حين تتحول التجارة إلى خطر: الاقتصاد الإريتري بين القمع والفرص الضائعة .

تقرير : شبكة رصد اريتريا الإخبارية

مدخل : كيف يُحرم المواطن الإريتري من حقه في التجارة ويُقيد مستقبله الاقتصادي ؟

تخيل بلداً يمتلك شريطاً ساحلياً على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وموارد طبيعية لم تُستغل بعد، وموقعاً استراتيجياً يؤهله ليكون بوابة للتجارة بين إفريقيا والعالم. بلدٌ يملك شعباً شاباً مثقفاً ، وجاليات واسعة منتشرة من الخليج إلى أوروبا، تحمل رؤوس أموال وأحلاماً بمستقبل أفضل.

لكن، على النقيض من هذا التصور المشرق، تُغلق الأبواب في الداخل، وتُخنق الأسواق، وتُخيف اللوائح المستثمرين، وكأن الدولة تخشى أن تتنفس. في إريتريا، لا تُمنع التجارة فقط، بل تُعامل أحياناً كجريمة سياسية، ويتحول النشاط الاقتصادي الحر إلى فعل مشبوه.

في بلد لم تُعقد فيه انتخابات منذ الاستقلال، ولم تُقر فيه ميزانية شفافة، يصبح التحكم في الاقتصاد أداة سلطة، لا وسيلة تنمية. تختفي الأسواق الحرة تحت سطوة الشركات العسكرية، وتُمنع التجارة المتوسطة، ويُخنق رأس المال الوطني، حتى ذلك المتناثر في يد المغتربين الذين لطالما انتظروا فرصة للبناء داخل الوطن.

ما الذي يدفع نظاماً سياسيًا إلى قمع التجارة؟ ولماذا يخاف من الاستثمار؟ وما الذي يخسره المواطن حين يُمنع من البيع والشراء بحرية؟ وماذا لو قرر هذا النظام فجأة أن ينفتح؟ كيف سيتغير شكل الحياة؟ ومن سيكون أول العائدين من المنافي؟ رجال الأعمال من جدة وأبوظبي ونيروبي؟ أم العاطلون عن العمل من أسمرا ومصوع؟

في هذا التقرير، نغوص في تفاصيل هذا الواقع، ونحلل السياسات الاقتصادية المغلقة في إريتريا، ونرصد أثرها العميق على المجتمع، ونقارنها بدول أفريقية كسرت القيود، ونهضت باقتصادها، ونفتح نوافذ على المستقبل المحتمل إن كُسرت هذه العزلة.

هل إريتريا مستعدة لأن تكون دولة تجارة؟ أم أن الخوف من التغيير أكبر من الحاجة إليه؟

لماذا يمنع النظام الإريتري التجارة والاستثمار الخاص؟

منذ عقود، تجد إريتريا نفسها تحت قبضة نظام يتحكم في مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية بشكل محكم، إلى درجة أن كل شيء، من نشاطات السوق إلى فرص العمل، مرهونٌ بموافقة الحاكم. ما يدفع النظام الإريتري إلى فرض قيود صارمة على التجارة والاستثمار الخاص ليس مجرد سياسة اقتصادية تقليدية، بل خوف عميق من فقدان السيطرة. لكن ما هي الأسباب الحقيقية وراء هذا المنع؟ دعونا نستكشفها من زاوية أعمق.

1.الخشية من فقدان السيطرة السياسية:

في بلد مثل إريتريا، حيث لا يوجد مكان للمعارضة ولا مساحة للرأي الآخر، يخشى النظام من ظهور طبقة اقتصادية قد تكون أكثر تأثيرًا من الحكومة نفسها. عندما يسمح للقطاع الخاص بالازدهار، يزداد عدد اللاعبين الاقتصاديين المستقلين الذين قد يهددون الهيمنة السياسية التي يتمتع بها النظام. فبإيجاز، لا يُسمح للأفراد بالتحكم في تجارتهم لأن النظام يدرك أن القوة الاقتصادية قد تعني فقدان قدرته على التلاعب بالأوضاع لصالحه.

2.العقيدة الاقتصادية المركزية:

الحكومة الإريترية تمسك بالاقتصاد كما يمسك الطائر بمخالبها في الهواء. تحت شعار “الاقتصاد الوطني تحت إشراف الدولة”، يرفض النظام أي محاولات لتقوية القطاع الخاص أو تشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة. بالنسبة له، يجب أن تظل جميع وسائل الإنتاج تحت سيطرته، وفي حالة تم السماح للتجارة الحرة بالازدهار، قد تتشكل مراكز قوة اقتصادية قد تخرج عن السيطرة أو تتحدى السلطة المركزية.

3.غياب قوانين واضحة وجاذبة:

يمكننا القول أن من أهم أسباب عزوف المستثمرين عن دخول السوق الإريتري هو غياب التشريعات الاقتصادية الواضحة والملزمة. فبينما توفر بعض الدول تشريعات ملائمة لحماية حقوق المستثمرين وتسهيل دخولهم، تبقى إريتريا في الظلام على هذا الصعيد. المراسيم الحكومية غامضة، ولا يوجد أي ضمان لحقوق الملكية أو للعدالة في تسوية النزاعات التجارية، مما يجعل الاستثمار في إريتريا مغامرة محفوفة بالمخاطر. غياب الشفافية في السياسات الاقتصادية يعزز من حالة من الفوضى القانونية التي تجعل من الصعب على أي مستثمر أن يثق في السوق الإريتري.

4.العزلة الدولية والخوف من الاختراق الاقتصادي:

إن النظام في إريتريا يعاني من عزلة دولية مفروضة عليه لأسباب سياسية وأمنية. وعلى الرغم من وجود بعض المحاولات لفتح أبواب التعاون مع دول أخرى، إلا أن النظام يظل شديد الحذر في التعامل مع الاستثمارات الأجنبية، حيث يخشى من أن يؤدي التدفق الكبير لرؤوس الأموال الأجنبية إلى اختراق سيادته الاقتصادية. مثل هذا التدفق يمكن أن يسمح للدول أو الشركات الأجنبية بتأسيس نفوذ داخل البلاد، مما يعرض مصالح النظام للخطر. في نظره، فإن أي استثمار خارجي قد يأتي معه تأثيرات سياسية قد تكون ضارة بموقفه في السلطة.

بإجمال، لا يبدو أن النظام الإريتري ينظر إلى التجارة والاستثمار الخاص كأدوات للنمو الاقتصادي أو رفاهية الشعب، بل كتهديد مباشر لنظامه السياسي. ومن هنا تأتي السياسة المتشددة ضد أي نشاط تجاري قد يعزز من استقلالية الأفراد أو قد يؤدي إلى ظهور طبقة اقتصادية غير خاضعة له.

تأثر هذه السياسات على الاقتصاد والمواطنين

بينما يصر النظام الإريتري على اتخاذ خطوات صارمة لمقاومة التجارة الحرة والاستثمار الخاص، يبدو أن تلك السياسات لا تؤثر على النظام الحاكم فحسب، بل تترك آثاراً مدمرة على حياة المواطنين وعلى الاقتصاد الوطني ككل. في الواقع، إن تلك السياسات تقيد الاقتصاد وتحول دون تطوره وتحديثه، مما يساهم في خلق مشهد اقتصادي معتم على مفاهيم قديمة لا مكان لها في عالم اليوم المتسارع. دعونا نغص في أعماق هذه الآثار ونكشف معًا كيف تزداد التحديات مع مرور الزمن.

1.ضعف النمو الاقتصادي:

اقتصاد إريتريا لا يعرف التنوع الذي يعتبر أساساً لاستدامة النمو. بدلاً من أن يُستثمر التنوع الطبيعي والموارد البشرية العميقة في قطاعات متعددة، يبقى الاقتصاد محصوراً في قطاعات تقليدية مثل الزراعة والتعدين. المشكلة تكمن في أن هذه القطاعات تعاني من محدودية في الإنتاجية وعدم قدرتها على استيعاب الطلبات المتزايدة، مما يجعل الاقتصاد هشًا، غير قادر على التكيف مع المتغيرات العالمية. هذا النمط من الاقتصاد الأحادي لا يوفر فرصًا كافية لتحقيق النمو المستدام ويقيد قدرة البلد على الاستفادة من الموارد المتاحة.

