القرن الأفريقيإثيوبيااريترياالسودانالصومالتحليلاتجيبوتي
أخر الأخبار

دبلوماسية المقايضة في القرن الإفريقي: البحر الأحمر مقابل نهر النيل

رصد اريتريا | الكاتب : إبراهيم قارو

تحول طبيعة الأزمة

لم يعد الجدل حول سد النهضة محصوراً في نطاق تقني يتعلق بقواعد الملء والتشغيل، ولا في حدود الخلاف القانوني حول مبدأي الاستخدام المنصف وعدم الإضرار. كما لم يعد خطاب أديس أبابا بشأن الوصول إلى البحر الأحمر يُقدَّم باعتباره معالجة لقيود جغرافية تواجه دولة حبيسة، بل كطرح يرتبط بإعادة تعريف موقع إثيوبيا في معادلة القوة الإقليمية.

تزامن هذين المسارين أفرز سردية تتحدث عن إمكانية الربط بين المجالين في صيغة مقايضة سياسية: مرونة في ملف المياه مقابل تسهيل في ملف المنفذ البحري. سواء أكان هذا الطرح تسريباً محسوباً أم بالون اختبار، فإن مجرد تداوله يكشف تحوّلًا نوعياً في طبيعة الأزمة.

المشكلة لم تعد نزاعاً على مورد عابر للحدود، بل محاولة محتملة لإعادة تركيب المجال الحيوي في القرن الإفريقي عبر الجمع بين نظامين سياديين مختلفين في بنيتهما القانونية والسياسية. فملف النيل تحكمه قواعد القانون الدولي للأنهار، حيث تُقيَّد سيادة دول المنبع والمصب بضوابط متبادلة، بينما يخضع المجال البحري لمنطق سيادة الدولة الساحلية على موانئها ومياهها الإقليمية، مع حقوق عبور محددة للدول الحبيسة لا ترقى إلى مستوى الامتلاك أو التحكم الدائم. الجمع بين هذين النظامين في صفقة واحدة لا يعني فقط توسيع نطاق التفاوض، بل يعني نقل الأزمة من إدارة خلاف قانوني إلى إعادة توزيع للنفوذ.

غير أن توصيف الربط بين السد والطموح البحري بوصفه “إعادة هندسة للتوازنات” لا يكفي ما لم يُفكَّك هذا التحول في منطق السيادة ذاته. فالمقايضة المقترحة لا توسّع نطاق التفاوض فحسب، وإنما تنقل الإقليم من سيادة قطاعية تُدار داخل أطر قانونية منفصلة إلى سيادة تفاوضية مركبة، يُعاد فيها توظيف مورد مشترك للحصول على موطئ قدم في مورد سيادي خالص. في الإطار التقليدي يخضع النهر لقواعد تقاسم منضبطة، بينما يخضع البحر لسلطة الدولة الساحلية المباشرة. الجمع بين المجالين في صفقة واحدة يعني إعادة تعريف العلاقة بين الحق القانوني والقوة الجيوسياسية، وتحويل أدوات التنمية إلى أدوات إعادة توزيع للنفوذ. هنا لا يجري تبادل مصالح، بل إعادة صياغة لقواعد الاشتباك بين أنظمة سيادة مختلفة في بنيتها.

من هنا ينطلق هذا التحليل من فرضية مركزية مفادها أن الربط بين السد والطموح البحري الإثيوبي لا يمثل مناورة تفاوضية عابرة، بل يعكس محاولة لإعادة هندسة توازنات القوة في الإقليم وإعادة تعريف منطق السيادة ذاته. وعليه فإن فهم هذه اللحظة يتطلب مقاربة متعددة المستويات: قراءة قانونية تفصل بين طبيعة الموردين، وقراءة جيوسياسية تضع التحركات ضمن سياق إعادة تشكل موازين القوة في جنوب البحر الأحمر، وتحليلًا للخطاب السياسي الذي يوظف مفردات “الحق التاريخي” و”الأمن الوجودي” لتعبئة الداخل ورفع كلفة التراجع.

