أغلبھم من قومیات ما دون التجرینیة. حتى إن الرئیس نفسھ، وكذلك مستشاره یماني قبرآب، نفیا في أكثر من مقابلة متلفزة أن یكونوا إرتریین، بالقول إنھم «في وطنھم» ولیس ھناك ما یستدعي عودتھم.
وھذا بالطبع لم یكن رفضاً إداریًا، بل موقفًا سیاسیًا بامتیاز، یرفض التنوع ویمارس الإقصاء لكل ما ھو غیر تجریني.
بھذا التحول، لم تعد اللغة أداةً للتفاھم، بل وسیلةً للمراقبة والقمع. فكل محاولة للخروج عن القاموس اللغوي للتنظیم، أو محاولة استعادة اللغات إلى معناھا الاجتماعي المتعارف علیھ، أو لمناقشة شؤون الناس بھا، كانت تواجه بوصم بما دون الوطنیة، وتُقابل بالشك والریبة، وتُقابل بعقوبات قد تصل إلى حد الإخفاء القسري.
وھنا صودرت لغة الجموع، واستُبدلت بلغة السلطة.
أما اللغات الأخرى، فقد ُوضعت في أواخر رفوف النسیان، ولم یُستد َع حضورھا إلا في مواسم التعبئة للحروب، إلى خشبة المسرح، ثم ت ُعاد بعدھا إلى سلة مھملات الذاكرة، وكأنھا لغات انقرض أصحابھا منذ أمد بعید، على غرار ما حدث للسكان الأصلیین في أمریكا وأسترالیا.
وبھذا الفعل اللغوي المتعسف نُسفت معاني المواطنة والانتماء، إذ أصبحت لغة السلطة المعیار الوحید للھویة، وكأنھا لیست حقًا طبیعیًا، بل شھادة امتیاز یمنحھا الحزب الواحد.
مصادرة اللغة لیست فعلاً محايداً ؛ بل ھي في جوھرھا مصادرة للإرث الثقافي والدیني والاجتماعي، ومصادرة للذاكرة، وبالتالي مصادرة للإنسان نفسھ.
فاللغة ھي ما یمیّز الإنسان عن الكائن الصامت، وھي مخزون المفردات والرموز التي تعینھ على التفكیر والتخیّل والتوافق والاعتراض، وعندما تُنتزع ھذه القدرة أو تشوه ، نكون أمام شكل من أشكال نزع الإنسانیة.
عملت لغة التنظیم سابقًا على:
توحید الخطاب وإلغاء الفروق الفردیة.
خلق ذات تنظیمیة مطیعة، ت ّفكر بالمفردات نفسھا وتقیّم الواقع بالمعاییر نفسھا.
عزل الأفراد عن لغاتھم الاجتماعیة الأصلیة، وبالتالي عن مجتمعاتھم.
ھذا الانفصال اللغوي خلق اغترابًا مزدو ًجا بعد التحریر:
اغتراب المناضل عن ذاتھ، إذ لم یعد یجد هويته إلا في أروقة الحزب، لا بین أفراد أسرته أو داخل مجتمعھ.
واغتراب المجتمع عن الحزب/الدولة، التي باتت تتحدث لغة لا تشبھھ، وتمارس عادات لا ینتمي إلیھا.
إعادة صیاغة المجتمع وفق رؤیة أحادیة
حینما انتقل التنظیم إلى الدولة، انتقلت معه لغته المبتكرة لتصبح لغة السلطة.
وھنا بدأت عملیة إعادة صیاغة المجتمع:
تم تصنیف المواطنین ضمن درجات غیر معلنة وفق قربھم أو بعدھم عن لغة السلطة.
أصبحت اللغة معياراً للولاء لا أداةً للتواصل.
جرى تھمیش اللغات والمعاني المحلیة لصالح خطاب سلطوي أحادي بلغة واحدة مھ ّجنة، مع إلغاء بقیة اللغات، رغم ادعاء الحزب تمثیل الجمیع.
ومن أجل إعادة إنتاج المجتمع كما أُعید إنتاج المقاتل في المیدان، أُطلق مشروع «ساوا» بعد عام واحد فقط من إعلان الاستقلال. وكان عنوانھ الظاھري الخدمة الإلزامیة، بینما تمثّلت أھدافھ الفعلیة في استكمال مشروع التھجین، وإنتاج جیل جدید بلغة واحدة، تحت قوانین عسكریة صارمة، على حساب التعّدد، وبما یقتل مشروع الھویة الذي ُوضعت لبناتھ في التاریخ الثوري المشترك.