2.ارتفاع معدلات البطالة والفقر:

مع غياب التنوع الاقتصادي وقلة الفرص الاستثمارية، يجد الشباب الإريتريون أنفسهم محاصرين في دوامة البطالة. يُقدّر أن حوالي 39% من سكان البلاد يعيشون تحت خط الفقر، ما يعني أن أكثر من ثلثي الشعب يواجه صراعاً يومياً مع ظروف الحياة القاسية. البطالة ليست فقط قضية اقتصادية، بل هي أزمة اجتماعية لها آثار نفسية خطيرة على المواطنين. الشباب الذين يجدون أنفسهم دون أفق للترقي أو العمل يواجهون مستقبلاً مظلماً مليئاً بالأحلام المؤجلة، وهو ما يساهم في تفاقم أزمات الهجرة والنزوح.

3.تدني مستوى معيشة المواطنين:

غياب السوق الحرة هو أحد أبرز أعراض الهيمنة الاقتصادية على البلاد. فعندما تكون حركة الأسواق مقيدة، تصبح السلع الأساسية شحيحة والمنتجات غالية. من يدفع الثمن؟ بالطبع المواطن العادي الذي يعاني من ارتفاع الأسعار بشكل غير مبرر. تصبح القدرة الشرائية ضعيفة، ما يجعل الناس مجبرين على التعامل مع الأوضاع المعيشية بأسلوب تكيفي، حتى وإن كان ذلك يعني التضحية بجودة حياتهم. الأسوأ من ذلك، أن التفاوت الطبقي يزيد، حيث يزداد الفارق بين النخبة الحاكمة والمواطن العادي بشكل ملحوظ، وهو ما يزيد من الشعور بالإحباط والظلم.

4.نزيف الهجرة:

في ظل انسداد الأفق داخل البلاد، أصبح الهروب هو الخيار الوحيد لكثير من الإريتريين. لا تقتصر الهجرة على فئة واحدة أو طبقة معينة، بل تشمل شرائح واسعة من المجتمع، خاصة الشباب الذين يبحثون عن فرص أفضل لتحقيق أحلامهم. كل عام، يفر الآلاف من البلاد بحثاً عن مستقبل أفضل، عن حياة بلا قيود اقتصادية أو اجتماعية. الهجرة هذه ليست فقط محاولة للهروب من الفقر، بل هي أيضًا بحث عن فرصة اقتصادية وحرية شخصية، التي يفتقر إليها المواطن الإريتري داخل حدود وطنه. هذا النزيف البشري يعكس فشل السياسات الاقتصادية والنظام في بناء بيئة قادرة على جذب الاستثمار والحفاظ على المواطنين.

إن هذه الآثار تشكل حلقة مفرغة تؤدي إلى تفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في إريتريا. وفي ظل استمرار هذه السياسات، سيظل المواطن الإريتري يواجه تحدياته اليومية في محاولته الحصول على فرصة حياة أفضل.

ماذا سيحدث إذا انفتح الاقتصاد؟

تخيل أن إريتريا، التي كانت تحت ضغوط اقتصادية خانقة لفترة طويلة، قررت أن تفتح أبوابها أمام الاستثمار والتجارة. ماذا سيحدث حينذاك؟ ماذا لو انتهت الحواجز التي أوقفت الزخم الاقتصادي وبدأت البلاد تستفيد من إمكاناتها غير المستغلة؟ دعونا نغوص في هذا السيناريو المثير، ونستكشف كيف ستتحول إريتريا إلى قوة اقتصادية حقيقية تؤثر في منطقة القرن الأفريقي والعالم.

1.نمو سريع في قطاعات جديدة:

إذا تم الانفتاح الاقتصادي، فإن البلاد ستشهد طوفاناً من الفرص الجديدة التي ستغمر السوق. ستنشأ قطاعات جديدة وتزدهر صناعات كانت إلى الآن مهمشة، مثل الصناعات التحويلية، والخدمات المالية، والتكنولوجيا. هذه القطاعات ستولد فرصاً اقتصادية هائلة، تبدأ من المصانع والشركات الصغيرة وصولاً إلى المشاريع الكبرى في السياحة والبنية التحتية. بإمكان إريتريا أن تصبح وجهة سياحية مميزة بفضل سواحلها الجميلة وتاريخها الغني. ازدهار هذه القطاعات سيسهم في خلق قاعدة اقتصادية متنوعة، بدلاً من الاعتماد على التعدين والزراعة فقط، ليؤدي ذلك إلى رفع مستوى الاقتصاد بشكل هائل.

2.خلق فرص عمل وتحسن في الدخل:

الانفتاح الاقتصادي لا يعني فقط تدفق الاستثمارات، بل يعني أيضاً خلق ملايين الفرص الجديدة للشباب والمواطنين. ستبدأ الشركات في توظيف العمالة المحلية، مما سيؤدي إلى تقليص معدلات البطالة التي أنهكت الإريتريين لفترة طويلة. مع زيادة الفرص الوظيفية، سيشعر المواطنون بتحسن ملموس في مستوى دخلهم، ويبدأون في تلبية احتياجاتهم الأساسية، بالإضافة إلى تحسين مستوى المعيشة بشكل عام. الحلم الذي كان بعيد المنال، المتمثل في “فرص عمل مستقرة ودخل عادل”، سيصبح واقعاً يعيشه الشعب الإريتري.

3.زيادة الإيرادات الضريبية للدولة:

لن يقتصر الانفتاح على توفير الفرص فحسب، بل سيساهم أيضاً في زيادة الإيرادات الضريبية بشكل كبير. مع ارتفاع النشاط التجاري والاستثماري، سيزداد دخل الدولة من الضرائب المفروضة على الشركات، مما سيمكنها من تمويل خدماتها الأساسية بشكل أكثر فعالية. التعليم، الصحة، والبنية التحتية ستكون أول المستفيدين من هذا التحول، حيث سيتم تخصيص الأموال بشكل أكثر كفاءة، وتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي وتحسين مستوى الحياة.

4.انخفاض الهجرة:

الآن، مع ازدهار الاقتصاد وخلق فرص العمل، سيجد الشباب الإريتري فرصًا حقيقية للبقاء في وطنهم. الهجرة، التي كانت وسيلة للهروب من الوضع الاقتصادي المظلم، ستصبح خياراً أقل جاذبية. بدلاً من البحث عن حياة أفضل في الخارج، سيبدأ المواطنون في بناء مستقبلهم داخل إريتريا. انخفاض الهجرة يعني أن البلاد ستحتفظ بعقولها ومهاراتها الشابة التي كانت تهاجر بحثاً عن فرص، وسيؤدي ذلك إلى تقوية الاقتصاد المحلي وتحقيق الاستقرار الاجتماعي.

إن الانفتاح الاقتصادي بالنسبة لإريتريا ليس مجرد تغيير في سياسات اقتصادية، بل هو تحول جذري قد يعيد بناء الأمة. من الفرص الاقتصادية التي لا حصر لها إلى تحسين حياة المواطنين، سيكون لهذا التحول تأثير كبير في إريتريا، مما يغير ليس فقط ملامح الاقتصاد، بل أيضًا مشهد الحياة في هذا البلد الأفريقي الذي طالما كان محاصراً .

مقارنة مع دول أفريقية شهدت تغيرًا اقتصاديًا

دعونا نعود إلى دول أفريقية أخرى أظهرت قدرة غير عادية على التحول الاقتصادي. في هذه الدول، كانت الأزمات السياسية والتاريخية قد تركت آثاراً عميقة، لكن قوتها في مواجهة التحديات وفتح الأبواب أمام التغيير كانت أكثر قوة من أي وقت مضى. الآن، نتناول قصتين مثيرتين: قصة رواندا التي نجحت في النهوض من رمادها، وقصة إثيوبيا التي كانت في طريقها للتحول قبل أن تعترضها الصراعات.

1.رواندا: من الإبادة إلى نهضة اقتصادية مذهلة

بعد الإبادة الجماعية التي دمرت البلاد في التسعينيات، لم يكن أحد يتوقع أن تتمكن رواندا من النهوض مرة أخرى. ولكن تحت قيادة الرئيس بول كاغامي، كانت الإصلاحات الاقتصادية الجذرية هي العنصر الذي جعل من هذه القصة واحدة من أكثر القصص ملهمة في أفريقيا. بدأت الحكومة في بناء بيئة قانونية جاذبة للاستثمار، ووظفت السياسات الاقتصادية بشكل ذكي لتهيئة البلاد للنجاح المستدام.
النتيجة كانت لافتة. شهدت رواندا نمواً اقتصادياً مستداماً وتحسناً كبيراً في البنية التحتية، التعليم، والصحة. وابتداءً من صغر حجمها كمجتمع يعاني من آثار الحرب، أصبحت رواندا الآن من الدول الأكثر تطوراً في شرق أفريقيا. كان الانفتاح الاقتصادي هو المحرك الأساسي لهذا التغيير الكبير، وهو ما أدى إلى تدفق الاستثمارات المحلية والدولية، وفتح المجال أمام الأجيال الجديدة لتحقيق طموحاتهم.

2.إثيوبيا: قبيل الحرب، كانت على حافة التحول الكبير

أما في إثيوبيا، فقد كانت البلاد تتجه نحو تحول اقتصادي ملموس قبل أن تعترضها الأزمة الأخيرة. كانت الحكومة الإثيوبية قد تبنت سياسات إصلاح اقتصادي قبل الحرب، حيث سمحت بخصخصة بعض القطاعات الهامة، وركزت بشكل خاص على تطوير البنية التحتية والطاقة. وقد جذبت إثيوبيا استثمارات ضخمة من الخارج، لا سيما من الصين وتركيا، وهو ما ساعدها على تحقيق نمو اقتصادي سريع في السنوات الأخيرة.
كانت العاصمة أديس أبابا تتحول إلى مركز اقتصادي نشط، يواجه التحديات الاقتصادية بشكل مبتكر. التوسع في مشاريع البناء والطرق، إضافة إلى استثمارات كبيرة في قطاع الطاقة، جعل إثيوبيا واحدة من الدول الأسرع نمواً في أفريقيا، حتى أن الاقتصاد الإثيوبي كان يُعتبر من بين الاقتصاديات الواعدة في القارة.

لكن كما نعلم، أوقفت الصراعات تلك الطموحات. ورغم ذلك، تبقى إثيوبيا مثالاً حياً على قدرة الدول الأفريقية على إعادة هيكلة اقتصادها بشكل جذري. ما حدث في إثيوبيا يُظهر أن الإصلاحات الاقتصادية قد تكون لها تأثيرات بعيدة المدى في حال توفرت الاستقرار السياسي والبيئة الاستثمارية المناسبة.

ما يحدث في رواندا وإثيوبيا يعكس القوة الكامنة في الدول الأفريقية التي تسعى لتحسين أوضاعها الاقتصادية رغم التحديات. ولكن السؤال هنا: هل ستتبع إريتريا نفس المسار؟ ماذا لو فتحت أبوابها للاستثمار والمشاريع الكبرى؟ هل ستكون قادرة على تكرار النجاح الذي حققته رواندا أو حتى الإثيوبيين قبل الحرب؟ الجواب على هذه الأسئلة يكمن في إرادة الشعب والقيادة السياسية في تحقيق التغيير المنشود .

هل يوجد تواصل مع رجال أعمال إريتريين في الخارج؟

على الرغم من العزلة الاقتصادية التي تفرضها الحكومة الإريترية، فإن هناك شبكات غير رسمية تواصلت عبر القارات. رجال الأعمال الإريتريين في الخارج تمكنوا من بناء جسور اقتصادية مع العديد من الدول، متحدين التحديات التي فرضها النظام، وها هم يحققون نجاحات ملموسة في مختلف القطاعات. لنكتشف سوياً هذه الروابط الاقتصادية التي تمتد عبر السعودية، الإمارات، أوغندا، كينيا، أوروبا، أمريكا، كندا، وجنوب أفريقيا.

1.السعودية والإمارات: قوى اقتصادية في التجارة والخدمات اللوجستية

في السعودية و الإمارات، يتواجد العديد من رجال الأعمال الإريتريين الذين يتمتعون بحضور قوي في قطاعات التجارة والخدمات اللوجستية. يجسد هؤلاء رجال الأعمال مثالاً واضحاً على كيف يمكن للمهاجرين أن يكونوا قوى اقتصادية في دول المهجر. يقومون بتوسيع نطاق أعمالهم عبر الاستيراد والتصدير، ويعززون التعاون بين الشركات الإريترية والدول العربية. لكن رغم هذه النجاحات، تبقى القيود الحكومية في إريتريا عقبة كبيرة تمنعهم من استثمار مشاريعهم داخل بلدهم.

2.أوغندا وكينيا: ريادة في النقل والتوريد

في أوغندا و كينيا، يسهم الإريتريون في تطوير قطاع النقل والتوريد، ويشرفون على استثماراتهم التي تخدم الأسواق المحلية والإقليمية. تزايدت تلك الاستثمارات في العقود الأخيرة، لكن التحديات الاقتصادية في الداخل تجعل من الصعب توسيع نطاق تلك الأنشطة في إريتريا، حيث يواجه المستثمرون القيود الشديدة على حركة الأموال والأفكار.

3.أوروبا وأمريكا وكندا: جاليات اقتصادية مؤثرة

الجاليات الإريترية في أوروبا و أمريكا و كندا تعد واحدة من أبرز العوامل الاقتصادية التي تساهم في رفع اسم إريتريا على مستوى العالم. يُعرف رجال الأعمال الإريتريين في هذه البلدان بقدرتهم على النجاح في بيئات أعمال تنافسية. وقد ساهموا في إنشاء شركات صغيرة ومتوسطة الحجم، وحققوا نجاحات في قطاعات متنوعة مثل التصنيع، التكنولوجيا، والخدمات المالية. ورغم هذه الإنجازات، لا تزال التجارة والتمويل الداخلي في إريتريا محكومة بالرقابة الصارمة.

4.جنوب إفريقيا: عقارات وتجارات في الواجهة

في جنوب إفريقيا، يعكف رجال الأعمال الإريتريين على توسيع نشاطاتهم في العقارات والتجارة، مستفيدين من الاقتصاد المتنوع لهذا البلد. لديهم استثمارات تهدف إلى الربط بين الأسواق الأفريقية، لكنهم دائمًا ما يواجهون تحديات تتعلق بالقوانين المعقدة في إريتريا التي تمنعهم من استثمار رؤوس أموالهم داخل الوطن.

التحديات التي يواجهها رجال الأعمال الإريتريين

لكن رغم هذه الشبكات الاقتصادية الواعدة، فإن هناك تحدياً كبيراً يقف أمام رجال الأعمال الإريتريين في الخارج: القيود الحكومية. تحكم الحكومة الإريترية الاقتصاد المركزي، مما يعيق رجال الأعمال من نقل أفكارهم التجارية ومشاريعهم الكبيرة إلى الداخل. ناهيك عن القيود المفروضة على تحويل الأموال وتأسيس المشاريع الخاصة، التي تعتبر أحد العوامل التي تساهم في بقاء الاقتصاد الإريتري معزولاً عن النمو الذي يمكن أن ينشأ في ظل بيئة أكثر انفتاحاً .

إن هؤلاء المستثمرين الإريتريين هم بمثابة جسر اقتصادي مفقود بين إريتريا والعالم الخارجي. فإذا تم فتح الأبواب أمامهم، فإن إمكانيات النمو الاقتصادي ستكون غير محدودة.

شهادات حية من رجال وسيدات أعمال إريتريين في الشتات

في ظل القيود الصارمة التي يفرضها النظام الإريتري على الاستثمار والتجارة، برزت أصوات من الخارج تروي تجاربها المؤلمة وتوقها للمساهمة في تنمية وطنها، لولا الحواجز المصطنعة. إليك نماذج حية:

1. أ . ب – رجل أعمال في السعودية :

“كنت أحلم بتوسيع نشاطي في النقل والخدمات داخل إريتريا، لكنني اصطدمت بعقبات من الجهات الأمنية، لا قوانين واضحة، ولا رغبة في التغيير. في الرياض، أملك أسطول شاحنات، لكن في أسمرا لا يمكنني امتلاك حتى مكتب.”

2. ل . ق . ص – سيدة أعمال في الإمارات:

“أسست شركة استيراد وتصدير في دبي، وأردت دعم السوق الإريتري بمنتجات صحية حديثة. لكن النظام جعل من دخول السلع كابوساً بيروقراطياً . هم لا يريدون شركاء… فقط أتباع.”

3. ي . ا – رائد أعمال في أوغندا:

“كنت على استعداد لتدريب شباب من بلدي على صيانة المعدات الثقيلة، لكن المشروع رُفض دون أسباب واضحة. أحسست أن النظام يخشى من كل مبادرة حرة. تركت المشروع، لكن لم أترك الحلم.”

4. حنان فسيها – من كندا:

“أنا أمتلك مصنعًا صغيراً لمنتجات التجميل الطبيعية. تلقيت طلبات من الجاليات الإريترية في السودان وإثيوبيا، لكن الوصول إلى الداخل مستحيل. الحكومة لا تسمح حتى بفتح حساب مصرفي واضح للمستثمرين من الخارج.”

5. د . ت – رجل أعمال في كينيا:

“نُدير شركة برمجيات في نيروبي. حاولنا إدخال خدماتنا إلى السوق الإريتري، لكن الرفض غير المباشر كان سيد الموقف. لا يهم إن كنت إريترياً مخلصاً ، النظام لا يثق بأحد.”

6. مريم كيدان – سيدة أعمال في ألمانيا:

“مشروعي في الأزياء التراثية وجد صداه في أوروبا، لكن كل محاولة لنقله إلى الداخل فشلت. لا قوانين، لا حماية، ولا حتى رغبة في الاستماع. نحن لا نطلب دعماً … فقط أن لا تُغلق الأبواب.”

7. عبد الله نور – مستثمر في أمريكا:

“أردت إنشاء مدرسة تقنية في إريتريا ممولة بالكامل من أموالي الخاصة، لكنهم طلبوا إشرافاً أمنياً كاملاً وموافقة لا تنتهي. شعرت أن مشروع التعليم يُنظر له كتهديد.”

رسالة موحدة خلف هذه الشهادات:

الطيف الاقتصادي الإريتري في الخارج واسع وواعد. لكنه مقيد بسياسات داخلية مغلقة ومشبوهة. النظام لا يثق بأبنائه، ولا يرى فيهم شركاء. بينما تنجح رواندا، وتنفتح كينيا، وتنهض غانا، تظل إريتريا غائبة عن السباق، رغم طاقة أبنائها المنتشرين في كل القارات.

تنبيه : اخفينا بعض اسماء رجال وسيدات الأعمال وريادي الأعمال بنائاً على رغبتهم .

مخرج : حين يُقصى الضوء من نوافذ البلاد

إريتريا ليست فقيرة… بل مُفقَرة.

شعبها لا يفتقر إلى الذكاء أو الشغف أو المبادرة، بل إلى نافذة تُفتح له، إلى دولة لا تخافه، بل تؤمن به. ما نراه اليوم ليس عجزاً اقتصاديًا، بل عزلاً مقصوداً، وقراراً سياسياً بمنع دورة الحياة من الدوران.

في كل قارة، إريتريون يصنعون الفرق: يبنون شركات، يشغّلون مئات، يبتكرون، يزرعون، يبرمجون، يعلّمون. لكن وطنهم… يغلق عليهم الحدود كما يُغلق الباب على النور.

السؤال ليس: هل يستطيع الإريتريون بناء اقتصاد حقيقي؟
بل: متى يُسمح لهم بذلك؟

حين تتغير المعادلة، لن تكون إريتريا دولة تُدار بالخوف، بل وطناً يُدار بالأمل. وساعتها، سيعود الضوء إلى تلك النوافذ المغلقة.

فهل ستفتح النوافذ… قبل أن يُكسر الزجاج .

المصادر والمراجع

‏ 1. World Bank – Eritrea Overview
‏https://www.worldbank.org/en/country/eritrea/overview
‏ 2. U.S. Department of State – 2023 Investment Climate Statements: Eritrea
‏https://www.state.gov/reports/2023-investment-climate-statements/eritrea/
‏ 3. African Development Bank – Eritrea Economic Outlook
‏https://www.afdb.org/en/countries/east-africa/eritrea/eritrea-economic-outlook
‏ 4. BTI Transformation Index – Eritrea Country Report 2024
‏https://bti-project.org/en/reports/country-report/ERI
‏ 5. Setit Media – The Eritrean Diaspora Is Knocking On The Door
‏https://setit.org/the-eritrean-diaspora-is-knocking-on-the-door-what-should-the-governments-response-be/
‏ 6. Index of Economic Freedom – Eritrea (Heritage Foundation)
‏https://www.heritage.org/index/pages/country-pages/eritrea
‏ 7. UNCTAD Investment Policy Hub – Eritrea Investment Proclamation
‏https://investmentpolicy.unctad.org/investment-laws/laws/255/eritrea-investment-proclamation-
‏ 8. World Bank – Eritrea: Reviving the Private Sector
‏https://documents.worldbank.org/en/publication/documents-reports/documentdetail/727471468021643889/eritrea-reviving-the-private-sector
‏ 9. Democracy in Africa – Eritrea’s Diaspora and Its Discontents
‏https://democracyinafrica.org/eritreas-diaspora-and-its-discontents/
‏ 10. Setit Media – Eritrean Diaspora’s $3 Billion Contribution: Transforming Uganda’s Economy
‏https://setit.org/eritrean-diasporas-3-billion-contribution-transforming-ugandas-economy/

Exit mobile version