دلالات طرح المقايضة

في هذا الإطار يُنظر إلى ما نُشر بتاريخ 23. فبراير2026 في صحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية بوصفه مؤشراً سياسياً أكثر منه واقعة نهائية. فالتعامل مع الطرح لا يقوم على افتراض تحققه، بل على تحليل دلالاته:

لماذا يُطرح الآن؟

ولماذا عبر هذه المنصة؟

وما الذي يعنيه إدخال وسيط إقليمي في معادلة تجمع بين مورد نهري عابر للحدود وممر بحري شديد الحساسية؟ الأسئلة هنا أهم من الخبر ذاته، لأنها تكشف أن المقايضة — إن وُجدت — ليست تبادلًا بسيطًا للمصالح، بل إعادة تعريف لحدود السيادة وأدوات النفوذ.

سؤال التحليل إذن ليس ما إذا كانت صفقة كهذه ممكنة تقنياً بل ما إذا كان من الممكن إدارة ملفين سياديين مختلفين أحدهما محكوم بقواعد تقاسم الموارد، والآخر قائم على احتكار الدولة الساحلية لمجالها البحري ضمن منطق تفاوضي واحد دون أن يؤدي ذلك إلى خلخلة بنية الأمن الإقليمي. فحين يتحول السد من مشروع طاقة إلى أداة إعادة تموضع استراتيجي، ويتحول المنفذ البحري من مسألة عبور إلى عنوان لمكانة إقليمية، تصبح المقايضة المقترحة تعبيرًا عن صراع أعمق حول تعريف الدولة لدورها وحدودها، لا مجرد صفقة بين عاصمتين.

لذلك لا يتناول هذا المقال احتمال المقايضة باعتباره حدثًا قائماً بل النظر اليه كعدسة تحليلية تكشف طبيعة التحول الجاري في القرن الإفريقي: انتقال من نزاعات قطاعية قابلة للإدارة إلى تنافس مركب على الماء والجغرافيا البحرية في آن واحد. ومن هذه الزاوية تُقرأ التحركات اللاحقة، وتُفهم مواقف الدول الساحلية، ويُعاد تقدير وزن الفاعلين الإقليميين والدوليين في مشهد يتجاوز كثيرًا إطار السد أو الميناء إلى سؤال أوسع يتعلق بمن يمتلك القدرة على هندسة المجال الحيوي في هذا الجزء الحساس من العالم.

فهم الطبيعة القانونية والسياسية للملفين

انطلاقًا من الفرضية التي ترى في الربط بين ملف السد والطموح البحري الإثيوبي تعبيرًا عن محاولة لإعادة هندسة المجال الحيوي في القرن الإفريقي، يصبح من الضروري تفكيك المجالين محل النقاش بوصفهما نظامين مختلفين في الطبيعة القانونية والوظيفة السياسية، ثم تتبع كيفية إدخالهما في معادلة تفاوضية واحدة.

يتأسس النزاع حول سد النهضة على مسائل فنية وقانونية تتعلق بقواعد الملء والتشغيل، وآليات تبادل البيانات، وضمانات عدم الإضرار بدولتي المصب، في إطار القانون الدولي للأنهار. في المقابل، يمثل البحر الأحمر مجالًا سياديًا مباشرًا للدول الساحلية تمارس فيه سلطتها على الموانئ والمياه الإقليمية وفق قواعد قانون البحار، مع منح الدول الحبيسة حقوق عبور منظمة عبر اتفاقات تعاقدية محددة.

إدخال المجالين في صفقة واحدة يعني الانتقال من إدارة مورد مشترك إلى إعادة توزيع للنفوذ بين فضاءين مختلفين في منطق السيادة. وبهذا المعنى، فإن إدماجهما في معادلة واحدة لا يمثل توسعًا تفاوضيًا تقنيًا، بل يعكس تحولًا في تصور الدولة لدورها. الدولة التي كانت تتحرك داخل نظام قانوني محدد لكل مورد، تنتقل إلى مقاربة تدمج الموارد ضمن استراتيجية تموضع شاملة. هذا الانتقال يكشف بداية تحوّل من إدارة نزاع على مورد إلى إدارة صراع على تعريف المجال الحيوي ذاته.

الطموح الإثيوبي: دوافع داخلية وأبعاد إقليمية

لا يمكن تفسير الخطاب الإثيوبي حول الوصول إلى البحر الأحمر بوصفه مجرد استجابة جيوسياسية لدولة حبيسة. توقيته وسياقه يكشفان أنه جزء من أزمة عميقة في بنية الدولة الإثيوبية، حيث تتآكل توازنات النظام الفيدرالي وتتراجع قدرة المركز على ضبط المجال الإثني الذي أعاد إنتاج نفسه في تقراي وأمهرا وأوروميا في صورة صراعات مفتوحة أو كامنة.