تجربة شخصیة:
كان لنا في «ساوا» رفیق من أبناء قومیة «النارا»، إنسان بسیط أُلحق بالمعسكر عبر برنامج التجنید الإجباري. لم یكن یتحدث سوى لغتھ الأم ولا یفھم غیرھا، فعانى بشدة في التدریب الذي كان یُدار بلغة التجرینیة. تجسدت معاناته في إنزال أقسى العقوبات بحقه لأنه لم یفھم تعلیمات المد ّرب. وبما أن اللغة ّشكلت حاجزاً منيعاً ، فقد عجز عن الدفاع عن نفسه ، وكانت دموعه تنحدر على خديه في صمت مریر بعد كل عقوبة.
لم یتوقف الأمر عند ذلك، بل من المؤسف أنه تحول مع الوقت إلى مادة للتنّدر والسخریة من قبل المد ّربین، «فقرة فكاھیة»، ولم یعد يعامل كإنسان، بل ككائن غریب بلا لغة ولا إرث، كأن الغابة ھي التي أنجبته.
تحضرني ذكرى أخرى: عندما وضعت الحرب الحدودیة أوزارھا، تقرر أن تتوجه وحدتنا إلى مرسى «حسمت» علي شواطيء البحر الأحمر للتد ّرب على السباحة. وكان لنا رفیق مزارع بطیخ من أبناء «سمھر»، یعاني من رھاب البحر ولا یجید لغة التجرینیة، فلم یقدر على توصیل خوفه لقائده. اعتبر القائد ذلك تهرباً ورفضاً للأوامر، فأخذه في مركب صغیر وألقى به في مكان عمیق، ولولا أن أنقذه بعض الرفاق لمات غرقًا.
الأمر الذي أغضب رفیقنا، فجعله یطلق النار على قائد سريته ويهشم قدميه
.
وجراء ما حدث، وكعقوبة، تم ربطه من يديه وقدميه وھو ملقى على بطنه ، وظل یتألم طیلة اللیل من شدة الوثاق. وعند الصباح، حاولوا فك قیوده، فوجدوا أن الحبال قد انغرست في لحمھ. تم تحويله إلى المستشفى العسكري في مدینة كرن، وقیل إن يديه بُترتا ھناك، لكنھ لم ينج ، وقضى نحبه في الیوم الثاني.
كثر ھم أمثال ھؤلاء الرفاق الذین لا یزالون یعانون الغربة في وطنھم بسبب حاجز اللغة، بعد أن فقدوا لغاتھم.
بھذا المعنى، لم تُصادر السلطة المجال السیاسي فحسب، بل صادرت المجال الرمزي أی ًضا؛ أي قدرة المجتمع على تسمیة ذاتھ وأشیائھ والتعبیر عن تن ّوعھ. وخلقت بذلك شر ًخا عمیقًا في جغرافیا الھویة والوطنیة، ونسفت الثقة بین مكّوناته، وفتحت الباب على مصراعیھ للخطاب العنصري.
ھل نجح المشروع؟
على المدى القصیر، یمكن القول إن المشروع نجح في فرض الصمت، لكنھ فشل في إنتاج القناعة بالھویة الملفّقة.
فاللغة المفروضة بالقوة لا تصنع ھویةً مستقرة، بل تراكم الاحتقان والاغتراب.
ویتجلّى ذلك في اتساع فجوة الغربة، لا بین المواطن والدولة فقط، بل بین المواطن ولغته نفسھا، حین یشعر أن الكلمات التي ینطق بھا لم تعد تعبّر عنه، لأنھا لا تصل إلى آذان السلطة. وبالنتیجة، تسقط حقوقه، لا كمواطن فحسب، بل كإنسان فقد كرامته دفعةً واحدة.
الاستبداد لا یقوم على العنف المادي وحده، بل على عنف لغوي يسبقه ویؤسس له . وفي الحالة الإرتریّة، كانت اللغة أحد أھم میادین الصراع: صرا ًعا على المعنى، وعلى الھویة، وعلى الحق في الكلام.
واستعادة الحریة تبدأ، بالضرورة، من استعادة الكلمة؛ أو كما قال الفیلسوف النمساوي لودفیغ فیتغنشتاین:
«حدود لغتي ھي حدود عالمي».
إن تحریر اللغة من قبضة السلطة، وإعادتھا إلى أھلھا بوصفھا فضاءً للتعّدد، لا أداة للإخضاع، ھو شرط أساسي لاستعادة الھویة الوطنیة والإنسانیة.
