تخفيف التوتر ضروري لمنع إثيوبيا وإريتريا من الانزلاق إلى حربالدبلوماسية الوقائية ضرورية لمنع حرب مدمّرة أخرى في القرن الأفريقي وسط تصاعد التوترات حول تيغراي وسعي إثيوبيا للحصول على منفذ إلى البحر الأحمر.

رصد اريتريا | chathamhouse
تصاعدت التوترات بين إثيوبيا وإريتريا في الأسابيع الأخيرة، مما أثار مخاوف من اندلاع حرب كارثية أخرى في القرن الأفريقي.
كانت العلاقات بين البلدين الجارين متوترة إلى حد كبير منذ الحرب الإثيوبية الإريترية المدمّرة بين عامي 1998 و2000. وقد شهدت العلاقات انفراجًا قصيرًا في عام 2018، ثم تحالفا لاحقًا ضد جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF) خلال حرب تيغراي 2020–2022، وهي منطقة في إثيوبيا تقع على الحدود مع إريتريا.
لكن العلاقات تدهورت مرة أخرى منذ ذلك الحين، مما أثار مخاوف متجددة من الحرب. فاليوم، أدّت القضايا غير المحلولة بعد الحرب في تيغراي وسعي إثيوبيا للحصول على منفذ إلى ميناء عصب الإريتري إلى إشعال التوترات في منطقة تشهد تغيرات مستمرة في التحالفات.
تصاعد التوترات في تيغراي
بعد ثلاث سنوات من اتفاق وقف الأعمال العدائية (CoHA) المعروف باتفاق بريتوريا الذي أنهى القتال في تيغراي، بدأت حالة السلام الهشة في المنطقة في التراجع.
وقد ساهمت عدة عوامل في تصاعد التوترات في تيغراي وقطع التواصل بين الحكومة الفيدرالية والإقليم. فتيغراي، التي يسكنها نحو 7 ملايين شخص، تم تهميشها فعليًا عن عملية صنع القرار على المستوى الوطني. فهي غير ممثلة على المستوى الفيدرالي، وتم إلغاء تسجيل جبهة تحرير شعب تيغراي كحزب سياسي. كما أن وضع غرب تيغراي المتنازع عليه – حيث لا يزال آلاف الأشخاص مهجّرين لم يُحسم بعد.
أدّى صراع داخلي على السلطة داخل جبهة تحرير شعب تيغراي إلى إزاحة غيتاتشيو رضا من الحزب، مع تأكيد الإطاحة به من منصبه كرئيس مؤقت لإقليم تيغراي في مارس. وقد زاد استبعاده، وهو شخصية محورية في اتفاق بريتوريا وكان مشاركًا في الوساطة مع الحكومة الفيدرالية، من توتر العلاقات بين تيغراي وأديس أبابا.
شعب تيغراي لا يريد العودة إلى الحرب.
أما خليفته، الجنرال تادسي وريدي، فيُنظر إليه على أنه متقارب مع جبهة تحرير شعب تيغراي في القضايا الأخيرة. وهذا الأمر يقلق الحكومة الفيدرالية، التي حذرت من انضمام الجبهة إلى جانب إريتريا في حرب بالوكالة محتملة، وهي اتهامات تنفيها الجبهة.
يبدو أن إريتريا وجبهة تحرير شعب تيغراي، العدوّين اللدودين منذ ما يقرب من 30 عامًا، قد أقاما تحالفًا تكتيكيًا غير رسمي يُشار إليه باسم “تسميدو”، وهي عبارة تعني “الاصطفاف”. فبالنسبة لإريتريا، يمكن للجبهة أن تكون بمثابة حاجز يحمي أراضيها من الحرب. بينما قد تستفيد الجبهة من حماية وحدود آمنة لاستيراد الأسلحة وتصدير الذهب غير المشروع.
هناك شعور بأن الحكومة الفيدرالية سعت إلى خلق منافسة فصائلية داخل الجبهة وبين المجموعات السياسية والعسكرية التي ظهرت في مرحلة ما بعد الحرب في تيغراي. يشمل ذلك دعمها لمجموعة “سِمرِت” التي يقودها غيتاتشيو والجنرال تسادكان غبريتِنساي.
ورغم الخطاب المتوتر، لا تبدو إثيوبيا أو إريتريا أو جبهة تحرير شعب تيغراي متحمّسة للحرب.
وقد اتُّهمت الجبهة، التي أصبحت معزولة بشكل متزايد منذ اتفاق بريتوريا، بمهاجمة قرى في إقليم عفر المجاور والاشتباك مع فصائل أخرى على الحدود. لكنها تنفي هذه الاتهامات، وتدعو إلى احترام اتفاق وقف الأعمال العدائية وإلى وساطة دولية عاجلة.