الخطاب الذي يستند إلى مفاهيم مثل “حق تاريخي” أو “ضرورة وجودية” لا يستهدف العواصم الساحلية فحسب، بل يخاطب الداخل الإثيوبي لإعادة صياغة النقاش السياسي من أزمة توزيع السلطة والثروة داخل الفيدرالية إلى مسألة المكانة الإقليمية. حين يعجز المركز عن تحقيق تسوية مستقرة مع الأطراف الداخلية، يتم استدعاء مشروع جيوسياسي واسع يعيد تجميع المجال العام حول هدف جامع يتجاوز الانقسامات الإثنية ويمنح السلطة المركزية أفقًا تعبويًا بديلاً.

من هذه الزاوية، لا يُقرأ الطموح البحري فقط كامتداد لأزمة داخلية، بل كآلية لإعادة إنتاج الشرعية عبر توسيع أفق الدولة خارج حدود أزمتها البنيوية. تتحول مشاريع البنية التحتية الكبرى إلى أدوات لإعادة توزيع الاعتراف والنفوذ، ليس فقط في الإطار الوطني، بل داخل شبكة إقليمية تتقاطع فيها حسابات الأمن والاستثمار والتموضع الجيوسياسي. في هذا السياق يتداخل البعد الرمزي بالبعد الجيوسياسي، ويصبح الخارج امتدادًا لإعادة هندسة الداخل.

غير أن التطور الأبرز هنا يتمثل في التحول التدريجي لوظيفة الدولة الإثيوبية من فاعل يسعى إلى تثبيت توازناته الداخلية، إلى عقدة ارتكاز في ترتيبات إقليمية تقودها قوى تمتلك فائض رأس مال ونفوذ بحري. فكلما تعمّق الاعتماد على الشراكات الاستثمارية والأمنية في ملف الموانئ والبنية التحتية، ازداد اندماج أديس أبابا في منظومة مصالح تتجاوز أولوياتها الوطنية المباشرة. ولذلك لا يقتصر الطموح البحري على إعادة تموضع إثيوبيا، بل يفتح الباب أمام تحوّلها إلى فاعل يؤدي دورًا وظيفيًا داخل هندسة إقليمية أوسع، حيث تُستخدم الجغرافيا الإثيوبية بحجمها السكاني وثقلها البري كرافعة لإعادة توزيع النفوذ في جنوب البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

الموقف المصري: النيل ركيزة السيادة والأمن

في المقابل لا ينفصل الموقف المصري عن تصور تاريخي يعتبر نهر النيل ركيزة مادية لاستمرار الدولة واستقرارها. هذا التصور تراكم عبر قرون من الكتابات الجغرافية والسياسية التي ربطت انتظام جريان النهر ببقاء الكيان السياسي. من هذا المنظور يُقرأ السد باعتباره اختبارًا لخط أحمر استراتيجي، وهو ما يفسر انتقال القضية من مستوى المؤسسات إلى مستوى الوعي العام، وتحولها إلى مسألة ترتبط بهوية الدولة وحدود أمنها المائي.

في هذا الإطار برز التقرير المنشور في صحيفة “ذا ناشيونال” كطرح يتحدث عن استعداد مصري لدعم وصول إثيوبيا إلى منفذ بحري منظم مقابل اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد ملء وتشغيل السد. التعامل مع هذا الطرح لا يقوم على افتراض تحققه، وإنما على تحليل دلالته السياسية. نشر الفكرة عبر منصة إماراتية يضع الإمارات داخل معادلة هندسة الترتيبات، في موقع يتجاوز الوساطة التقليدية إلى محاولة إعادة صياغة بيئة النزاع.

خلال السنوات الماضية تحركت الإمارات في القرن الإفريقي وفق رؤية تربط الاستثمار بإدارة الموانئ وبناء شبكات نفوذ لوجستي وأمني ما يجعل الميناء أداة تأثير سياسي إلى جانب وظيفته التجارية. من هنا يصبح طرح المقايضة جزءًا من تصور أوسع لإعادة توزيع الأدوار في جنوب البحر الأحمر.

مواقف الدول الساحلية المعنية

إدخال هذا البعد الإقليمي يفتح المجال لتحليل مواقف الدول الساحلية المعنية. تنظر السعودية إلى البحر الأحمر باعتباره امتداداً مباشراً لأمنها القومي ومحوراً لمشروعاتها التنموية على الساحل الغربي ما يجعل أي ترتيبات تمنح إثيوبيا حضوراً بحرياً متقدماً خارج إطار تفاهم شامل معها تحولًا في توازنات الجنوب.

السودان ليس عنصراً محايداً في معادلة الربط بين النيل والبحر الأحمر بل هو مركز ثقلها. كدولة مصب يرتبط أمنه المائي واستقراره الاقتصادي مباشرة بأي تعديل في قواعد تشغيل السد. وكدولة ساحلية يمتلك سيادة مكتملة على فضائه البحري الذي يشكل منفذه الاستراتيجي الوحيد.

هذا التلاقي بين الموردين في الجغرافيا السودانية يمنحه موقعاً حاسماً ويجعل تجاوزه في أي صياغة تفاوضية مساساً مباشراً ببنية أمنه القومي.

أي إعادة تعريف لقواعد إدارة النهر تنعكس على توازناته الداخلية، وأي طرح يتصل بالوصول إلى البحر الأحمر يتقاطع مع صلاحيات سيادية خالصة لا تحتمل الالتباس. الجمع بين المسارين دون إدماج الخرطوم كطرف أصيل لا يعني توسيع دائرة التفاوض بل يعني إنتاج ترتيبات فاقدة للشرعية والاستقرار.

من هذا المنطلق لا يملك السودان هامش القبول بصيغة تمنح إثيوبيا حضوراً يتجاوز إطار العبور المنظم إلى نفوذ ذي طابع دائم. هناك فارق قانوني وسياسي بين ترتيبات تعاقدية محددة تحكمها قواعد واضحة، وبين تموضع استراتيجي يعيد تشكيل ميزان القوة على ساحله. الأول يمكن ضبطه، أما الثاني فيصطدم بجوهر السيادة. وأي محاولة لتمريره ستُقرأ في الخرطوم باعتبارها إعادة توزيع للنفوذ على حسابها لا مجرد تسوية تقنية بين أطراف متجاورة.

أما إرتريا فتحتل موقعاً بالغ الحساسية في هذا السياق. تجربتها التاريخية في انتزاع استقلالها بعد حرب طويلة تجعل مسألة أي وجود إثيوبي طويل الأمد في موانئها وخصوصاً “عصب” قضية أمن قومي. أي صيغة تمنح إثيوبيا امتيازات واسعة في الساحل الإرتري تعيد فتح ملفات الصراع القديم وتثير مخاوف من عودة نفوذ إثيوبي على شريط ساحلي يمثل ركيزة لقيمة إرتريا الاستراتيجية.

في الاتجاه ذاته تعتمد جيبوتي اقتصادياً على كونها المنفذ الرئيسي للتجارة الإثيوبية، ما يجعل أي إعادة توجيه لحركة التجارة نحو موانئ بديلة عاملًا مؤثرًا في بنيتها الاقتصادية وموقعها التفاوضي.

ويمثل الصومال نقطة ارتكاز إضافية. مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وإقليم أرض الصومال قُرئت في مقديشو باعتبارها مساسًا بوحدة الأراضي وليست اتفاقًا استثماريًا عابراً. الدفاع عن السيادة الساحلية في الحالة الصومالية يتقاطع مع تحالفات عسكرية وسياسية إقليمية ما يجعل أي ترتيبات بحرية خارج إطار الحكومة الفيدرالية عامل توتر مباشر في المعادلة.

الأبعاد الدولية للأزمة

على المستوى الدولي تنظر الولايات المتحدة إلى الملف من زاوية منع تشكل فراغ أمني في البحر الأحمر يمكن أن تستثمره قوى منافسة. تتابع الصين المسألة من منظور حماية استثماراتها ومساراتها التجارية، بينما تسعى روسيا إلى توسيع حضورها البحري وتراقب تركيا أي إعادة تشكيل لمشهد الموانئ في القرن الإفريقي ضمن سياق نفوذها المتنامي. هذه التداخلات تضيف طبقة إضافية من التعقيد، حيث يتجاوز النزاع حدود الإقليم ليصبح جزءًا من شبكة تنافس دولي أوسع.

