الرحيل إلى الوطن كجريمة: حكايات الإريتريين المرحّلين من الخليج إلى السجون والمعسكرات

المنفي رقم ٢٤ يكتب ..
في المساحات الضيقة من مطارات الخليج، وتحديداً في زوايا الانتظار الباردة داخل مطار الرياض أو جدة، تصطف أسماءٌ بلا وجوه. رجالٌ فقدوا كل شيء: إقامة، عمل، مأوى، وحتى جواز سفر. يتقافزون على هوامش الحياة بين بلاغ هروبٍ ومطاردة شرطة الجوازات، حتى تنتهي القصة كلها بـعبارة واحدة من الضابط: “رحّلوه إلى بلده”.
لكن إلى أي بلد؟
الوثيقة التي يحملونها ليست جواز سفر، بل “وثيقة سفر اضطرارية”، تصدرها السفارة الإريترية بعد ضغوط وإلحاح من السلطات الخليجية، وبوساطة كفيل أو موظف أو صديق عابر. هذه الورقة لا تعني أنهم مواطنون… إنها فقط تُستخدم كأداة ترحيل.
وحين تهبط الطائرة في أسمرا، يبدأ الفصل الأهم… والأقسى.
عند وصولهم إلى المطار، لا يُعاملون كعائدين أو أبناء وطن، بل كغرباء مشكوك فيهم.
لا أحد يستقبلهم. لا مسؤول يسألهم عن معاناتهم.
بل يُطلب منهم فوراً مراجعة مكتب “الجوازات الإريترية”، وهناك تبدأ المأساة الثانية.
يتخيل البعض أنهم سيستخرجون هوية شخصية أو جواز سفر جديد. لكن الحقيقة؟
لا شيء يُمنح مجاناً. ولا شيء يُمنح أصلًا.
الموظف، غالباً بوجهٍ جامد وبنبرة أمنية أكثر من كونها مدنية، يرد بوضوح:
“أنت ما عندك ورقة تصفية ٢٪؟… طيب اتصل على أهلك في الخليج، خلهم يروحوا السفارة ويجيبوا الورقة… وبعدها نشوف.”
الورقة المطلوبة ليست وثيقة مدنية. إنها وثيقة إذعان مالي. إثبات أنك دفعت “ضريبة الشتات” طوال سنوات غربتك. وإن لم تفعل، فعائلتك أو أقرباؤك في الخليج مطالبون بالدفع. لا يهم إن كنت عاطلاً، لا يهم إن كنت في مأوى إيواء، أو أنك خرجت من السجن للتو.
إما أن تدفع… أو تنسَ أنك إنسان.
والخدمة نفسها؟ مدفوعة.
حتى في لحظة إعادة تسجيل اسمك كمواطن، عليك أن تدفع.
لكن الأسوأ لم يأتِ بعد.
في حال عجزك عن الدفع، أو إذا لم يجب أحد من أهلك على الهاتف، أو بدا عليك الارتباك…
فغالبًا ما يأتي رجال الأمن دون مقدمات ويقتادونك.
إلى أين؟
السجن، اولاً.
ثم إلى معسكر ساوا، أو معسكر آخر، أو ربما إلى جبهة حدودية لا يعرف عنها أحد. لا يسألون عن عمرك. لا يهم إن كنت في الستين أو السابعة عشرة. لا توجد محكمة، ولا تحقيق، ولا فرصة للشرح.
في بعض الحالات، يُهدد المرحَّل:
“لا نريدك هنا… لماذا لم تبقَ في السعودية؟”
لكن كيف يبقى من انتهت إقامته؟ كيف يعيش من لا وثائق له؟
كيف يعود من كانت أسرته في الخليج تعيش تحت الخوف والفقر؟
كيف يدفع من لم يكن لديه ما يأكله؟
الأسئلة لا تُطرح.
والإجابات لا تهم.
في النظام الإريتري، العودة ليست حقاً… إنها تهمة.
والعائد ليس مواطناً… بل مشتبهٌ فيه.
هذا هو حال آلاف الإريتريين الذين رُحّلوا من الخليج، في صمتٍ عربي مطبق، وتواطؤ دولي بارد، ونظام لا يعرف شيئًا عن الوطن سوى أنه ساحة تفتيش دائمة.
أما الذي خرج هارباً من جحيم المعسكرات، فإنه يُعاد إليها مقيداً.
وأما الذي فقد جوازه، فيُعاقب لأنه لا يحمل ورقة.
وأما الذي لم يدفع ضريبة ٢٪، فيُعامل كخائن.
حتى لو لم يجد ما يُطعم به أبناءه.
هذه ليست قصة خيالية…
إنها يوميات الطائرات الهابطة من الخليج، والمركبات العسكرية القادمة من ساوا، وصمت القرى الإريترية وهي تشاهد أبناءها يُعادون في صناديق او اكياس بلاستيكية .
وهناك، في الظل، تقف أمهات ينتظرن أبناءهن… لا جواز، لا هوية، ولا خبر.
كم مرة يمكن لإنسان أن يُنفى من وطنه… ثم يُعاقب لأنه عاد؟
ما عدت حياً هناك، ولا ميتاً هنا… فقط منفي.
المنفي رقم ٢٤، بتاريخ الوفاة: يوم الترحيل