وقد تعكس التحركات العسكرية للجبهة محاولة استراتيجية للبقاء ذات صلة وانتزاع تنازلات من الحكومة الفيدرالية. لكن ذلك ينطوي على خطر تصعيد غير مقصود. كما يؤجج القتال الاستياء المتزايد داخل الإقليم، إذ لا يريد شعب تيغراي العودة إلى الحرب.
طموح الحصول على منفذ إلى البحر الأحمر
ترتبط التوترات بين إثيوبيا وإريتريا أيضًا بسعي إثيوبيا للحصول على وجود على البحر الأحمر. فإثيوبيا لها تاريخ بحري حديث، ولم تصبح دولة حبيسة إلا بعد استقلال إريتريا عام 1993، عقب استفتاء أجرته إثيوبيا بعد حرب استقلال إريتريا التي استمرت ثلاثين عامًا بين 1961 و1991.
صرّح رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بأن فقدان الوصول إلى البحر الأحمر كان “خطأ”، وصوّر استعادته بأنه “أمر محتوم ووجودي” لإخراج إثيوبيا من “سجنها الجغرافي”. وتؤكد إثيوبيا أن لها حقاً قانونياً في الوصول إلى البحر الأحمر، وغالباً ما تربط هذا الحق بميناء عصب، وقد شككت موخراً في شرعية الطريقة التي فقدت بها هذا المنفذ.
أما إريتريا فترى أن القضية “خط أحمر لا يجب تجاوزه”، وتعتبر “الطموحات التوسعية” لإثيوبيا تهديدًا لسيادتها. وتؤكد أن حق أي دولة حبيسة في الوصول إلى البحر مشروط باتفاقيات يتم التفاوض عليها بشكل متبادل مع الدولة الساحلية.
المجتمع الدولي يجب أن يثني إثيوبيا عن التحرك نحو عصب ويشجع إريتريا على الانخراط بجدية في الحوار.
تقول إثيوبيا إن لديها حاجة وجودية لتعزيز دورها على “المائين” النيل والبحر الأحمر. ويعكس افتتاح سد النهضة الإثيوبي الكبير (GERD) على النيل رؤية رئيس الوزراء الراحل ميليس زيناوي. أما الحصول على منفذ دائم إلى البحر الأحمر فهو محور أساسي لإرث آبي أحمد السياسي.
وترى إثيوبيا أنها تملك مصلحة اقتصادية قوية في تنويع موانئها لخدمة سكانها الذين يتجاوز عددهم 130 مليون نسمة. فهي تعتمد حالياً على موانئ جيبوتي في 95% من حجم وارداتها وصادراتها، وتدفع لجيبوتي ما لا يقل عن 400 مليون دولار سنوياً كرسوم للموانئ، مع تقديرات أعلى بكثير عند احتساب رسوم الخدمات اللوجستية. وقد يُسهم الحصول على خيارات إضافية في تعزيز التجارة وخفض الرسوم الكبيرة التي تتحملها إثيوبيا.
لكن إثيوبيا تسعى ايضاً إلى وجود بحري يشمل قاعدة عسكرية أو بحرية. والضبابية حول كيفية نيتها تحقيق ذلك سواء عبر اتفاقية إيجار أو عبر السعي إلى “وصول سيادي” تثير قلق معظم الدول الساحلية الإقليمية. فمصر، التي تخوض نزاعاً مع إثيوبيا حول سد النهضة، تعارض الوجود البحري الإثيوبي باعتباره تهديداً لمصالحها في البحر الأحمر، خصوصاً مع تعميق تحالف أديس أبابا مع الإمارات.
وتصدّت الصومال أيضًا لمذكرة التفاهم التي وقعتها إثيوبيا مع صومالي لاند عام 2024، والتي سعت إلى تبادل الوصول البحري مقابل اعتراف محتمل بالدولة. وبينما تم إلغاء هذه الخطوة لاحقًا، دفعت آبي أحمد إلى إعادة التركيز على الوصول الساحلي عبر إريتريا.
ومؤخراً، جدّد المسؤولون الإثيوبيون تصريحاتهم حول عصب، مما أدى إلى تصاعد الحرب الكلامية مع إريتريا وزيادة المخاوف من اندلاع صراع.
الأولويات لخفض التصعيد
القلق الفوري يجب أن ينصب على منع الحرب. فالدبلوماسية الوقائية ضرورية لخفض التوترات وإتاحة مساحة للحلول السلمية.
وتفيد المصادر بأن السعودية عرضت التوسط بين إريتريا وإثيوبيا. كما أجرت تركيا مفاوضات بين إثيوبيا والصومال عام 2024. ولدى الإمارات كذلك دوافع لحماية مصالحها الاقتصادية والبحرية. أما الشركاء الغربيون، بما في ذلك الولايات المتحدة، فلديهم مصلحة في ضمان السلام والبنية التحتية الإقليمية في المنطقة.



