ذكرى استقلال إريتريا: بين التضحية ومرارة الواقع

الكاتب : جابر اسناي
في الرابع والعشرين من مايو كل عام، تتجدد ذكرى استقلال إريتريا عن الاستعمار الإثيوبي، بعد نضال مسلح دام لثلاثة عقود، سُطرت فيه أروع ملاحم التضحية. لقد دفع الشعب الإرتري ثمنًا باهظًا للغاية، حيث تجاوز عدد شهدائه المئة ألف، وإن كانت الإحصائيات الرسمية تذكر أقل من ذلك.
لكن، وبعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على إعلان الاستقلال في الرابع والعشرين من مايو 1993، لم تشهد إريتريا الاستقرار والازدهار الذي طالما حلم به شعبها. فبدلاً من أن تُبنى دولة قوية ومزدهرة، تحولت إريتريا إلى سجن كبير لأبنائها. يُجبر المواطنون على التجنيد العسكري مدى الحياة، ويُحرمون من أبسط مقومات الحياة الكريمة، أو يضطرون للهروب من بطش أجهزة النظام، تاركين ديارهم لمصير مجهول في المنافي.
إن النظام الحاكم في إريتريا يفتقر إلى الشرعية والمصداقية، فهو يحكم البلاد بقبضة من حديد، بعيدًا عن أي دستور أو قانون منذ فجر الاستقلال. يتعرض المعارضون للقمع والاعتقال الممنهج؛ فمصير مجموعة (G15) التي ضمت وزراء حكوميين لا يزال مجهولاً، كما اختُطف العديد من أبناء الشعب من مختلف الشرائح – مدرسون، شيوخ، قساوسة، صحفيون ، فنانون ، تجار، عمال، وأفراد عاديون …الخ – من منازلهم وأماكن عملهم، ولا يزال مصيرهم غامضاً حتى اللحظة.
هذه هي إريتريا اليوم، استقلالها جلب لها السقم والذل والهوان. لم نجد فيها من يحقق مقولة الزعيم نيلسون مانديلا الخالدة عن جوهر الحرية والعدالة: “الحرية هي الحق في أن تكون مختلفًا، والحق في أن تكون شخصًا مختلفًا، والحق في أن تعيش بطريقة مختلفة.”
إن ما يقوم به النظام في كل بقاع العالم، عبر سفاراته، من حفلات رقص صاخبة على أنغام أغانٍ يُزعم أنها وطنية، هو تنكر فجّ لتضحيات الشهداء، وتجاهل قاسٍ للمعاناة الإنسانية. لا يمكن لذي قلب أو ضمير أن يقبل أن يرزح أبناؤه أو آباؤه أو أمهاته في غياهب السجون، بينما يتشتت آخرون في معسكرات اللجوء، ويفقد الكثيرون أرواحهم وهم يفرون من بطش النظام، ليصبحوا لقمة سائغة لذئاب الصحراء وحيتان البحر. فذاكرة الإرتريين تئن بعشرات “لامبيدوزا” جديدة.
يجب علينا أن نحزن ونتحسر على هذا الواقع المرير، ما دام العجز قد أصابنا. وعلى محبي السلام والحرية في العالم أن يقفوا صفًا واحدًا بجانب الشعب الإرتري، وأن يؤثروا في الرأي العام العالمي لكي يولي اهتمامًا خاصًا لما يتعرض له شعبنا الأبي.
فرغم الثروات الطبيعية والبشرية الهائلة التي تتمتع بها أرض إريتريا،يعيش شعبنا في الداخل فقرا مدقعاً يفتقر للابسط الخدمات الحياتية ، فإن دعم الحريات وحقوق الإنسان فيها ليس واجبًا أخلاقيًا فحسب، بل هو استثمار في مستقبل أفضل للشعب الإرتري.
هناك عدة طرق يمكن للمجتمع الدولي أن يساهم بها في دعم الحريات وحقوق الإنسان في إريتريا، منها:
• ممارسة الضغط على النظام الإرتري لتحسين سجل حقوق الإنسان وحرية التعبير.
• تقديم الدعم للمنظمات التي تعمل على تعزيز حقوق الإنسان داخل وخارج إريتريا.
• زيادة الوعي بالقضايا الإرترية لجذب الانتباه الدولي وحشد الدعم اللازم.
ونأمل أن يجد الشعب الإرتري يومًا ما الحرية والعدالة التي يستحقها، وأن تصبح إريتريا دولة مزدهرة، ينعم شعبها فيها بالكرامة والحرية. يجب أن نرفع أصواتنا عالياً للمطالبة بحقوق الشعب الإرتري، ونعمل معًا بجد لضمان مستقبل أفضل لهذا الشعب الشجاع.
22 مايو 2025