سيناريوهات المستقبل

انطلاقاً من هذه المعطيات لايمكن الاكتفاء بعرض السيناريوهات بوصفها احتمالات متوازية بل ينبغي إدراجها ضمن تقدير مشروط بمحددات داخلية وإقليمية ودولية. فمسار الأزمة تحكمه ثلاثة مستويات متداخلة: قدرة الأنظمة المعنية على إدارة كلفة التنازل داخلياً وطبيعة التوازنات في جنوب البحر الأحمر ومدى استعداد القوى الدولية للتدخل في هندسة البيئة الأمنية للممرات الاستراتيجية.

السيناريو الاول: مقايضة هيكلية شاملة

تقوم على اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد ملء وتشغيل السد مقابل ترتيب منظم يتيح لإثيوبيا نفاذاً بحرياً عبر تفاهمات متعددة الأطراف. تحقق هذا المسار يفترض استعدادًا إثيوبيًا لقبول قيود قانونية واضحة، وقدرة مصرية على الانتقال من منطق إدارة التهديد إلى إعادة صياغة بيئة النزاع، فضلًا عن موافقة صريحة من الدول الساحلية المعنية، خصوصًا إرتريا والصومال. مؤشراته المبكرة تتمثل في عودة مفاوضات فنية بصيغة قانونية محددة، وتراجع الخطاب التعبوي حول “الحق التاريخي” لصالح لغة تعاقدية، وظهور أطر تفاوضية تضم الدول الساحلية مباشرة. غير أن هشاشة الثقة وحساسية السيادة تجعل هذا المسار ممكناً نظرياً لكنه محدود الاحتمال في الأمد القريب.

السيناريو الثاني: الاستنزاف المتبادل

وهو الأقرب إلى منطق إدارة الصراع الحالي، يقوم على الاستنزاف المتبادل: ترسيخ الأمر الواقع في إدارة السد مقابل توسيع شبكات الضغط البحري عبر استثمارات وتحالفات وأدوات نفوذ غير مباشرة.

لا يتطلب هذا المسار تنازلات كبرى بل إدارة توتر منخفض الحدة طويل الأمد. مؤشراته تشمل تسريع ترتيبات لوجستية بديلة، وتصاعد الخطاب السياسي دون انزلاق إلى مواجهة عسكرية، وتكثيف الحضور الأمني أو الاستثماري لقوى إقليمية في الموانئ. هذا المسار ينسجم مع حسابات الكلفة السياسية لكل طرف، ما يجعله الأكثر ترجيحاً في المدى المنظور.

السيناريوا الثالث: الهندسة الخارجية للملف

يقوم هذا المسار على صيغة تختلف عن التدويل التقليدي الذي ينقل النزاع إلى مؤسسات متعددة الأطراف وأطر قانونية معلنة. هنا تُدار الترتيبات عبر شبكات متداخلة من الاستثمار والأمن تقودها قوى وازنة تعيد توزيع الأدوار عمليًا من دون مساس شكلي بالسيادة. لا يُحال الملف إلى منصة دولية جامعة، بل يُعاد تشكيله داخل منظومات تعاقدية وأمنية مرنة تمزج بين التمويل والحماية واللوجستيات.

يتعزز هذا السيناريو عندما تتقاطع مصالح هذه القوى على منع فراغ أمني في البحر الأحمر، وعندما تعجز الأطراف المحلية عن إنتاج تسوية مستقرة أو حسم واضح. يصبح التدخل الخارجي حينها مدفوعًا بحسابات أمن الملاحة وسلاسل الإمداد والطاقة، أكثر من كونه اصطفافًا سياسيًا مباشرًا. من مؤشراته إبرام اتفاقات طويلة الأمد لإدارة موانئ ضمن ترتيبات أمنية موازية، وتكثيف التنسيق خارج الأطر الإقليمية المعتادة بما يخلق طبقة إدارة فوق وطنية للملف. احتماله متوسط حالياً ويتصاعد كلما ارتفع القلق الدولي من اختلال أمن الممرات البحرية الحيوية.

السيناريوا الرابع: الانفجار الاقليمي

وهو الأقل رغبة لكنه يظل قائمًا إذا تزامنت خطوات أحادية حادة مع أزمات داخلية غير مسيطر عليها. تصاعد التعبئة العسكرية، تجميد قنوات الاتصال السياسي أو منح ترتيبات بحرية تُفهم كاختراق مباشر للسيادة الساحلية كلها مؤشرات مبكرة لهذا المسار. ورغم انخفاض احتماله في الأمد القصير، فإن تراكم الأزمات دون آليات احتواء قد يدفع إليه قسرًا.

وفي ضوء المعطيات الراهنة يبدو الاستنزاف المتبادل هو المسار الأقرب بينما تتطلب المقايضة الشاملة تحولات داخلية عميقة، وتبقى الهندسة الخارجية رهينة تقاطع مصالح القوى المؤثرة ويظل الانفجار احتمالًا احتياطياً يبرز فقط عند انسداد البدائل. هكذا يتضح أن الربط بين السد والمنفذ البحري ليس مجرد فكرة تفاوضية، بل هي اختبار لقدرة الإقليم على إدارة تعارض السيادات دون الانزلاق إلى إعادة تشكيل قسري لموازين القوة.

الجغرافيا كقيد حاكم وحدود الإرادة السياسية

في صلب هذه السيناريوهات يتقدم الموقفان الصومالي والإرتري كعاملين حاسمين في رسم سقف الممكن وحدود الحركة أمام أي صيغة ترتيبات مقترحة. فإثيوبيا رغم ما تملكه من ثقل سكاني وكتلة عسكرية مؤثرة تظل دولة حبيسة محكومة بقيود الجغرافيا. في المقابل تمتلك الدول الساحلية المعنية المورد الذي يشكل جوهر المعادلة، وهو السيطرة السيادية على الشريط البحري والموانئ.

هذا التباين بين فائض القوة البرية ونقص المنفذ البحري يجعل أي تصور لمقايضة تتعلق بالوصول إلى البحر رهينًا بقبول صريح من مقديشو وأسمرا، لا بترتيبات ثنائية تُصاغ خارج إرادتهما. فالجغرافيا في هذه الحالة ليست تفصيلًا تقنياً يمكن تجاوزه بتفاهمات سياسية وإنما هي عنصر تأسيسي في ميزان القوة. وأي صيغة لا تستند إلى موافقة واضحة من “أسمرا” و”مقديشو” ستبقى محكومة بهشاشة بنيوية قابلة للاهتزاز مع أول اختبار ميداني أو تغير في الحسابات الداخلية، بما يحول المنفذ البحري من أداة استقرار محتملة إلى مصدر توتر دائم.

صراع التعريفات لا صراع الموارد

تكشف التفاعلات حول سد النهضة والطموح الإثيوبي نحو البحر الأحمر أن الإقليم أمام لحظة إعادة تعريف لتراتبية القوة، لا مجرد أزمة تقنية قابلة للاحتواء. ما يتبلور هو نمط تنافس جديد تتداخل فيه الجغرافيا بالاقتصاد السياسي، وتتحول فيه مشروعات البنية التحتية إلى أدوات تموضع استراتيجي طويل الأمد. جوهر المعضلة ليس في إمكانية التوصل إلى اتفاق، بل في طبيعته: هل يؤسس لقواعد مستقرة قابلة للبناء، أم يكرّس توازنًا هشًا بين ضغوط متقابلة؟ خبرة القرن الإفريقي تؤكد أن الصفقات غير المؤسسة سرعان ما تتحول إلى توترات مؤجلة، وأن الاستقرار لا ينتج عن مقايضات ظرفية، بل عن إعادة تعريف الأمن بوصفه إدارة مشتركة لتدفقات المياه وحركة التجارة ضمن منظومة واحدة.

في العمق يدور النزاع حول تعريف الأولويات: تعظيم القوة الوطنية أم تقليل المخاطر النظامية المشتركة. تغليب المنطق الأول يوسّع عدم اليقين ويفتح المجال لاستنزاف وتدخلات أعمق، فيما يتيح الثاني تحويل التنافس إلى قواعد اشتباك منضبطة تحمي الحد الأدنى من الاستقرار. ومع تحول القرن الإفريقي إلى عقدة استراتيجية عند تقاطع الملاحة والطاقة وأمن شرق إفريقيا والجزيرة العربية فإن أي خلل فيه يتجاوز حدوده. لذلك، إدارة هذه اللحظة تتطلب تصورًا استراتيجيًا يعترف بتعدد مراكز الثقل، ويضبط أدوات الضغط، ويوازن بين مقتضيات التنمية ومتطلبات السيادة. مستقبل الإقليم لن تحسمه خطوة أحادية حول خزان أو ميناء، بل قدرة الفاعلين على صياغة معادلة توازن تُخضع الجغرافيا لقواعد تعاون مستدام بدل إبقائها رهينة صراع الإرادات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى