المعارضة الإريترية في غرفة الإنعاش: موت سريري وانتظار شهادة الوفاة

المنفي رقم ٢٤ يكتب
إذا كان النظام الإريتري قد دفن حلم الدولة، فإن المعارضة الإريترية تواطأت في الحفر.
وبين قاتلٍ يضرب بقبضة الحديد، ومريضٍ غائب عن الوعي، تبقى إريتريا في العناية المركزة، تنتظر من ينتشلها، لا من يتسابق على كتابة المرثية.
لقد مرت عقود من الاستبداد، ولكنها أيضاً مرت عقود من التخبط السياسي لدى من يُفترض أنهم “النقيض”، فإذا بهم في واقع الأمر مجرد ظل باهت لخصمهم، يرددون شعارات مستهلكة، ويكررون نفس الأساليب العقيمة، وكأن شيئًا لم يكن.
من يتابع حال المعارضة اليوم، لا يحتاج إلى تقارير ولا تحليلات سياسية؛ يكفي أن ينظر إلى:
– اجتماعات بلا قرارات
– بيانات بلا فعل
– منابر بلا جمهور
– صراعات داخلية تستهلك ما تبقى من أعصاب الناس
– وقيادات تجاوزها الزمن، ترفض المغادرة، لكنها أيضاً لا تعرف الطريق.
معارضة بلا خصومة حقيقية
في كل تاريخ الثورات، لم يحدث أن واجهت دكتاتورية بهذا الضعف معارضة بهذا الضعف.
النظام في أسمرا لا يملك اقتصاداً، لا يملك شرعية، لا يملك مشروعاً، لا يملك حتى حلفاء أقوياء…
ومع ذلك، فهو ما يزال في الحكم.
السبب؟
لأن المعارضة لا تملك أدوات الخصومة الحقيقية.
ليس لديها مشروع بديل واضح.
ليست على تماس مع الداخل.
ولا حتى على تواصل فعال مع الشتات.
هي فقط تجتمع، تنقسم، تعيد هيكلة لجانها، ثم تعود إلى نقطة الصفر.
رفاق الأمس يتحاربون على إرث بلا مضمون،
وجماهير فقدت الثقة، فاختارت الانكفاء أو الهجرة أو الصمت.
منصات من ورق وخطاب منسي
هل تملك المعارضة قناة إعلامية واحدة تخاطب الداخل بلغة مقنعة؟
هل لديها كادر شبابي يتحدث بلسان العصر؟
هل تملك حملة علاقات عامة تدير صورتها أمام العالم؟
هل لديها خطة حقيقية لاختراق الجدار الإريتري المغلق؟
الجواب: لا.
إنهم ما زالوا يكتبون البيانات كما لو كنا في السبعينات.
يخاطبون جمهورًا لا يسمع، بل لا يريد أن يسمع، لأن الخطاب نفسه قد فقد قيمته.
في الوقت الذي تبني فيه الثورات الحديثة أدواتها الرقمية،
ما زالت المعارضة الإريترية تكتب بالآلة الكاتبة السياسية،
توجه رسائل إلى جهات غير معنية،
وتحشد لأنشطة يحضرها المتحدثون فقط.
المعارضة التي لا تعارض
أي معارضة هذه التي لا تفكر في الداخل إلا عند صياغة الشعارات؟
أي نضال هذا الذي لا يعرف شيئاً عن أوجاع من يعيشون داخل السجون أو يقاتلون الجوع أو يفرّون في قوارب الموت؟
لقد تحوّلت بعض قوى المعارضة إلى كيانات مغتربة…
ليست فقط جغرافياً، بل ذهنياً أيضاً.
أصبحت تتعامل مع الشعب كمادة نظرية، لا كمصدر شرعية.
كل ما يعنيها هو مؤتمراتها، ميزانياتها، علاقاتها البينية، ولا شيء غير ذلك.
الواقع أن النظام ليس وحده من يجب أن يُحاسب.
المعارضة أيضاً مسؤولة عن هذا الفراغ، عن هذا التيه، عن هذا الغياب الطويل.
الداخل رهينة، والمعارضة غائبة
الداخل الإريتري يصرخ.
لكن الصوت لا يصل، أو يصل ولا يُفهم، أو يُفهم ولا يُستجاب له.
كم مرة تحدث المعتقلون السابقون؟
كم تقرير صدر عن المنظمات الدولية؟
كم نداء خرج من معسكرات اللاجئين؟
وما الذي فعلته المعارضة؟
لا شيء سوى التنديد.
لا وجود ميداني، لا تنسيق إعلامي، لا تفعيل للقصص الإنسانية، لا سعي لخلق ضغط دولي ممنهج.
فقط نشرة حزبية، بيان شجب، وبعض المنشورات الفيسبوكية.
آن أوان التغيير الجذري
إذا كان للمعارضة شرف ما تبقى، فعليها أن تعترف بالفشل،
أن تعلن أن أدواتها انتهت،
أن تفسح المجال لتيارات جديدة،
تيارات نابعة من الشعب، لا من تقارير المؤتمرات.
الشباب الإريتري لا ينتظر إذناً من أحد.
هو اليوم يقود الحملات الإعلامية،
يدير الصفحات المقاومة،
يفضح النظام بلغات العالم،
ويطرح أفكاراً لا تعرفها المعارضات التقليدية.
ما يحتاجه هذا الجيل هو إطار جديد:
– قيادة جماعية لا تقديس فيها لأحد
– مشروع وطني يتجاوز الجغرافيا والجهات
– أدوات عصرية تواكب تطور أدوات القمع
– وجرأة على المحاسبة، حتى لو كانت المحاسبة موجهة للمعارضة نفسها
خاتمة مؤقتة وليست نهائية
المعركة لم تنتهِ.
لكن اللاعبين تغيروا.
والزمن لا ينتظر العاجزين.
إذا لم تتحرك المعارضة اليوم لإعادة هيكلة نفسها،
فسيكتب التاريخ أنها كانت أحد أوجه الكارثة، لا جزءً من الحل.
المنفي رقم ٢٤
يرى ولا يُشاح، يكتب ولا يُصافح، يشهد ولا يساوم.
لأن الوطن لا يُحرَّر بالمجاملات .
