ما الذي يراه العميان؟ الطائفة التي عبدت أفورقي وابتلعت الخراب

رصد اريتريا | المنفي رقم ٢٤ يكتب

في كل بلدٍ يصنع الطغاةُ جمهوراً يصفّق، وجوقةً تسبّح بحمده، وقافلةً تتلو الإنجازات التي لا وجود لها إلا في رؤوس المساكين. لكن الحالة الإريترية شيء آخر… شيء يستحق الدراسة في كتب “علم الضحية السعيدة”.

نحن أمام نظام خنق الناس حتى صار الاختناق عند بعضهم هواءً نقيًا، وقمعهم حتى صار القمع مثقال كرامة، وعطّل الحياة حتى صار العطلُ إنجازًا وطنيًا.

ما الذي يراه المؤيدون لأفورقي؟

السؤال ليس سياسياً… بل طبي نفسي وجودي:
كيف يرى شخصٌ رئيساً يقود البلاد منذ ثلاثة عقود بلا دستور، بلا برلمان، بلا انتخابات، بلا تداول سلطة، بلا قانون، بلا صحافة… ويصفّق؟

كيف ينظر مواطنٌ لبلادٍ تحولت إلى معسكر اعتقال مفتوح ويقول:

“الحمد لله… الوضع ممتاز.”

كيف يسمع شعبٌ بتقارير أممية توثق السجون السرية، الاعتقال إلى الأبد، الخدمة العسكرية المؤبدة، التعذيب، اغتصاب المجندات، الإخفاء القسري، تذويب المعارضين، سرقة المناجم، تجويع الناس، الحروب العبثية، إغلاق الجامعات، قتل السياسة، اغتيال العقل، وتهريب الشباب…
ثم يخرج أحدهم وهو يرفع صورة القائد ويقول:

“هذا هو الأب، هذا هو المنقذ.”

هل هذه عيونٌ ترى؟ أم أنها ثقوبٌ في جمجمة مكسورة؟

المؤيد يرى الأفورقية… لا إريتريا

المؤيد الإريتري لأفورقي لا يرى وطناً، بل يرى زعيماً.
لا يرى دولة، بل يرى صنماً سياسياً.
الوطن عنده ليس شعبًا، بل خندقًا ومؤامرة ومليشيات و”الجبهة أولًا”.
إنه يعيش بعقلية:

“إريتريا ليست شعباً يحق له الحياة… إريتريا مشروع أمن وقائد ورجال ظل.”

فإذا جاع الناس، يقولون: إنها المؤامرة .
إذا هرب الشباب بالمئات آلافًا، يقولون: خونة.
إذا مات الاقتصاد، يقولون: نحن بخير.
إذا امتلأت السجون، قالوا: الأمن اولاً.
وإذا وقف العالم يصف إريتريا بأنها من أسوأ السجون البشرية
صرخوا:

«الغرب حاقد… نحن مستهدفون».

هذا ليس منطق دولة…
هذا منطق جماعة عقائدية تحتفل بالموت.

المعارض يرى الوطن… والمؤيد يرى الثكنة

المعارض يتألم لأنه بشري.
يرى وطناً بلا تعليم، بلا جامعات حقيقية، بلا مستقبل…
يرى أمهات ينتظرن أبناءهن منذ 20 سنة في سجون لا اسم لها…
يرى فتياتٍ بلا ملامح يقفن على حدود السودان وأثيوبيا واليمن طلبًا للحياة…
يرى شباباً يبيعون أرواحهم في صحراء سيناء
ويصبحون قطع غيار بشرية في أسواق العصابات.

والمؤيد؟
يرى في كل هذا بطولة القائد.

لماذا؟

لأن النظام قتل الإحساس.
قوّض البديل.
حوّل الشعب لقطيعٍ يبحث عن “جلاد جيد”.
حوّل الخوف لعقيدة.
وحوّل أفورقي إلى كائن فوق النقد.

المؤيد طفل سياسي يبحث عن أب يخوّفه ويحميه في الوقت نفسه.
معلقةٌ فمه بجرعة دعائية:

«كل شيء مؤامرة».

ينهار الاقتصاد؟
لا مشكلة…

«الغرب منع التنمية».

تهرب العقول؟

«هؤلاء لا يحبون الوطن».

تُغتصب المجندات؟

«كلام مفبرك».

تمتد الخدمة العسكرية إلى الأبد؟

«نحن دولة مقاومة».

أي مقاومة يا سادة؟
نحن نقاوم الحياة نفسها.

ومع ذلك، هناك من يصفق.
هناك من يبتسم.
هناك من يرفع صورة الزعيم ويقول:

“هذا قدرنا.”

لماذا يعبدونه؟

الجواب لأن عبادة الأصنام السياسية لا تحتاج إلى عقل… تحتاج فقط إلى خوف وقطيع ودعاية

النظام صنع عقل بلا أسئلة.
مواطناً بلا حلم.
شعباً بلا ذاكرة.
ثم قال لهم:

“أنا الوطن.”

فصاروا يصدقون أن انتقاده خيانة،
وأن محاسبته جريمة،
وأن معارضته انتحار.

لقد صارت إريتريا دولة بلا حياة

ارضاً بلا اقتصاد،
شعباً بلا طموح،
جيشاً بلا نهاية،
نظاماً بلا عقل،
مستقبلاً بلا موعد.

بلدٌ يعيش على الإنكار.
الإنكار مخدر الفاشلين…
فكيف إذا اجتمع الإنكار مع خوف وولاء أعمى؟

من رأى الجحيم ولم يعرف أنه جحيم؟

من عاش القمع ولم يفهم أنه قمع؟
من رأى السجون ولم يدرك أنها سجون؟
من هرب أولاده من الحدود…
ثم جلس يقول:

«النظام بخير».

هذا ليس شعباً مؤيداً…
هذا شعبٌ مُختطَف.

وفي النهاية

لا، المؤيدون لا يرون…
لأنهم لا يريدون أن يروا.
لأن الحقيقة ستكسر أصنامهم،
وتهزّ إيمانهم بالجلاد،
وتتركهم عُراة أمام ذواتهم.

المعارضون رأوا الحقيقة وانكسروا،
والمؤيدون رأوا الكذبة وعبدوا.

والفرق بين الطرفين؟
المعارض اختار أن يكون انساناً.
والمؤيد اختار أن يكون تابعاً.

انتهى

ما ورد أعلاه هو قراءة تحليلية للواقع السياسي والاجتماعي كما يراه الكاتب، ولا يُعتبر موقفاً تنظيمياً أو دعوة للانتماء إلى أي تيار. الهدف هو الفهم والنقاش لا أكثر .

Exit mobile version