سفارات ترهب مواطنيها — جهاز الأمن الإريتري خارج الحدود

تحقيق صحفي : خاص

«هربنا من السجن الكبير… فطاردتنا زنازينه الصغيرة في كل سفارة.»
– لاجئ إريتري في أوروبا

لم يعد المنفى الإريتري ملاذاً آمناً. فالهاربون من سجون النظام الحديدي في أسمرا، الذين ظنوا أنهم وجدوا في أوروبا أو الخليج أو أمريكا فسحة من الحرية، سرعان ما اصطدموا بواقع أكثر تعقيداً: عيون النظام تلاحقهم، وسفاراته تتحول إلى أذرع أمنية عابرة للحدود.

فبينما يُفترض أن تكون السفارات مؤسسات تمثيل دبلوماسي وخدمة قنصلية، تحوّلت البعثات الإريترية في كثير من الدول إلى منصات تجسس وترهيب، ومراكز لتحصيل “ضريبة الشتات” بالإكراه، ودوائر رقابة تخترق الجاليات من الداخل عبر شبكة من المخبرين والعملاء. هذه الممارسات لم تعد خفية، بل أصبحت مادة لتقارير حقوقية وتحقيقات صحفية وبيانات رسمية من حكومات غربية بدأت تدرك حجم التهديد العابر للحدود الذي تمثله آلة النظام الإريتري الأمنية.

يتناول هذا التحقيق كيف تمكّن النظام في أسمرا من تحويل سفاراته إلى أدوات ترهيب عابرة للقارات، وكيف فرض سطوته على الشتات الإريتري، مستخدماً الخوف كسلاح، والولاء المفروض كعملة. من شهادات لاجئين يعيشون في رعب دائم، إلى توثيق عمليات التجسس والابتزاز المالي، وصولاً إلى ردود فعل دولية متأخرة لكنها آخذة في التصاعد، يكشف هذا التحقيق عن ممارسات لا يمكن السكوت عنها، ويطرح السؤال الحتمي: هل يمكن ردع هذا التمدد الأمني لنظام بوليسي عبر الحدود؟

هذا ليس مجرد ملف عن سفارات، بل عن دولة جعلت الخوف من أدوات حكمها… حتى في المنفى

السفارات كمراكز للترهيب

السفارات الإريترية، التي يُفترض أن تكون واجهات دبلوماسية تمثل مصالح الدولة وتخدم مواطنيها في الخارج، تحولت فعلياً إلى مراكز للترهيب والمراقبة، حسبما تؤكد تقارير حقوقية متواترة. هذه السفارات لم تعد تقتصر على تقديم الخدمات القنصلية المعتادة، بل باتت تمارس ضغوطاً منهجية على أفراد الجاليات الإريترية في المهجر. من أبرز وسائل الضغط تلك ما يُعرف بـ”ضريبة الشتات”، وهي ضريبة إلزامية تُفرض على الإريتريين المقيمين في الخارج بنسبة 2% من دخلهم السنوي، وتُجبى تحت التهديد والابتزاز، حيث يُحرم الممتنعون عن الدفع من الخدمات القنصلية الأساسية مثل تجديد الجوازات، أو يُهدد أقاربهم داخل إريتريا بإجراءات انتقامية قد تشمل الاعتقال أو الملاحقة الأمنية.

كما تُتهم السفارات بأنها تلعب دوراً مركزياً في أعمال المراقبة والتجسس على أفراد الجالية، خاصة الناشطين والمعارضين. وتتم هذه الممارسات غالباً عبر شبكات غير رسمية من المخبرين الذين يتم تجنيدهم من داخل الجالية نفسها، ما يزرع الخوف والشك بين أفراد المجتمع الإريتري في الخارج، ويفقدهم الشعور بالأمان حتى في بلاد اللجوء أو الهجرة.

وتُستخدم أيضاً الفعاليات الثقافية والاجتماعية، التي تنظمها السفارات أو تنسقها عبر واجهات مدنية، كأدوات دعائية للنظام في أسمرا، حيث تُستغل هذه المناسبات لجمع الأموال، وترويج خطاب السلطة، وكبح أصوات المعارضة. وكثيراً ما تتسبب هذه الفعاليات في استقطاب حاد داخل الجالية، إذ يقابلها معارضون بتنظيم احتجاجات أو حملات مقاطعة، تعبيراً عن رفضهم لاستخدام الثقافة كغطاء للنفوذ الأمني.

في المحصلة، تلعب السفارات الإريترية دوراً يتجاوز مهامها الدبلوماسية، لتصبح أذرعاً أمنية فاعلة ضمن استراتيجية النظام في السيطرة على الجاليات، وتأبيد الخوف كأداة سياسية حتى خارج حدود الدولة.

شهادات من المهجر

1. المملكة المتحدة
“كنت أشعر دائماً أنني مراقب، لا أستطيع التحدث بحرية حتى مع أصدقائي. السفارة الإريترية تتابعنا، وتفرض علينا دفع ‘ضريبة الشتات’ تحت تهديد عدم تجديد جوازات السفر. عندما رفضت دفع الضريبة، بدأت تهديدات تطال عائلتي في إريتريا، وصل الأمر إلى اعتقالات لأقاربي. أصبحنا سجناء في بلاد الغربة.”
— Human Rights Concern Eritrea
2. ألمانيا
“تعرضت لمضايقات مستمرة بعد وصولي كلاجئ. تم تجنيد عدد من اللاجئين كمخبرين من قبل السفارة، وبدأت أسمع عن أشخاص يتحدثون عن كل ما يحدث داخل الجالية. لا أحد يثق بالآخر، والخوف يسيطر على الجميع، حتى داخل تجمعاتنا الاجتماعية.”
— Freedom House
3. كندا
“تُستخدم الفعاليات الثقافية التي تنظمها السفارة لجمع الأموال وتجميل صورة النظام، لكننا نعرف أنها أدوات ترويجية، والغالبية في الجالية يرفضون المشاركة. بعض المشاركين يخشون التعبير عن رفضهم خوفاً من تأثير ذلك على عائلاتهم في الوطن.”
— Amnesty International
4. السويد
“كنتُ شاهدًا على محاولات مستمرة لترهيب الناشطين السياسيين في الجالية. تتلقى السفارة معلومات عن تحركاتنا وتجمعاتنا، ويتم استدعاء بعض الأشخاص للتحذير والتهديد. كثيرون اضطروا إلى تغيير أماكن إقامتهم خوفًا من التجسس.”
— Orion Policy Institute
5. النرويج
“لم أشعر بالأمان حتى داخل الكنيسة التي نتجمع فيها. كانت هناك محاولات لاختراق التجمعات من قبل أشخاص مرتبطين بالسفارة. هذا الوضع يجعلنا نخشى على أنفسنا وعلى أقاربنا، ويعزلنا عن بعضنا البعض.”
— Eritrea Focus
6. الولايات المتحدة الأمريكية
“عندما بدأت أنشطتي الحقوقية في الجالية، تلقيت تهديدات مباشرة عبر الهاتف ورسائل من أشخاص يزعمون أنهم يعملون لصالح السفارة. الهدف كان وقف أي نشاط معارض. لم يكن الأمر سهلاً، لكننا واصلنا رغم الخوف.”
— Associated Press
7. إيطاليا
“كنت شاهداً على محاولة السفارة استقطاب شبان من الجالية للعمل كمخبرين مقابل بعض الامتيازات. هذه الممارسات أدت إلى تدمير الثقة بين أفراد الجالية وإلى نزاعات داخلية حادة.”
— Human Rights Watch
8. السعودية
“تُمارس السفارة ضغوطاً كبيرة على أفراد الجالية، خاصة في مناطق تجمعاتهم. الكثير من المعارضين يتعرضون لمراقبة مستمرة، بل وصل الأمر إلى تهديدات مباشرة لعائلاتهم في إريتريا عبر رسائل ورسائل هاتفية. كثيرون اضطروا إلى التوقف عن نشاطاتهم خوفاً على سلامتهم وسلامة أهلهم.”
— تقرير حقوقي صادر عن Human Rights Concern Eritrea
9. قطر
“البيئة هنا ليست آمنة للناشطين السياسيين. السفارة تراقب كل حركة، وترسل مراسلين داخل الجالية لجمع المعلومات عن من ينتقد النظام. الجميع يعاني من ضغط نفسي كبير، ولا توجد خصوصية تذكر.”
— تقرير من Freedom House حول الضغط على الجاليات في الخليج.
10. الإمارات
“عشنا حالة من القلق المستمر، خاصة في ظل وجود عدد من المخبرين الذين يعملون لصالح السفارة. تم توجيه تحذيرات مستمرة لبعض الأفراد الذين شاركوا في تجمعات معارضة، وتعرض البعض منهم لمضايقات أمنية داخل الإمارات.”
— توثيق من Amnesty International في تقرير عن الاريتريون في دول الخليج.

هذه الشهادات تؤكد أن نظام إريتريا لا يكتفي بقمع مواطنيه داخل الحدود، بل يمتد إلى المهجر عبر شبكة من الضغوط والمراقبة التي تمارسها سفاراته في كل مكان.

ردود الفعل الدوليه

ردود الفعل الدولية على ممارسات النظام الإريتري خارج حدوده لم تكن غائبة، بل تصاعدت على مر السنوات نتيجة الضغوط الحقوقية وتزايد شهادات الضحايا. ففي عام 2011، تبنى مجلس الأمن الدولي موقفًا واضحًا ضد ما يُعرف بـ”ضريبة الشتات”، حيث دعا النظام الإريتري إلى وقف تحصيل هذه الضريبة التي تُفرض على المواطنين في الخارج بنسبة 2% من دخلهم، خاصةً عندما تُجمع باستخدام التهديد أو الإكراه، وهو ما يُعد خرقًا للقوانين الدولية المتعلقة بسيادة الدول وحقوق الأفراد.

الضغوط تصاعدت لاحقًا، مما دفع دولاً ككندا وهولندا إلى اتخاذ خطوات فعلية ضد دبلوماسيين إريتريين ثبت تورطهم في ممارسات تمس سيادة تلك الدول وأمن جالياتها. ففي كندا، تم طرد دبلوماسي إريتري بعد اتهامات باستخدام التهديدات لجمع الضريبة من الجالية، بينما حذرت هولندا رسمياً السفارة الإريترية من استمرار مثل هذه الممارسات، ملوّحة بإغلاقها إن لم تلتزم بالقانون.

اداة أمنية شمولية

النظام الإريتري لم يعد مجرد سلطة حاكمة داخل حدود وطن، بل تحول إلى جهاز قمع عابر للحدود، يطارد معارضيه في المنافي، ويلاحق اللاجئين في أماكن نزوحهم، ويخنق أنفاس الجاليات الإريترية المنتشرة في الخليج وأوروبا وأمريكا. لقد أعاد تعريف مفهوم “الدولة” لتصبح أداة أمنية شمولية لا غاية لها سوى البقاء، ولو على أنقاض الثقة، والانتماء، والحق في الحياة الكريمة.

هو نظام يحتقر الفكرة الأساسية للسيادة الوطنية، حين يستخدم البعثات الدبلوماسية كمنصات للمراقبة، وليس كجسور تواصل. يرى في السفارات أذرعًا أمنية لا همّ لها سوى التجسس وجمع الإتاوات وملاحقة من يرفع صوته، ولو بالدعاء في مسجد أو بكلمة في منشور.

هذا النظام لا يرى في المواطن شريكاً في الوطن، بل يرى فيه مشروع خطر يجب ضبطه أو إخضاعه. لا يعترف بالاختلاف، ولا يتحمل النقد، ولا يؤمن بالتعدد. يحاصر الخارج لأنه فشل في إقناع الداخل، ويعادي كل من يخرج عن طاعته لأنه فقد القدرة على الإقناع واستبدلها بالتهديد والتخويف.

إن من يتابع السلوك الرسمي الإريتري يدرك أن هذا النظام أصبح عبئًا على الدولة، وعلى علاقاتها الدولية، وعلى مستقبلها السياسي. فبدل أن يكون رافعاً لراية التنمية والحرية، صار عنوانًا للقمع والشتات والإرهاب العابر للحدود. لقد أصبحت إريتريا، بفضل هذا النهج، من أكثر الدول نزيفًا للكفاءات، وأشدّها عزلة عن محيطها الإقليمي والدولي، في وقت تتغير فيه المنطقة وتعيد رسم أولوياتها.

النظام الإريتري اليوم يقف على حافة الإفلاس السياسي والأخلاقي. لا شرعية له إلا بالعنف، ولا سند له إلا بالخوف. لكنه، رغم كل ذلك، لا يستطيع محو ذاكرة المعاناة، ولا مصادرة الحنين إلى وطن مختلف. فالشعوب، وإن صمتت أحياناً، لا تنسى، وإن هجّرت قسراً ، لا تفقد حقها في العودة.

في نهاية التحقيق هذا النظام لا يمكن إصلاحه من الداخل لأنه تأسس على نفي الداخل. ولا يمكنه الصمود في الخارج لأنه يفتقد للحد الأدنى من شرعية الدولة. لذلك فإن سقوطه ليس احتمالاً ، بل نتيجة حتمية لمسار طويل من العنف والإنكار والانفصال عن شعبه.

المصادر و المراجع

1. Eritrea’s Diplomatic Missions are Instruments of Extortion and Intimidation
Human Rights Concern Eritrea
https://www.harnnet.org/index.php/articles-corner/english-articles/item/8958-eritrea-s-diplomatic-missions-are-instruments-of-extortion-and-intimidation
2. Eritrea: Government officials and supporters target critics abroad as repression stretches beyond borders
Amnesty International
https://www.amnesty.org/en/latest/press-release/2019/06/eritrea-government-officials-and-supporters-target-critics-abroad-as-repression-stretches-beyond-borders/
3. Transnational Repression: The Long Arm of Authoritarianism
Orion Policy Institute
https://orionpolicy.org/transnational-repression-the-long-arm-of-authoritarianism/  
4. Eritrea’s 2% Diaspora Tax and its impact in the UK
Eritrea Focus
https://eritrea-focus.org/eritreas-2_-diaspora-tax-and-its-impact-in-the-uk-1-31-october-2022-report/  
5. How Diplomats Enable Transnational Repression
Freedom House
https://freedomhouse.org/article/how-diplomats-enable-transnational-repression

حقوق النشر والحقوق الأدبية محفوظة لصالح شبكة رصد إريتريا الإخبارية.
يحظر التعديل دون إذن خطي مسبق من إدارة الشبكة.
تحتفظ الشبكة بحق اتخاذ الإجراءات القانونية ضد أي انتهاك يعرض العمل للتشويه أو الاستخدام غير المشروع .

Exit mobile version