أخبار اريتريااريترياتحليلاترأيمدونات

حين يتبدّل الوجه وتبقى الخيانة كما هي

رصد اريتريا | المنفي رقم ٢٤ يكتب ..

كانوا بالأمس بيننا، يجلسون معنا على ذات الطاولة، يرفعون ذات الشعارات، يكتبون بمداد الغضب ويهتفون معنا ضد الطغيان. كانوا يلعنون أفورقي ونظامه، يصفونه بالمستبد الذي صادر الحرية، وبدّد الأحلام، وسجن الوطن في زنازين الخوف.
كنا نصدقهم، نحسبهم منا وفينا، حتى إذا ما انكشفت الأقنعة وسقطت الكلمات التي كانوا يخبئون خلفها نواياهم، رأينا الحقيقة في وجوههم بلا تجميل: لم يكونوا معنا يومًا، كانوا ينتظرون فقط متى يبيعون الصوت، ومتى يعلنون الولاء الجديد.

ليس غريباً أن يتبدّل الموقف، فالبشر يتغيّرون، لكن الغريب أن يتحول الناقد إلى مروّج، والمنفي إلى شاهد زور، والمعارض إلى مطبّل.
أن يقول لك بالأمس: “يسقط النظام”، ثم يخرج اليوم ليقول: “لقد اكتشفت أن النظام ملائكي وأننا كنا نظلمه.”
أي ملائكة هؤلاء الذين يقتاتون على عذابات الناس؟
أي نورٍ وجد في ظلامٍ صنعه بنفسه؟
وأي إيمانٍ جديدٍ هذا الذي يبدأ بالإنكار وينتهي بالسجود أمام الجلاد؟

في المنفى تتعرّى النفوس، تختبر المعادن الحقيقية، ويُعرف من كان يقاتل من أجل وطن، ومن كان يقاتل فقط من أجل نفسه.
في المنفى لا توجد أقنعة طويلة العمر، فالمسافات كفيلة بفضح ما تخفيه الكلمات.

أولئك الذين قرروا فجأة أن النظام الذي هجّرهم وقتل رفاقهم هو نظام صالح، لا يفعلون ذلك عن “اقتناع”، بل عن صفقة، أو خوف، أو بحثٍ عن مكانٍ دافئٍ في حضن السلطة.
لكنهم لا يدركون أن التاريخ لا يرحم المتحوّلين، وأن ذاكرة المقهورين لا تنسى.

من خان صوته، لا يمكن أن يُؤتمن على كلمة.
ومن خان وجع المنفى، لا يمكن أن يكون زميلك ولا حتى ظلك.
فالحرّ لا يجلس إلى من باع الحرية، ولا يمدّ يده لمن صافح الجلاد.
إن الخير والشر لا يمكن أن يتقاسما المائدة نفسها.
ولا يمكن للعدل أن يلتقط صورة تذكارية مع الظلم.
فكيف إذًا نُسمي هذا الذي بدّل جلده “زميلاً”؟

إنهم أخطر من رجال الأمن أنفسهم، لأنهم يأتونك بثوب الرفيق، بابتسامة الماضي، وبحديث الذاكرة المشتركة.
يتسلّلون إلى قلبك عبر باب “الزمالة”، ثم يفتحون لك نافذة صغيرة على الخيانة.
هم أشبه بالعيون التي تبتسم لك لتقيس خوفك، وبالألسن التي تذكّرك بالمبادئ فقط لتعرف كم بقي منها فيك.

الحذر… ثم الحذر من هؤلاء.
لا تصدق من كان بالأمس ثائرًا واليوم صار مدّاحاً .
ولا تمدّ يدك إلى من استبدل “يسقط” بـ “يعيش”.
فهذا لم يغيّره الوعي، بل غيّره الثمن.

المنفى علّمني أن أثق بالمواقف لا بالكلمات، وأن أقرأ الوجوه أكثر مما أقرأ المقالات.
فالذي يمدح النظام اليوم، قد يمدحك غدًا، فقط إن دُفعت له الفاتورة المناسبة.
هؤلاء لا يؤمنون بشيء سوى أنفسهم.

إن معركتنا ليست فقط مع النظام، بل مع كل من يحاول تجميل وجهه، وتلميع قسوته، وتبرير دمائه.
هؤلاء الذين يرفعون راية “الواقعية” لتبرير خضوعهم، لا يفهمون أن الواقعية الحقيقية هي أن تبقى واقفًا، حتى لو كنت وحدك.

لقد عشنا ما يكفي لنفهم أن “المنفى” ليس مكاناً جغرافياً، بل اختبار أخلاقي.
فيه يُعرف الصادق من المتلوّن، والمبدئي من التاجر، والمخلص من العابر.

فاحذر يا صديقي من الزميل الذي انقلب على نفسه، لأن من يخون فكرته الأولى، لن يتردد في خيانتك الثانية.
وحين يقول لك بابتسامة باردة: “لقد اكتشفت الحقيقة”، فاعلم أن ما اكتشفه هو طريق العودة إلى حضن الطاغية.

نحن لا نحاكم النوايا، لكننا لا نغفر الخيانة.
فمن باع الثورة مرة، سيبيعها ألف مرة.
ومن عاد ليبرّر القاتل، فقد اختار موقعه بوضوح.

وسيبقى المنفى شاهداً على أننا لم نبع، ولم نُصفّق، ولم نرَ في الظلم ملائكةً ولا في الطغاة قديسين.
وسيبقى التاريخ يكتب أسماء المناضلين بحبرٍ لا يجف، ويضع أسماء الخونة في هامشه… بخطٍ باهتٍ لا يُقرأ

هذا النص يعكس وجهة نظر الكاتب، ويسعى لرصد الواقع الحقوقي والسياسي في إريتريا كما يراه من الخارج، دون أن يُلزم المنصة بمضمونه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى