السودان

الأزمة السودانية.. فقرة جانبية في دفاتر الخطاب الدولي؟

رصد اريتريا | موقع جيسيكا | الكاتب : محمد ابكر موسى

أثار التصريح العابر الذي أدلى به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في المنتدى الأمريكي – السعودي في 19 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، خلال زيارة الأمير السعودي محمد بن سلمان إلى واشنطن، موجة واسعة من ردود الفعل داخل المشهد السياسي السوداني، تراوحت بين الترحيب والتحفظ والسخط، رسمياً ومدنياً وإعلامياً، وتباينت القراءات حوله. ورغم أنّ غالبية التفاعل جاءت مرحبة بأي جهد يوقف الحرب، إلا أنّ السؤال الجوهري يظل: أي حرب يريد الخارج إيقافها؟ وبأي شروط؟ ولصالح من؟ ثم أين تقع مصالح القوى النافذة المتورطة في إشعال هذا النزيف؟

ورغم هشاشة التصريح ذاته، إلا أنّ حجم التفاعل السوداني تجاهه يكشف بنية عميقة من الهشاشة السياسية وغياب الفاعلية الوطنية، إلى جانب إدراك واضح لموقع الأزمة السودانية بتداعياتها الكارثية، المتدني في سلّم الأولويات الإقليمية والدولية رغم المبادرات المتكاثرة. يُظهر هذا الموقف الخطابي أبعاد المعركة وتعقيدها، التي تُخاض في ساحات السياسة والخطاب والفعل الدبلوماسي بقدر ما تخاض على أصوات ودوي البنادق. فاللغة التي يُخاطَب بها السودان في لحظة ينزف فيها حدّ الانهيار ليست مجرد كلمات عابرة؛ إنها ممارسة سلطة، وإعادة تعريف لدور الدولة، وتحديد لوزنها السياسي. وقد تجلّى ذلك في تصريحات ترامب التي تُعد نموذجاً صارخاً للتلاعب الخطابي: مزيج من الغزل السياسي والتبسيط المقصود، يراد به تمرير رسائل متشابكة أكثر من التعبير عن اهتمام حقيقي بالأزمة.

ترحيب متوتر لاستهبال سياسي
بدا الخطاب سطحياً وعابراً، لكنه تحوّل إلى مرآة تعكس مأزقاً وطنياً مركباً: حاجة ملحّة لأي ضغط خارجي لوقف الحرب، مقابل وعي متزايد بأن تلك الضغوط لا تنبع من التزامات مبدئية تجاه السودان، بل من اعتبارات جيوسياسية متغيرة. وهنا يصبح التحدي أمام القوى الحية أكبر من مجرد الترحيب أو الرفض؛ إنه تحدّي صياغة سردية وطنية مستقلة تمنع اختطاف الأزمة، وتضمن أن أي تدخل خارجي مستقبلي يُسخّر لإنهاء دوامة العنف ودعم بناء الدولة، لا لإعادة إنتاج الهامشية السياسية المزمنة التي يعيشها السودان منذ عقود، بمساعدة نخب محلية من أبناء جلدته.

في الواقع، جاء الاستقبال المتوتر للتصريح أكثر تكتيكية منه تعبيراً عن قناعة بإمكانيته في إحداث اختراق جوهري في مسار الحرب بين ليلة وضحاها. فالمؤسسة العسكرية الحاكمة متمثلةً في مجلس السيادة الانتقالي، قرأت الخطاب في بيانها، باعتباره إشارة إضافية إلى الوزن الجيوسياسي لحلفائها الإقليميين، خاصة السعودية. ومن وجهة نظرها، فإن مجرد ذكر الأزمة في منصة تُعنى بالشراكة الأمريكية – السعودية يمنحها فرصة لتعزيز شرعيتها الدولية، وتلميع صورتها في ظل الضغوط الإنسانية، ومحاولة كسر العزلة الدولية عبر الظهور كطرف قابل للتعاطي الدبلوماسي.

لا يمكن التعامل مع الفاعلين ككتلة واحدة، والنظر إلى هذه التدخلات بمنطق الأبيض والأسود يفقد التحليل دقته؛ فالإقليم يتحرك وفق مصالحه، لا وفق ما يريده السودانيون أو يتوقعونه
على الجانب الآخر، ترى القوى المدنية والسياسية المترهّلة، في بياناتها، أنّ أي تعاطٍ أمريكي مع الأزمة، ولو في شكل “جُمل عرضية”، يمثل نافذة ضغط يحتمل أن تفرض على الجنرالات القبول بتسوية سياسية أو العودة إلى طاولة التفاوض، بما قد يفتح لها طريقاً جديداً إلى دهاليز السلطة. وبعد انتقال قرار وقف الحرب إلى أيادي القوى الكبرى والفاعلين الإقليميين، أدركت القوى المدنية أنّ كسر حالة الجمود وشلل الفعل السياسي الداخلي لن يتم دون تدخل دولي ذو وزن ثقيل، حتى وإن كان محكوماً بحسابات مصالح لا تمت بصلة لطموحات الشعب المكلوم.

في العمق، يعكس هذا المشهد المعقد داخلياً وخارحياً، إدراكاً شعبياً متزايداً بأن السودان، ولا سيما في ظل أزمته العنيفة المستمرة منذ أكثر من عامين، يُعامل كقضية ثانوية في الأجندة الدولية. فالأزمة الإنسانية الأكبر عالمياً من حيث النزوح واللجوء والانهيار المؤسسي، تُدرج ضمن ملفات إقليمية أوسع، مثل: الأمن في البحر الأحمر أو استقرار الشراكات الأمريكية – الخليجية. وكون الأزمة تُختصر في شذرات كلام متقطعة وخطاب غير منضبط، يرسّخ لدى السودانيين حقيقة أن مصير بلدهم لا يحتل موقعاً مركزياً في الاهتمام الدولي.

كما أن تناول الأزمة في منتدى يركّز على العلاقات الأمريكية – السعودية اقتصادياً وأمنياً وتكنولوجيّاً، يعمّق الفكرة السائدة بأن السودان يُستخدم كأداة ضمن توازنات إقليمية ودولية، لا كقضية تتطلب عدالة الاهتمام ومساواة النظر والمساعدة كبقية الأزمات مثل غزة وأوكرانيا. وهنا يلح السؤال الذي يخشاه الشعب السوداني: هل تتحول أزمة البلاد إلى ورقة مساومة جديدة؟ هل تتحول إلى لقمة سائغة للأطماع؟ وهل يصبح الهدف هو “إدارة الصراع” لا إنهاؤه، على غرار ما يحدث تحت مظلة الرباعية وغيرها من الترتيبات الإقليمية؟

وفي السياق الإقليمي ذاته، لا يمكن التعامل مع الفاعلين ككتلة واحدة. فمخاوف السعودية من امتداد الحرب إلى البحر الأحمر تختلف عن مصالح الإمارات في النفوذ الاقتصادي والعسكري، وتختلف بدورها عن حسابات مصر المتوجسة من عودة الإسلاميين. إن النظر إلى هذه التدخلات بمنطق الأبيض والأسود يفقد التحليل دقته؛ فالإقليم يتحرك وفق مصالحه، لا وفق ما يريده السودانيون أو يتوقعونه.

إن فحوى وسياقية خطاب ترامب يعيدان تعريف ممارسة الاستهبال السياسي على الأزمة السودانية؛ إذ ظلت الإدارة الأمريكية تتعامل مع الملف بقدر كبير من التسطيح والتجاهل، يعكسان رغبة في اختزاله إلى ملف أمني عاجل بدلاً من التعامل معه كفشل في إدارة المصالح المتقاطعة بين الحلفاء إقليمياً ودولياً، وكدليل آخر على تعثر المنظومة الليبرالية في إدارة المآسي من منظورها الأيديولوجي.

هذا المستوى من التعالي يعزز نهج تقديم وصفات جاهزة في شكل اتفاقيات سلام هشة، ميتة قبل أن تُوقّع، دون فهم لتعقيد النسيج الاجتماعي والسياسي السوداني. وهي وصفات تعيد إنتاج مركزية الخارج في رسم مستقبل البلاد، وتهمّش الدور المحلي في بناء حلول وطنية مستدامة، بينما يفضّل الخارج التعامل مع القوى العسكرية التي تقدم ضمانات أمنية سريعة، ولو على أجساد ضحايا الأزمة.

الجهل بوصفه تكتيكاً
عندما يقول ترامب إنه “اكتشف” أهمية السودان بعد مكالمة مع ولي العهد السعودي، فإن هذا الخطاب لا يُقرأ على سطحه. فالرجل الذي وقّع بنفسه قرار شطب السودان من قائمة الإرهاب عام 2020، وقاد مفاوضات التطبيع عبر إدارة ضغطت على الخرطوم ليل نهار، لا يمكنه ادعاء الجهل ببلد اشتبك معه سياسياً واقتصادياً طوال سنوات. ما يقوله إذن ليس جهلاً، بل أداء سياسي محسوب.

كما تدرك الإدارات الأمريكية ما يعينه أن السودان يمثل عمق أفريقي حيث استقراره يعني استقرار القرن الأفريقي والساحل، وهذا عنصر ثابت في العقدية الأمنية الأمريكية، وانهياره يفتح بوابة واسعة لتمدد الجماعات المسلحة وتجارة السلاح والاضطرابات الإقليمية. بالاضافة إلى القوة الاقتصادية الكامنة التي يمتلكه السودان وشيئاً يشبه حق الفيتو الاقتصادي غير المعلن، متمثلاً في الصمغ العربي على سبيل المثال، المادة الحيوية في الصناعات الغذائية والدوائية العالمية. فمثلاً رغم العقوبات الأميركية الممتدة منذ 1997، استثني الصمغ العربي بقرار مباشر لأنه سلعة لا يمكن للاقتصاد الأميركي الاستغناء عنها. الخطاب المتعالي الذي يتعامل معه كـ”أزمة مجهولة” ليس إلا انعكاسا طبيعيا لحدة الصراعات الخارجية على التحكم في موقع هذا البلد كيفما يريد الحلفاء، وتوجيه مسار إدارته.

القول بأن ولي العهد السعودي “عرّفه” بأزمة السودان، يوحي بنهج استعراضي أكثر من كونه جهلاً حقيقياً، إذ يستحيل أن يكون الرئيس الأمريكي، الذي تقود بلاده الرباعية الدولية المعنية بالأزمة، مجهولاً بحجم الكارثة التي يعرفها العالم كله
هذا الأسلوب، الذي يجمع المبالغة الترامبية المألوفة كظاهرة حديثة لصيقة بتنامي الشعبوية في الغرب، مع تورية دبلوماسية واضحة، يخدم ثلاث غايات رئيسية، أولها؛ تعظيم دور الوسيط الإقليمي، حيث الإيحاء بأن السعودية “عرّفته” على الكارثة السودانية، يعطي الرياض دوراً محورياً في صناعة الحل. إنه خطاب يخدم مكانة الحليف الإقليمي أكثر مما يخدم كشف حقيقة الموقف الأمريكي. ثانياً؛ تضخيم الإنجاز قبل وقوعه، حيث أنه عبر تصوير التدخل الأمريكي في السودان كخطوة “ولدت الآن”، يتيح ترامب لنفسه الادعاء لاحقاً بأن أي تقدم هو ثمرة قراراته الشخصية. ثالثاً؛ تهيئة الأرض لعلاقات وصفقات قادمة من خلال استخدام المجاملة السياسية بوصفها مدخلاً لترتيبات أمنية أو اقتصادية مع الشركاء الإقليميين. وبهذا المعنى، يصبح خطاب “الاكتشاف” جزءاً من لعبة أكبر: لعبة إعادة تشكيل ميزان القوى عبر المفردات واللغة والخطابية.

في هذا السياق، تبدو قراءة تصريحات ترامب كأنها “موقف أخلاقي” أو “التزام إنساني” قراءة مضلِّلة. فالرجل المعروف بخطابه الشعبوي، ينظر للسياسة الخارجية بمنطق الصفقات، لا المبادئ. وموقفه الأخير يشبه، إلى حد بعيد، لغة المساومة التجارية ومحاولة استرضاء الضيف الثري. فالقول بأن ولي العهد السعودي “عرّفه” بأزمة السودان، يوحي بنهج استعراضي أكثر من كونه جهلاً حقيقياً، إذ يستحيل أن يكون الرئيس الأمريكي، الذي تقود بلاده الرباعية الدولية المعنية بالأزمة، مجهولاً بحجم الكارثة التي يعرفها العالم كله.

كما هو معلوم للجميع، تُدار السياسة الخارجية للولايات المتحدة عبر منظومة مؤسسية راسخة وصارحة إلى حدٍ بعيد، لا عبر أهواء الأفراد، مهما كانت مواقعهم. لذلك، فإن تغيير الرئيس لا يغيّر جوهر المصالح الأمريكية، وإنما يُعيد ترتيب الأولويات وأدوات التنفيذ. وعليه، فإن خطاب ترامب لا يعني تخلي واشنطن عن الرباعية أو إعادة تعريف موقفها، بقدر ما يعكس رغبة في تعزيز الدور السعودي في إدارة الملف من وجهة نظر ولي العهد السعودي، وربما يمنح الرياض مساحة أوسع لتقديم نفسها وسيطا رئيسيا في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

أزمة الخطاب الوطني
الإشكال الأكبر لا يكمن في خطاب ترامب أو غيره، بل في كيفية تفاعل الخطاب والمشهد السوداني معه. هنا تظهر فجوتان خطيرتان: أولها؛ الانفعال وهو رد الفعل الذي يخلط بين النقد السياسي المشروع ورفض أي تدخل دولي، فتُحرق الجسور التي يمكن أن تخدم مصالح البلاد في لحظة حرجة. وثانيها؛ الخضوع الصارخ ما يعني القبول بخطابات التقزيم بحجة انتظار المساعدات أو التسويات الخارجية، مما يحول السودان من صانع قرار إلى متلقٍّ سلبي، ويضرب ما تبقى من سيادته.

هذا المستوى من التعالي يعزز نهج تقديم وصفات جاهزة في شكل اتفاقيات سلام هشة، ميتة قبل أن تُوقّع، دون فهم لتعقيد النسيج الاجتماعي والسياسي السوداني. وهي وصفات تعيد إنتاج مركزية الخارج في رسم مستقبل البلاد، وتهمّش الدور المحلي في بناء حلول وطنية مستدامة
وهو الأمر الذي يستدعي خلق صيغة جديدة للتعاطي يمكن تسميتها بدبلوماسية الكبرياء، وهي معادلة تحافظ على توازن دقيق بين الترحيب بالجهود الخارجية التي تسعى إلى وقف النزيف، ورفض أي خطاب ينتقص من قدر البلاد أو يفرض حلولاً فوقية على أهله. كما يجب الوعي بأن المبالغة في التعويل على الخارج بمختلف مستوياته، لن تفضي إلى نتائج عملية ناجحة مستدامة ما لم يكن الداخل مستعداً للدفع نحو حل حقيقي. فالأزمات الوطنية لا تُحلّ بالوصايا، ولا تُدار بمعادلات القوى الإقليمية وحدها، بل عبر الإرادة السياسية المحلية للشعب.

أما الخطاب الذي يروج لفكرة أن الحل لن يأتي إلا من الخارج، حتى إن تم اختطاف الحل الدخلي، فهو خطاب يعيد إنتاج هشاشة الدولة، مع الوعي بأن السودان ليس منعزلاً عن العالم، وأن أزماته أصبحت مهدداً للأمن الإقليمي، لكن التدخل الخارجي لن يُنتج سلاماً مستداماً عبر التصريحات العابرة غير المنضبطة في غير ما مكانها المناسب والمتوقع. حيث ينبغي أن ياتي الحل الناجع عبر إعادة بناء الإرادة الوطنية، ومعالجة جذور الأزمة، وفرض مسار سوداني خالص يضع حداً نهائياً لدوامة الحروب، لا عبر تسوّيات هشة تُعاد إنتاجها عند كل تقاطع مصالح إقليمي جديد. ويظل الأزمة الراهنة في البلاد، مهما تعاظمت، ليست هوية بل ظرف. وهي ظرف يمكن تجاوزه حين يستعيد الشعب موقعه كقوة دفع مركزية. فخروقات النخب، وانقسامات العسكر، وتحالفات الخارج، كلها تظل عناصر قابلة لإعادة التوازن عندما تتشكل كتلة شعبية سودانية واعية تفرض رؤيتها، وترفض اختزال البلاد في صفقة سياسية أو وقف إطلاق نار هش.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى