خلف ستار “المؤامرة الدولية”: كيف يوظف أفورقي أزمات الإقليم للهروب من استحقاق الداخل؟

رصد اريتريا | الكاتب : إبراهيم قارو  

مدخل: إرتريا في مفترق الطرق التاريخي.

يضعنا الخطاب الأخير للرئيس الإرتري أسياس أفورقيفي مقابلته المتلفزة بتاريخ 12 يناير 2026 أمام مشهد سياسي يبدو مألوفاً في بنيته لكنه بالغ الحساسية في توقيته ودلالاته؛ إذ تتجاوز هذه المقابلة كونها مجرداستجابة ظرفية لمتغيرات إقليمية لتمثل تجلياً بنيوياً لنمط التفكير والسياسة الخارجية الذي استقر كعقيدة حاكمة منذ الاستقلال. 

فالمسار التاريخي للكفاح المسلح لم يُفضِ فقط إلى تأسيس الدولة بل صاغ هويتها السياسية في إطار “عقلية القلعة”؛ حيث تُقرأ التفاعلات السيادية عبر عدسة الصراعات الإقليمية والعزلة الدولية مما حوّل العالم في الوعي القيادي إلى فضاء عدائي محكوم بتنازع القوى الكبرى.

يعكس هذا الخطاب حقيقة سياسية راسخة في أسمرا، وهي تحول “الرؤية الأمنية” من مرحلة انتقالية فرضتها ظروف التحرر إلى نمط حكم مستدام تُفسَّر من خلاله التحولات الدولية وتُدار بموجبه العلاقة مع الداخل. 

ومن هنا يبرز التناقض الجوهري في الخطاب؛ إذ ينشغل الرئيس بتفكيك المنظومة العالمية وتشريح اختلالاتها في مقابل صمت منهجي تجاه الملفات الوطنية، مما يُكرّس سردية السلطة التي تعتبر “الخارج” مصدراً دائماً للاضطراب، بينما يظل “الداخل” مساحة مؤجلة سياسياً ومكتفية بذاتها أمنياً، بعيداً عن أي استحقاق إصلاحي أو مراجعة مؤسسية.

أفورقي “محللاً جيوسياسياً”: إعادة تشكيل النظام الدولي.

يظهر أفورقي في خطابه كقارئ استراتيجي للتحولات العالمية حيث يتجاوز حديثه عن تراجع الهيمنة الأحادية للولايات المتحدة ومأزق النظام الدولي بعد الحرب الباردة مجرد التوصيف ليصل إلى تحليل معمق لمسارات الصراع الدولي وصعود القوى الآسيوية.

يتسم هذا الجانب من الخطاب بلغة مراكز الدراسات الاستراتيجية إذ يرى الرئيس الإرتري في تشكل النظام متعدد الأقطاب فرصة تاريخية للدول الصغرى لإعادة تموضعها بعيداً عن ضغوط القوى الغربية لا سيما في ملفات حقوق الإنسان ومعايير الحكم.

إلا أن هذا الاستغراق في التحليل الكلي يثير تساؤلاً جوهرياً حول المسافة الفاصلة بين دور “المحلل الاستراتيجي” ودور “رئيس الدولة”؛ فبينما يتم تشريح أزمات العالم بدقة متناهية تظل الاختلالات البنيوية في الداخل الإرتري خارج نطاق النقد وكأن الدولة تقع خارج منطق التطور السياسي أو المساءلة المؤسسية.

 هذا الخلل في توزيع الاهتمام ينعكس واقعياً في تكريس الانغلاق حيث يُصوَّر العالم ككيان مأزوم ومضلل مقابل قيادة وطنية تحتكر الوعي الصائب والشرعية المطلقة.

أثر القوى الكبرى وتوظيف العامل الخارجي.

في هذا السياق يتحول “العامل الخارجي” إلى الركيزة المركزية لتفسير كافة الأزمات بدءاً من تعثر التنمية وصولاً إلى العقوبات الدولية والتوترات الإقليمية. تؤدي هذه المقاربة وظيفة سياسية محددة تتمثل في “نزع السياسة عن الداخل.” فبمجرد حصر المسؤولية في التدخلات الخارجية تتراجع الأسئلة المتعلقة بآليات اتخاذ القرار واستدامة العقد الاجتماعي وطبيعة التداول السلمي للسلطة.

ومن الناحية الجيوسياسية تتأثر السياسات الإرترية بشكل مباشر بسباق النفوذ بين القوى الكبرى حيث سعت أسمرا لتعزيز شراكاتها مع الصين وروسيا لخلق توازن مع النفوذ الغربي.  احتمال توسع الوجود العسكري أو الاقتصادي الصيني والروسي في منطقة البحر الأحمر يمنح إرتريا مرونة دبلوماسية مؤقتة لكنه يضعها في الوقت ذاته ضمن تجاذبات القوى العظمى مما قد يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي ويجعل السيادة الوطنية عرضة لتقلبات المحاور الدولية.

التناقضات الإقليمية: السودان وإثيوبيا نموذجاً.

يتجلى الارتباك في خطاب أفورقي بشكل صارخ عند تناول الأزمة السودانية؛ فهو يقدم تشخيصاً يختزل الحرب في “مؤامرة خارجية” وإفشال متعمد للمسار الانتقالي من قبل قوى دولية. 

هذا الطرح وإن وجد صدىً في بعض القراءات يظل غير دقيق لكونه يغفل العامل الداخلي الحاسم المتمثل في غياب الإرادة السياسية لدى النخب السودانية واستمرار عسكرة المشهد وغياب المشروع الوطني الجامع.

تتفاقم هذه المفارقة حين يُنظر إلى الدور الفعلي لإرتريا في الملف السوداني حيث يُعد أفورقي الذي ينتقد التدخلات الخارجية أحد أبرز الفاعلين في المشهد من خلال رعاية وتدريب وتسليح ميليشيات من مكونات مختلفة في شرق السودان والسيطرة على خيوطها منذ ما قبل الحرب. 

هذا التناقض بين لغة “احترام السيادة” والممارسة الميدانية التي تسعى للهيمنة على الجوار يكشف عن رغبة واضحة في إبقاء السودان ساحة نفوذ تخدم التصورات الأمنية الإرترية بعيداً عن أي تسوية قد تُفرز واقعاً خارج سيطرة أسمرا.

وتصطدم هذه المواقف السياسية بغياب أي مسار انتقالي أو مؤسسي داخل إرتريا نفسها؛ فالدعوة إلى استقرار مدني في دول الجوار مع استمرار غياب المؤسسات الدستورية في الداخل الإرتري تخلق تناقضاً خطابياً يحد من قدرة الدولة على تقديم نموذج ملهم للإقليم.

وينسحب الأمر ذاته على العلاقة مع إثيوبيا حيث يراوح الخطاب بين نفي الرغبة في المواجهة العسكرية والإبقاء على لغة التعبئة الدائمة مما يجعل من التهديد الخارجي أداة لتبرير “عسكرة المجتمع” وتأجيل الاستحقاقات السياسية لتصبح العلاقة مع الجوار الإثيوبي عنصراً بنيوياً في معادلة الاستقرار الداخلي وحفظ التوازن الراهن للسلطة.

التنمية التقنية وغياب الحاضنة السياسية.

رغم التركيز المكثف في الخطاب على مشروعات الطاقة والتعليم والبنية التحتية يظل الطرح التنموي محصوراً في أبعاده التقنية والإجرائية؛ إذ تُقدم التنمية كمشروع فوقي تديره الدولة لا كعملية اجتماعية تتطلب مشاركة شعبية ومؤسسات رقابية مستقلة. 

غياب الإطار السياسي التعددي يجعل من هذه الطموحات عرضة للتآكل خاصة في ظل استمرار نزيف رأس المال البشري وهجرة الشباب التي تستنزف القوة الحيوية للدولة.

يبرز الصمت التام عن الأزمات السياسية الداخلية كالدستور والانتخابات والحريات العامة وملف المعتقلين كقناعة راسخة لدى القيادة بأن “السياسة” تمثل تهديداً للاستقرار. ومع ذلك تشير التجارب التاريخية إلى أن الاستقرار الذي لا يستند إلى عقد اجتماعي متفق عليه يتحول تدريجياً إلى “هشاشة صامتة” وهو ما يمثل التحدي الحقيقي أمام ديمومة الدولة الإرترية في ظل المتغيرات المتسارعة.

الخاتمة: نحو رؤية وطنية شاملة للمستقبل.

في المحصلة  لا تكمن معضلة الدولة الإرترية في قصور قراءتها للتحولات الدولية ولا في غياب الوعي بموازين القوى العالمية وإنما في الانكفاء على “الخارجي” للهروب من استحقاقات “الداخلي”.

 خطاب أسياس أفورقي بتاريخ 12 يناير 2026، برغم ما يمنحه للسلطة من صلابة خطابية في مواجهة الضغوط الخارجية يظل خطاباً منقوص المشروعية ما لم يُقابل بقدرة مماثلة على تشريح أزمات الدولة الإرترية بذات المنهج النقدي؛ حيث إن الاستغراق في تشخيص أزمات النظام الدولي مع الإصرار على تغييب الأسئلة الوطنية الكبرى لا ينتج استقراراً بنيوياً بل يراكم “هشاشة صامتة” قابلة للانفجار تحت وطأة التغييب.

 إرتريا اليوم تقف أمام استحقاق تاريخي يتجاوز منطق التعبئة الدائمة وتوسيع سردية المؤامرة الخارجية وهو استحقاق يبدأ حتماً من استعادة المرجعية الدستورية المعطلة وتدشين حوار وطني يتصالح مع المجتمع والكف عن توظيف التدخلات في الأزمات الإقليمية كذريعة لتأجيل الإصلاح الهيكلي. فبدون انتقال حقيقي نحو “مأسسة الدولة” سيظل الوعي الاستراتيجي للقيادة مجرد أداة للتبرير السياسي لا رافعة للتغيير الوطني وستبقى الدولة أسيرة نموذج حكم يبرع في قراءة تحولات العالم لكنه يعجز عن قراءة ذاته؛ إنها باختصار مأزق دولة تؤجل مواجهة واقعها غير أن تأجيل المواجهة لا يعني تجاوز الأزمة بل يعني تعميق مآلاتها.

Exit mobile version