حينما تُحمص الجبنة بالحب و تُسحن بإلالفة – من ذاكرة اغوردات
مقال ثقافي عن مدينة اغوردات ..إبراهيم حالي
تغفو المدينة على وسادةٍ من الأوجاع، وتستيقظ كلّ يومٍ على ضفاف الألفة ووجع التاريخ.
لم تكن “الأسقدورية” او مقارية مجرّد سوق. كانت روحًا شعبيّةً معلّقةً بين رائحة البنّ المحمّص وصوت السيوف المنغرزة في سندان الحدادين.
مبنى على الطراز الإيطالي او التركي العتيق، يفيض بالحياة، تتقاطع فيه المهن والوجوه، ويتشابك فيه الزمن القديم بالحاضر، حتى لا تدري: أتمشي على دربٍ من الحنين، أم على رصيفٍ من التاريخ المعتّق؟
في إحدى زواياه، وتحت مظلّةٍ من صفيحٍ مائل، تفوح منه رائحة المطر اليابس، تقع قهوة “صالح عافة” — رجل خمسيني، بوجهٍ مجعّد كأرضٍ نحتها الزمن، وعينين حادّتين تنضحان بدفء المعرفة وخبرة الألفة، وابتسامة يوزّعها كما يوزّع طلبات زبائنه من الجبنة.
يبدأ يومه قبل الفجر. ينهض على وقع الأذان الأول، يغسل وجهه بماءٍ بارد، ويتجه إلى الجامع الكبير، ذاك الصرح المعماري الذي صمد على جراح الزمن وقسوة الحروب. محرابه شهد صلوات الناس وابتهالاتهم، كما شهدت عتباته أكوامًا من جثث أبنائهم ذات يومٍ جهنمي.
حين يعود من المسجد، يشعل موقده الصغير، ويبدأ طقسًا لا يمله: طقس إعداد القهوة. يسحن الحبوب ببطء، بحركات محسوبة، بـ”الفندق والمدق”، كأنما يوقظ ذاكرة المدينة، ويربط حاضرها بماضيها العريق.
قهوته ليست شرابًا، بل عهدٌ يوميّ بينه وبين المدينة وسكّانها، بينه وبين ذاكرة المكان وإرثه الشعبي.
قبل أن تُفتح الدكاكين، وقبل أن تصحو الأسقدورية على ضوضائها، تبدأ الأرجل بالتقاطر نحوه بعد صلاة الفجر .
كلٌّ يعرف مقعده، وكلٌّ يحمل حكاية من الأمس، أو شكوى من الغلاء، أو ضحكة متأخّرة من نكتةٍ عابرة.
عمي عبدالله الخياط يروي وقائع “سنبت ظلام”الأحد الأسود لشاب جلس بالقرب منه ،ثم يغرق في صمته الحزين.
المقهى بلا جدران، بلا أبواب. يفتح على قلوب الناس البسيطة، ويملك من الدفء ما لا تملكه البيوت.
أوّل الحاضرين هو الحداد العجوز. يأتي ورائحة الحديد والنار تفوح منه، يطلب قهوته بزيادة زنجبيل، ويقول:
“توقظ قلبي كما توقظ المطرقة الحديد”.
ثمّ يأتي “شلبي”، فلاحٌ من المدينة، يجلس على مقعدٍ خشبي منسوج بالحبال ،لا تكفّ قدماه عن الحركة. يتحدث مع العم “دبرو ” الذي كان يمتلك سيارة”تويوتا ” قديمة الطراز بلا كوابح او أبواق ،يتحدث معه عن الزرع ومخاوف الإنتاج الوفير ، الذي لن تحتمله أسواق البلاد بعد ان قطعت الحرب الأخيرة سبل التصدير .
أما “محمد”، بائع الخضار، فيمرّ مرور العابرين، يضع طلبه على الطاولة:
“بدون زنجبيل اليوم… رأسي يؤلمني”،
ثم يهرول إلى موقعه عند بوابة السوق.
ويأتي العم “قندالي” أيضًا، بخطواته الهادئة المتمايلة، بجلبابه الأبيض وعمامته الكبيرة، وكأنه صحابي جليل، يجلس في مكانه بالقرب من العم “اسقدوم” صاحب المقهي العتيق في سوق المدينة القديم .
حتى “فاطنة قرش” لا تتخلّف عن مشاركة العامة حبّ المدينة في الجبنة ، ذاك الذي يسحنه صالح في قهوته.
بعد ان تكون قد قضت ليلتها في برندة مطعم العم جِمع — “سقا مادا” — وعينها على الجامع الكبير، الذي كانت تعتبره ملكًا خاصًّا لها .
وصالح لا يسجّل شيئًا. لا دفتر، لا أوراق. فقط ابتسامته وذاكرته.
عجيبٌ أمره… كأن قهوته تحفظ أسماء الناس كما تحفظ البيوت رائحة البخور والقهوة والاسرار بين جدرانها.
وحين يتفرّق الجمع إلى أعمالهم، تبدأ المدينة بالنهوض من نومها. تُفتح الدكاكين، وتدبّ الحياة.
أصحاب “الجرادين”، مزارعو الموز، يغادرون نحو ضفاف نهر بركة، حيث مزارعهم التي قيل إن إنتاجها كان يُصدّر، ذات يوم، إلى السعودية وأوروبا، وتحديدًا إيطاليا.
وكلّ صباح، يتكرّر المشهد. لكنه لا يتشابه.
الأصوات، الحكايات، النكات، التفاصيل الصغيرة…
كلّها تصنع حياةً لا تُملّ، وأملًا لا ينقطع، من تواصل أجيالٍ تتوارث عشق المدينة في جرعات محمصة من القهوة وكأنها وصفة حب سرمدي لا يجيد رسم الوان لوحتها إلا صالح عافة .