شهادة من داخل السلطة الإثيوبية تفنّد رواية آبي أحمد حول حرب تيغراي والعلاقة مع إريتريا

رصد اريتريا | تقرير
نشرت عدة منصات إعلامية إثيوبية ومنصات اخرى، من بينها Borkena وEthiopia Forum وRed Sea Beacon، النص الكامل لرسالة مطوّلة وجّهها السياسي الإثيوبي البارز غيدو أندرغاشيو إلى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، ردًا على تصريحات أدلى بها الأخير أمام البرلمان في 3 فبراير 2026 بشأن أسباب الخلاف مع إريتريا وسير العمليات خلال حرب تيغراي.
الرسالة، المؤرخة في 5 فبراير 2026، قدّمت رواية تفصيلية من داخل دوائر صنع القرار خلال الحرب، وناقضت بشكل مباشر ما أورده رئيس الوزراء حول طبيعة التنسيق مع إريتريا، ودور أندرغاشيو في نقل رسائل دبلوماسية تتعلق بحماية المدنيين في تيغراي.
تنسيق عسكري كامل حتى وقف إطلاق النار
أكد أندرغاشيو أن الجيش الإريتري وقوات الدفاع الوطني الإثيوبية عملا فعليًا كقوة واحدة منذ اندلاع الحرب في تيغراي وحتى توقف القتال بموجب اتفاق بريتوريا.
وأشار إلى أن العمليات المشتركة لم تتوقف طوال مراحل النزاع، بل استمرت حتى صيف 2021 عندما وصلت القوات الإريترية إلى محيط ديبري تابور في إقليم أمهرة، قبل أن تتوقف فقط مع إعلان وقف إطلاق النار.
وأضاف أن أي حديث عن قطيعة مبكرة بين الطرفين لا يعكس واقع التنسيق العسكري الوثيق الذي استمر حتى نهاية الحرب.
تحميل شامل للمسؤولية عن الدمار
وانتقد أندرغاشيو ما وصفه بمحاولة تقديم رواية “مشوّهة” عن النزاع عبر تحميل طرف واحد فقط مسؤولية الكارثة الإنسانية.
وأوضح أن الدمار الذي خلّفته الحرب في تيغراي كان نتيجة مباشرة لأفعال جميع الأطراف المشاركة، معتبرًا أن التهرب من المسؤولية لا يسقط الالتزامات القانونية أو السياسية أو الأخلاقية، بل يمنع البلاد من استخلاص الدروس الضرورية لتفادي مآسٍ مماثلة في المستقبل.
وأشار إلى أن شعب تيغراي، خلال الحرب، وجد نفسه إلى حد كبير دون دعم سياسي داخلي حقيقي، باستثناء تضامن محدود من بعض الشخصيات الإثيوبية والمنظمات الدولية وعدد من الحكومات الأجنبية.
نفي صريح لتحريف الوقائع حول منصبه ودوره
في واحدة من أكثر فقرات الرسالة حساسية، فنّد أندرغاشيو بشكل مباشر ما قاله آبي أحمد أمام البرلمان بشأن كونه كان وزيرًا للخارجية بعد اندلاع حرب تيغراي، وإرساله إلى إريتريا رسولًا لمناقشة الجرائم المرتكبة بحق المدنيين.
وشدد على أن هذا الادعاء “غير صحيح إطلاقًا ومحض اختلاق”، موضحًا أنه استقال من منصبه كوزير للخارجية خلال أيام من اندلاع الحرب، وهو ما يجعل الربط بين توليه الوزارة ورحلته اللاحقة إلى إريتريا بلا أساس واقعي.
وأضاف أن هذا التحريف، إن لم يكن مقصودًا، فإنه يثير تساؤلات خطيرة حول محاولة استخدام روايات غير دقيقة لتبرير سياسات أو أزمات مستقبلية قد تلحق أذى إضافيًا بالبلاد وشعبها.
كواليس الموقف من شعب تيغراي
كشفت الرسالة عن نقاشات داخلية في القيادة الإثيوبية عقب السيطرة السريعة على مدينة ميكيلي في الأسابيع الأولى من الحرب.
وقال أندرغاشيو إنه حذّر خلال اجتماع رسمي من سوء معاملة المدنيين ومن مخاطر إعادة إشعال الدعم الشعبي لجبهة تحرير شعب تيغراي، داعيًا إلى احتواء السكان، ومنع الفوضى، وإقامة إدارة مدنية محلية تسمح للإقليم بأن يُحكم من قبل أبنائه.
إلا أنه أورد لاحقًا حوارًا خاصًا مع آبي أحمد عبّر فيه رئيس الوزراء بحسب روايته عن قناعة بأن شعب تيغراي “قد سُحق ولن ينهض مرة أخرى”، مضيفًا أن الحكومة كانت ترى أن “التيغراي التي كنا نعرفها لن تعود أبدًا”.
وأشار إلى أن تصريحات لاحقة لرئيس الوزراء حول جعل تيغراي عاجزة تدريجيًا تعكس، في نظره، الموقف الحقيقي الذي حكم سلوك السلطة خلال الحرب.
تفاصيل الرحلة الوحيدة إلى أسمرا
أوضح أندرغاشيو أن رحلته الوحيدة إلى إريتريا جرت في أوائل يناير 2021، بتكليف مباشر من آبي أحمد، وبرفقة مسؤول من وزارة الخارجية.
وبحسب الرسالة، حملت المهمة ثلاث نقاط أساسية إلى الرئيس الإريتري أسياس أفورقي:
1. تهنئته على “النجاح المشترك” للعملية العسكرية المنسقة ضد جبهة تحرير شعب تيغراي.
2. شكره على دعم الحكومة والشعب الإريتريين للقوات الإثيوبية، لا سيما استقبال أفراد القيادة الشمالية.
3. التحذير من حملة دولية واسعة تتهم الجانبين بانتهاكات حقوق الإنسان، وضرورة توخي الحذر واتخاذ إجراءات منسقة.
وأضاف أنه اقترح خلال التكليف الرسمي طلب انسحاب القوات الإريترية من تيغراي، إلا أنه تلقى توجيهًا صريحًا بعدم إثارة هذا الموضوع “تحت أي ظرف”.
وأشار إلى أن الاجتماع في أسمرا كان إيجابيًا، وأن أسياس أفورقي شدد على الحذر في ما يتعلق باتهامات حقوق الإنسان، مع الإشارة إلى وجود “عمل إضافي” لم يُفصّل.
ربط الحرب بسلسلة أزمات داخلية أوسع
وسّع أندرغاشيو في رسالته دائرة التحليل، معتبرًا أن حرب تيغراي، والفظائع في إقليم أمهرة، والصراع الممتد في أوروميا، والعنف في بني شنقول، والأحداث الأخيرة في غامبيلا، كلها نتاج لضعف الحكم والاعتقاد الخاطئ بأن البقاء السياسي يتطلب صراعًا دائمًا.
وحذّر من أن محاولة صناعة أزمات جديدة عبر اتهامات خارجية لن تؤدي إلا إلى تعميق هشاشة البلاد بدل معالجتها.
تداعيات سياسية مفتوحة
تعكس شهادة أندرغاشيو، الصادرة من قلب المؤسسة الحاكمة سابقًا، تصدعًا واضحًا في الرواية الرسمية التي قدّمتها الحكومة الإثيوبية بشأن طبيعة الحرب في تيغراي والعلاقة مع إريتريا.
كما تعيد فتح ملفات حساسة تتعلق بـ:
• مستوى التنسيق العسكري الإثيوبي–الإريتري
• حقيقة الموقف الرسمي من حماية المدنيين
• المسؤوليات السياسية والأخلاقية عن الكارثة الإنسانية
وفي وقت لا تزال فيه إثيوبيا تواجه أزمات أمنية وسياسية متعددة، تضع هذه الشهادة القيادة أمام أسئلة متزايدة حول المحاسبة، وصدق الخطاب الرسمي، وإمكانية بناء مصالحة وطنية حقيقية .



